إسبانيا تستلهم التراث العربي في السير الشعبية والمسرح

دراسة مصرية عن مكوناته المتنوعة وتأثيره على أوروبا

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

إسبانيا تستلهم التراث العربي في السير الشعبية والمسرح

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يسلط الباحث سامح كُريم الضوء على قضية التأثير الإيجابي للحضارة العربية الإسلامية على أوروبا في القرون الوسطى، في الأدب وفنونه، لا سيما الملاحم والمسرح والشعر.
ويذكر كريم في كتابه «كتب عربية ألهمت العالم»، الصادر حديثاً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، أن الأندلس كانت هي البداية؛ فقد شكلت نقطة التلاقي العبقرية بين الفكر العربي وهو في كمال تطوره والعقلية الأوروبية الناشئة وهي بسبيل يقظتها وتلمس طريقها، لا سيما في تلك البقعة من عالم ما وراء البحار القديم التي أصبحت اليوم إسبانيا. ويلاحظ المؤلف أن التأثير العربي على أوروبا انطلاقا من الأندلس كان نتيجة طبيعية لحالة من التعايش والتناغم الثقافي والسياسي بين مختلف المكونات الدينية على مدار قرون عدة، مشيراً إلى أن هناك إجماعاً بين المستشرقين المهتمين كافة بالحضارة العربية الأندلسية على أن العرب استعانوا في إسبانيا باليهود إلى جانب استعانتهم بالمسيحيين في إدارة شؤون البلاد، فاستوزر الحكام العرب هناك عبد الرحمن الناصر الطبيب اليهودي ابن شبروط، كما استوزر حبوس، أمير غرناطة، الطبيب اليهودي صموئيل نجدله، وانعكس ذلك في طمأنة غير المسلمين من أهل البلاد على مستقبلهم في ظل الحكم، لا سيما بعد أن تزوج موسى بن نصير أرملة الملك رزدريكالتي والتي عرفت بـ«أم عاصم»، كما وُلد عبد الرحمن الناصر نفسه لأم مسيحية.
ويوضح المؤلف، أنه في هذا المناخ امتزجت الدماء العربية والإسبانية مما كان له نتائج لافتة، من أهمها أنه عندما بدأ الملوك الإسبان يستعيدون أرضهم من العرب لم يعطلوا التراث العربي، أو حتى يكتفوا بما نقلوه منه، وإنما عمدوا إلى تنظيم حكمهم على أساس مشابه للحكم العربي والمفاخرة بذلك حتى كان بدرو الأول لا يحسن إلا العربية تحدثاً وكتابة.
ويشير المؤلف إلى أن أول باحث أوروبي أشاد بأثر العرب في الحضارة الأوروبية، ونوّه بفضلهم على ثقافة عصر النهضة الأوروبية، ربما كان هو القس الإسباني خوان أندريس، فقد نشر هذا القس كتاباً مهماً باللغة الإيطالية في سبعة مجلدات عنوانه «أصول كل الآداب وتطورها وأحوالها الراهنة»، ثم أعاد نشره عام 1799 في روما بعد أن نقّحه وتوسع فيه فجاء في ثمانية مجلدات. وفي هذا الكتاب أكد القس أندريس، أن النهضة التي قامت في أوروبا في كل ميادين العلوم والفنون والآداب والصناعات إنما كانت بفضل ما ورثته عن حضارة العرب. ويلفت الكتاب إلى «أن ما كتبه الباحث الأوروبي حول هذا الموضوع كان أشبه بإلهام عبقري؛ إذ لم تكن المراجع والأصول تعينه على إثبات ما يقول، فقد كانت الدراسات الاستشراقية في ذلك الوقت تخطو أولى خطاها، ولم يكن قد نشر من آثار الفكر العربي ما يعين على الموازنة أو البحث العلمي الدقيق».
كانت حصيلة الأب أندريس من القراءات العربية، حسب المؤلف، لا تتجاوز ما اطلع عليه من المخطوطات حديثة العهد بالفهرسة، ومع ذلك استطاع أن يلقي الكثير من الأحكام حول فضل العرب على الحضارة الأوروبية، وكشف عن تأثير الشعر العربي في بواكير الشعر الغنائي الأوروبي وكان رد الفعل بين الباحثين المعاصرين له عنيفاً ولم يأخذه أحد مأخذ الجد، غير أن المستشرقين بدأوا منذ منتصف القرن التاسع عشر يهتمون بمسألة النفوذ العربي المحتمل في الأدب الغنائي الأوروبي.
