أهالي السويداء غاضبون من دمشق وموسكو

تشييع قتلى الاشتباكات بين فصائل محلية و«الفيلق الخامس» جنوب سوريا

سوريون من أهالي السويداء أمس (السويداء 24)
سوريون من أهالي السويداء أمس (السويداء 24)
TT

أهالي السويداء غاضبون من دمشق وموسكو

سوريون من أهالي السويداء أمس (السويداء 24)
سوريون من أهالي السويداء أمس (السويداء 24)

قام مشيعون غاضبون في مدينة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، بطرد ممثلي النظام السوري من التشييع في الملعب البلدي بالسويداء، صباح يوم الأربعاء، لخمسة عشر شاباً قُتلوا أول من أمس، في اشتباكات عنيفة وقعت جنوب محافظة السويداء بين الفيلق الخامس الذي شكّلته روسيا وتابع لقوات النظام، وبين فصائل السويداء المحلية، على خلفية توغل الفيلق الخامس في أراضٍ زراعية تابعة لبلدة القريا جنوب السويداء، إذ هبّت الفصائل المحلية لاستعادة تلك الأراضي.
وتسود مشاعر من الغضب بين الأهالي في السويداء ضد النظام وحليفه الروسي، وقالت مصادر محلية في السويداء لـ«الشرق الأوسط»: «أهالي الجبل غاضبون من الروس لعدم التزامهم بالتعهدات التي قطعوها لعقّال السويداء فيما يخص إلزام الفيلق الخامس بالانسحاب من أراضي بلدة القريا التي توغلوا فيها منذ ستة أشهر، كما أن الأهالي غاضبون من النظام الذي لم يمنع وقوع الاشتباكات وأجاز الاعتداء على أراضي السويداء واستمرار التوتر في المنطقة بهدف زج شباب السويداء في المعارك دون أن يقوم بلجم الفيلق الخامس». وأضافت المصادر أن «الأهالي عبّروا عن غضبهم من النظام بطرد ممثليه من جنازة الشهداء».
وذكر موقع «السويداء 24» الإخباري المحلي أن مراسم التشييع جرت في السويداء «وسط حالة من الغضب بين المواطنين، الذين طردوا أمين فرع حزب البعث ومسؤولي السلطة، من التشييع». وقال الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في الأراضي المحتلة، موفق طريف، الذي تابع «بقلق» أحداث السويداء خلال اليومين الماضيين: «إن الاعتداء على الجبل، مهما كان مصدره ومن يقف وراءه، سيكلف المعتدين غالياً ومن شأنه أن يؤدي إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة».
كما نشرت الصفحة الرسمية لطريف بياناً أوضحت فيه أن الشيخ موفق طريف طلب من الجانب الروسي «لجم اعتداءات الفيلق الخامس وأحمد العودة على بلدة القريا وسكانها في ريف السويداء»، ذلك في اتصال هاتفي أجراه مع نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، حيث أكد الشيخ «أنّه في حال استمرت الاعتداءات فإنها لن تمر مرور الكرام» لما تمثله بلدة القريا لدروز العالم من أهمية ومكانة تاريخية. كما أفاد البيان بأن نائب الوزير بوغدانوف قال لطريف «إنه بحث مع الرئيس السوري بشار الأسد، الوضع في الجنوب السوري خلال زيارته لسوريا قبل أسابيع، واعداً بالسعي لوقف إطلاق النار في القريا وبحث القضية مع القوات الروسية العاملة في سوريا».
وقُتل 15 عنصراً من فصائل السويداء المحلية والدفاع الوطني في بلدة القريا بريف السويداء الغربي، وآخر من قوات الفيلق الخامس المدعوم من روسيا في مدينة بصرى الشام شرقي درعا، بعد أن اندلعت أول من أمس (الثلاثاء) 29 سبتمبر (أيلول) 2020، اشتباكات عنيفة بين فصائل محلية مسلحة في السويداء وقوات الفيلق الخامس في مدينة بصرى الشام المعقل الرئيسي لقوات الفيلق الخامس المدعوم من روسيا على الحدود الإدارية بين محافظتي درعا والسويداء جنوب سوريا.
وأفادت مصادر محلية بأن المواجهات تسببت بسقوط قتلى وجرحى بين الطرفين، تزامن مع حالة من التوتر سادت المنطقة، جراء استمرار الاشتباكات واستخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والتحشيد العسكري الذي نفّذه كل من الفيلق الخامس و«قوات رجال الكرامة»، طرفي النزاع في المنطقة.
وقالت مصادر خاصة من بصرى الشام لـ«الشرق الأوسط» إن مجموعة مسلحة من السويداء تابعة للدفاع الوطني شنت هجوماً صباح الثلاثاء على عدة محاور لنقاط متقدمة تابعة للفيلق الخامس بين مدينة القريا في السويداء ومدينة بصرى الشام في درعا المتحاذيتين. وأضافت المصادر أن القوات المهاجمة استقدمت تعزيزات إلى مدينة القريا في السويداء بينما نشر الفيلق الخامس عتاداً عسكرياً ثقيلاً في منطقة الاشتباك التي استهدفت مواقع تمركز المجموعات المهاجمة.