- تأثير الملاحم
وحول تأثر الملاحم الأوروبية بالأدب العربي يتوقف المؤلف عند ملحمة «السيد»، وهي من أشهر الملاحم الإسبانية القديمة التي ترجمت إلى كل لغات العالم الحية. وفي أدبنا العربي كانت هناك إشارات إليها حتى نقلها إلى العربية الدكتور الطاهر أحمد مكي مع تقديمها بدراسة قيّمة تكشف عن أن العلماء اتفقوا على نحو يكاد يكون قاطعاً بأنها قيلت في النصف الأول من القرن الثاني عشر وبالتحديد 1140، وإجمالاً تدور الملحمة حول السيد ومغامراته وانتصاراته وحربه. و«السيد» هو لقبه، أما اسمه الحقيقي فهو رودر يجوديات دي بيار. وهذه الملحمة تتشابه مع الملاحم اللاحقة في عدد من الخصائص، كأن تدور حول شخصيات تاريخية حقيقية وتعبر عن أحداث وقعت بالفعل، كما تدور الحرب فيها بصفة عامة حول قضايا داخلية أو لصراعات عائلية، والأهم أن خصائص الإنسان العربي البطولية تبدو واضحة فيها. وتقدم تلك الملاحم صوراً للتعايش بين المسلمين والمسيحيين في محبة وإخاء.
- مصدر إلهام
يشير الباحث إلى أن التاريخ العربي يشكل مصدر إلهام للكثير من كتب المسرح الإسباني المعاصرين، لا سيما أنطونيو جالا، لكن ما الذي جعل جالا أو غيره من الإسبان يهتمون بالتراث العربي ثم يوظفونه بعد ذلك؟ يجيب المؤلف بأن أسباباً كثيرة تقف وراء ذلك، لعل أبسطها تبدأ بتأمل اسم «مدريد» نفسه، وهي المدينة التي أنشأها العرب وأطلقوا عليها في البداية اسم «ماء جليد»؛ نظراً لاندفاع المياه العذبة النقية من مرتفعات الجبال المكسوة بالجليد إلى الأودية والأنهار، ثم تطور الاسم إلى «مجريط» ثم «مدريد» حسبما تذهب نظرية شهيرة في هذا السياق.
ومن بين أعمال جالا المسرحية يتوقف الباحث عند عمل مهم بعنوان «ابن رشد» يجسد فيه نكبة هذا الفيلسوف العظيم لوجوده في عصر اتسم بضيق الأفق وحقد النفوس نتيجة لشهرته العالمية والفكرية إلى جانب تقدير الخليفة له فيدسّون له ويرمونه بالمروق ويتهمونه بالاجتزاء على الحاكم حتى يوغروا قلبه عليه. ويجري جالا حواراً على ألسنة شخوص المسرحية، ويختتمه بما جاء على لسان ابن رشد «وداعاً أبنائي يا أبناء لحمتي وأبناء نفسي، أعني أنه في يوم ما ستنتهي حمى الاتهام هذه، وتزول هذه البلادة وذلك الخوف، وسوف تستمرون من بعدي تحكمون وتعملون، وآسفاً عليك يا قرطبة حين هجرت الشروع في الفهم، وأسفاً عليّ حين أكون على عتبة الموت يقصونني عنك، وداعاً سأسقي أرضاً أخرى بدموعي!».
ومن بين سير الحكام العرب، يستفيد جالا من تاريخ المنصور بن عامر بشكل خاص في مسرحية بالاسم نفسه. والمنصور أتى قرطبة طالباً للعلم، وبدأ حياته كاتباً عاماً أمام قصر الخليفة، وسرعان ما استطاع بطموحه وحيلته أن يتسلل للقصر ويتولى إدارة أملاك زوجة الخليفة الحَكم وأم ولي عهده هشام المعروفة عربياً باسم صبح، ويعتلي بعد ذلك أكبر المناصب حتى وفاة الحَكم فيعمل على مبايعة ابنه الطفل الصغير خليفة للمسلمين لحاجة في نفسه. ورغم صعود نجمه؛ فإن مخاوفه كانت من اثنين، حاجب الدولة المصحفي، والآخر غالب، أمير بني سالم. ولا يهدأ إلا بعد التخلص منهما، لينفرد بالسلطة في وجود خليفة صغير. وتركز المسرحية على مشاعر الحسرة لدى أم الخليفة الصغير وهي ترى الحكم يقع في قبضة شخص سبق أن رأته لا يملك قوت يومه!



مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)


قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
TT

قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)

لا يُعدّ قضم الأظافر، ونتف الجلد مجرد ردود فعل لا إرادية، بل يُنظر إليهما بوصفهما آليتين للبقاء، وذلك وفقاً للتحليل النفسي لعاداتنا اليومية.

ولا يوجد سبب واحد واضح لقضم الأظافر، إلا أن هناك عدة نظريات تفسّر هذه العادة. وتشمل النظريات بدء هذه السلوكيات على أنها وسيلة للتأقلم مع المشاعر الصعبة، أو الشعور بالملل، أو الحاجة إلى إشغال اليدين، فضلاً عن إمكانية وراثة هذه العادة من الوالدين، بحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقد تبدو هذه السلوكيات غير منطقية، أو غير صحية، بل، ومؤلمة أحياناً. إلا أن الدكتور تشارلي هيريوت-ميتلاند، اختصاصي علم النفس السريري، يشير إلى أننا طوّرنا ما يصفه بـ«الأضرار البسيطة» بوصفها وسيلة لحماية أنفسنا.

وقال هيريوت-ميتلاند لصحيفة «إندبندنت»: «من خلال إحداث إحساس جسدي بسيط، يستطيع الجسم تحويل تركيزه فوراً إلى الجانب الجسدي، مما يساعد على تخفيف التوتر، واستعادة الشعور بالسيطرة». وأضاف: «وهذا يبقى أفضل من البديل، المتمثل في فقدان السيطرة أمام المشاعر الجارفة».

وينقسم كتابه الجديد: «الانفجارات المُتحكَّم بها في الصحة النفسية»، إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: التخريب الذاتي، والنقد الذاتي، وإيذاء الذات. وقد تشمل هذه السمات سلوكيات يومية، مثل تجاهل صديق جديد، أو السعي إلى الكمال، أو قضم الأظافر.

وأوضح أن نتف الجلد، وقضم الأظافر يُعدّان من الأشكال الأخف لإيذاء النفس، والتي قد يسهل على الناس استيعابها، في حين تُعتبر المشكلات الأكثر خطورة، مثل الجروح، أو اضطرابات الأكل، أشكالاً أشد حدة. وأعرب الدكتور عن أمله في أن تساعد مناقشة عادات شائعة -ومنها قضم الأظافر ونتف الجلد- الناس على فهم أشكال أخرى من إيذاء النفس التي غالباً ما تُوصم بالعار.

وأضاف: «عندما تُسبّب لنفسك ألماً عبر شدّ الشعر، تشعر براحة فورية بعد ذلك، وكأنك تُحفّز إفراز الإندورفين الطبيعي في جسمك».

ومع ذلك، شدد على أنه لا ينبغي اللجوء إلى هذه السلوكيات فقط من أجل الشعور بالراحة السريعة، بل ينبغي فهمها أيضاً بوصفها وسيلة دفاعية لحماية النفس.

وقال: «الدماغ آلة مصممة للبقاء؛ فهو ليس مبرمجاً لتحقيق أقصى درجات السعادة أو الرفاهية، بل للحفاظ على حياتنا»، مضيفاً: «إنه يحتاج إلى العيش في عالم يمكن التنبؤ به، ولا يحب المفاجآت، ولا يرغب في أن نُفاجأ».

وتعمل هذه الآلية الوقائية وفق مبدأ أساسي مفاده بأن الدماغ يُفضّل التعامل مع تهديد معروف، ويمكن السيطرة عليه، بدلاً من مواجهة احتمال تهديد مجهول، وخارج عن السيطرة.

وتستند الأسس العلمية لهذه النظرية إلى طريقة تطور الدماغ البشري، الذي كان يركّز في المقام الأول على البقاء لا على تحقيق السعادة. فالدماغ مُبرمج فطرياً على رصد الخطر في كل مكان، وهو ما ساعد الجنس البشري على الاستمرار. إلا أن ذلك يعني اليوم أننا أصبحنا أكثر حساسية لأي أذى محتمل، سواء كان جسدياً أو نفسياً.

وفي كثير من الحالات، قد يكون الأشخاص الذين يمارسون عادات مثل قضم الأظافر قد بدأوا بها في مرحلة مبكرة نتيجة الشعور بالقلق، قبل أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مكتسب ومتكرر، بحسب ما أشار إليه الدكتور هيريوت-ميتلاند.

ورغم توافر نصائح عملية للتقليل من قضم الأظافر، مثل استخدام مستحضرات مخصّصة، أكد هيريوت-ميتلاند أنه لا توجد حلول سريعة، أو فورية.