وأكدت المصادر سقوط أربعة قتلى من فصائل السويداء المحلية وعدد من الجرحى، بالإضافة إلى مقتل عنصرين من الفيلق الخامس، تزامن ذلك مع استعادة فصائل السويداء ثلاثة مواقع هي «المناخ، والدلافة، وبيوت البدو» مما استفز قوات الفليق الخامس التي قصفت بالقذائف الصاروخية بلدة المجمير وبرد بالسويداء، ما أدى إلى إصابة أحد المدنيين بجروح.
وفي سياق متصل، أوضحت مصادر من السويداء أن المواجهات أتت نتيجة فشل المباحثات مع قوات الفيلق الخامس في بصرى الشام التي يتزعمها أحمد العودة، للانسحاب من الأراضي الزراعية التي تعود ملكيتها لأهالي بلدة القريا في ريف السويداء الواقعة بين محافظتي درعا والسويداء، لافتةً إلى أن الفيلق الخامس استقدم تعزيزات إضافية إلى المنطقة قبل أيام، الأمر الذي عدّته فصائل السويداء فرضاً للأمر الواقع، وبناءً عليه قررت الهجوم.
من جانبها، أعلنت الفصائل المحلية المسلحة في السويداء (حركة رجال الكرامة) مقتل عدد من مقاتليها وإصابة آخرين خلال الاشتباكات الدائرة في بلدة القريا، وأنها دفعت بمئات المقاتلين إلى مواقع الاشتباكات في القريا.
وقالت مصادر مطّلعة على المفاوضات بين الفيلق الخامس وبلدة القريا إن المنطقة شهدت حالة من الهدوء لعدة أشهر، بعد الخلاف الأول الذي حصل شهر أبريل (نيسان) الماضي، مشددة على أن قوات الفيلق لم تمنع المزارعين هناك من الذهاب إلى أراضيهم وحصادها، سواء من أهالي القريّا في السويداء أو أهالي بصرى الشام في درعا.
وكان وفد المفاوضات السابق قد تعهد بالحفاظ على الجوار والسلم الأهلي في المنطقة، لكن الهجوم الأخير كان على النقاط العسكرية التابعة للفيلق الخامس بين بصرى الشام والقريا، وهذه النقاط موجودة على أرض بصرى الشام، سيؤدي إلى وقوع خلافات جديدة.
وأوضحت مصادر مطلعة أن فصائل السويداء وتحديداً في بلدة القريا ترى أن الفيلق الخامس سيطر على أراضٍ من بلدة القريا، وينشر نقاطه فيها، بينما كان الاتفاق السابق يقضي بنشر قوات للجيش السوري في أرض القريا المتاخمة للنقاط التي يسيطر عليها الفيلق الخامس، وبقاء الفيلق الخامس ضمن نقاطه الموجودة في أرض بصرى الشام، وكان ذلك الاتفاق بحضور روسي وجهود وفود مفاوضة من درعا والسويداء.
والمواجهات ليست الأولى بين قوات الفيلق الخامس في بصرى الشام والفصائل المحلية في السويداء عند بلدة القريا، حيث شهدت المنطقة الجنوبية في أوائل شهر أبريل الماضي 2020 توتراً في بلدة القريا، جنوب غربي محافظة السويداء، ومدينة بصرى الشام، بريف درعا الشرقي، بعد اشتباكات بين فصائل من السويداء وقوات من «الفيلق الخامس» في درعا، المشكّل من فصائل التسويات «مما أدى إلى وقوع 15 قتيلاً من عناصر الفصائل المحلية في السويداء ومن أبناء بلدة القريا، وثلاثة عناصر من الفيلق الخامس في بصرى الشام، وأصدرت حينها الفصائل المحلية في السويداء «حركة رجال الكرامة» بياناً حمّلت فيه «الفيلق الخامس» المدعوم من روسيا مسؤولية الأحداث التي شهدتها بلدة القريا بريف السويداء، والتي راح ضحيتها كثير من القتلى والجرحى، وعدّت أن «الفيلق الخامس تشكيل من مرتبات (الجيش)، ويتبع مباشرة للقوات الروسية في سوريا، وعلى هذا فإن المسؤولية المباشرة عن المجزرة التي ارتكبها الفيلق التابع لها تتحملها القوات الروسية في سوريا، ويقع على عاتقها محاسبة المرتكبين، بدءاً من حليفها أحمد العودة وصولاً إلى عناصره الذين ارتكبوا المجزرة بحق المدنيين».
وانتهت المواجهات حينها بتوجه وفد من وجهاء محافظة درعا إلى مدينة بصرى الشام، والتقوا قيادة «الفيلق الخامس» الروسي هناك لاحتواء الموقف، وتهدئة التوتر لإبعاد الفتنة بين المحافظتين. كما تدخل حينها مركز المصالحة الروسية في المنطقة الجنوبية، وأرسل وفداً إلى مدينة بصرى الشام في درعا، وبلدة القريا في السويداء، للتفاوض مع أطراف الصراع، واتفقوا على توزيع النقاط العسكرية في تلك المنطقة.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».