وبدلاً من ذلك، شدد على ضرورة فهم الوظيفة النفسية لهذه السلوكيات، والمخاوف الكامنة خلفها، عوضاً عن الاكتفاء بمحاولة التخلص منها دون معالجة جذورها.


بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
TT

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة، وترتكز أحياناً على ممثلين غير محترفين، ما أسهم في ترسيخ مفهوم «السينما الواقعية الجديدة» وتأثيرها الاجتماعي.

وقد استقطبت الأفلام الكلاسيكية جمهوراً واسعاً من محبي السينما الإيطالية، ممهورة بأسماء رائدة في عالم الإخراج، مثل فيديريكو فيلّيني، ولوتشينو فيسكونتي، لتغدو مدارس سينمائية قائمة بذاتها تركت بصمتها الواضحة على الشاشة الذهبية.

وتستضيف بيروت للسنة الثانية على التوالي «مهرجان الفيلم الإيطالي»، الذي ينظمه «المركز الثقافي الإيطالي» بالتعاون مع «جمعية متروبوليس للسينما». وينطلق في 21 يناير (كانون الثاني) ويستمر حتى 30 منه، حيث تفتح سينما متروبوليس في منطقة مار مخايل أبوابها مجاناً أمام هواة هذا النوع من الأفلام.

فيلم «بريمافيرا» يفتتح فعاليات المهرجان (متروبوليس)

يُفتتح المهرجان بفيلم «بريمافيرا» للمخرج دميانو ميشيليتو، وهو عمل تاريخي ــ درامي من إنتاج عام 2025، تدور أحداثه في البندقية خلال القرن الـ18 حول عازفة كمان موهوبة في دار أيتام تُدعى سيسيليا، يكتشف موهبتها الموسيقي الشهير أنطونيو فيفالدي ويصبح معلمها. ويستكشف الفيلم موضوعي الموسيقى والحرية، وهو من بطولة تيكلا إنسوليا وميشيل ريوندينو، ومقتبس من رواية «Stabat Mater» لتيزيانو سكاربا.

تشير نسرين وهبة، المشرفة على تنظيم المهرجان في جمعية متروبوليس، إلى أن معظم الأفلام المعروضة هي من الإنتاجات الحديثة التي أُنتجت وعُرضت في إيطاليا خلال العام الماضي، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن المهرجان يضمُّ 10 أفلام مختارة لتلائم أذواق رواد السينما الإيطالية على اختلافها.

وتضيف نسرين وهبة أن الإقبال اللبناني على هذه الأفلام يعود إلى ندرة عرضها في الصالات المحلية، ما يجعل المهرجان فرصة لاكتشاف موجة جديدة من السينما الإيطالية الموقّعة من مخرجين معاصرين.

وعلى مدى 10 أيام، تُعرض أفلام عدة، بينها «أون أنو دي سكولا» (عام دراسي)، و«تيستا أو غروسي» (صورة أم كتابة) للمخرجين لورا سماني وأليكسيو ريغو دي ريغي وماتيو زوبيس، وهي أعمال تُعرض للمرة الأولى في لبنان.

ومن الأفلام المشاركة أيضاً «جيو ميا» (فرحتي) لمارغريتا سباميناتو، الذي يروي قصة نيكو، فتى نشأ في عائلة علمانية في عالم حديث ومتصل بالتكنولوجيا، يُجبر على قضاء الصيف في صقلية مع عمته المتديّنة في قصر قديم معزول عن مظاهر الحداثة، لتنشأ بينهما علاقة متحوّلة تتأرجح بين الماضي والحاضر، والعقل والإيمان. كذلك يُعرض فيلم «لافيتا فا كوزي» (الحياة تمضي على هذا النحو) لريكاردو ميلاني، الذي يتناول صراعاً بين راعي غنم ورجل نافذ يسعى للاستيلاء على أرضه الساحلية.

يُختتم المهرجان مع فيلم «سوتو لو نوفيلي» (متروبوليس)

ويُختتم المهرجان بفيلم «سوتو لو نوفيلي» (تحت الغيوم) للمخرج جيان فرانكو روزي، الذي سبق أن صوّر فيلماً وثائقياً في لبنان. ويتناول العمل معالم أثرية بين مدينتي فيزوف وخليج نابولي، حيث تتقاطع حياة السكان والمصلّين والسياح وعلماء الآثار. ويتابع الفيلم تنقيبات فريق ياباني في فيلا أوغسطيا، إلى جانب مشاهد من أطلال بومبي وكنيسة مادونا ديل أركو، في سرد بصري يستحضر الماضي بوصفه عالماً لا يزال حياً.