أحداث العام 2014: سوريا.. عام من التراوح السياسي من دون نتائج

تغييرات في شخصيات دولية لمعالجة الملف المتعثر.. والأسد في مكانه

سوري ينقل عائلته بسيارته الاجرة هربا من الدمار الذي سببته المعارك والغارات في حي الخالدية بمدينة حمص ({نيويورك تايمز})
سوري ينقل عائلته بسيارته الاجرة هربا من الدمار الذي سببته المعارك والغارات في حي الخالدية بمدينة حمص ({نيويورك تايمز})
TT

أحداث العام 2014: سوريا.. عام من التراوح السياسي من دون نتائج

سوري ينقل عائلته بسيارته الاجرة هربا من الدمار الذي سببته المعارك والغارات في حي الخالدية بمدينة حمص ({نيويورك تايمز})
سوري ينقل عائلته بسيارته الاجرة هربا من الدمار الذي سببته المعارك والغارات في حي الخالدية بمدينة حمص ({نيويورك تايمز})

ينتهي عام 2014 بنقاط تشابه مع بدايته، إذ انطلق العام بآمال ضئيلة بإمكانية تحقيق المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية لسوريا حينها الأخضر الإبراهيمي تقدما في إنجاح مفاوضات بين الحكومة السورية والمعارضة، على أمل إنهاء أزمة أودت بحياة أكثر من مائتي ألف سوريا. وينتهي العام والعالم يترقب خطة مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا لتجميد القتال في حلب، كانطلاقة لحل سياسي للأزمة عينها. ولكن الترقب مصحوب بالكثير من التساؤلات والشكوك. ومن جنيف، حيث انطلقت المفاوضات، وسرعان ما فشلت في مستهل العام من المقر الأوروبي للأمم المتحدة، يواصل فريق دي ميستورا عمله بهدف الخروج بخطة يتوافق عليها الفرقاء، لوقف سفك الدم السوري ابتداء من حلب، وبهدف توسيع الخطة لباقي البلاد.
عام 2014 شهد محطات بارزة في الأزمة السورية، من بينها إصرار الرئيس السوري بشار الأسد على إجراء انتخابات رئاسية في يونيو (حزيران) أعطته ولاية 7 سنوات جديدة، بحسب الحكومة السورية، ورغم اعتراضات المعارضة وأطراف دولية عدة، على رأسها الولايات المتحدة. وبينما بقي الأسد في محله، تغيرت وجوه عدة على ارتباط بالملف. فتم انتخاب رئيس جديد للائتلاف السوري المعارضة هادي البحرة، الذي برز اسمه أثناء مفاوضات جنيف، حيث قاد فريق التفاوض مع وفد الحكومة السورية. كما تغير المبعوث الأممي بعد استقالة الإبراهيمي وتعيين دي ميستورا، الصيف الماضي.
وفي 7 يناير (كانون الثاني) 2014، صدمت منظمات حقوق الإنسان بإعلان الأمم المتحدة رسميا عدم قدرتها على مواصلة عد سقوط الضحايا السوريين، إذ أوضح مكتب حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية في بيان حينها أنه «من الصعب جدا التأكد من مصادر موثوقة حول الأعداد»، وانعدام الثقة، وعدم وجود القدرة على تحديد المصادر من بين تعقيدات الحرب في سوريا التي تركت دولا ومؤسسات في حيرة من أمرها في معالجة الملف السوري الذي كثيرا ما يصفه مسؤولون عرب وأجانب بـ«الأصعب الذي تعاملنا معه».
أما نهاية العام، فشهد إعلان وكيلة أمين عام الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فاليري آموس، التي باتت الشخصية الأبرز في العمل على تنسيق الجهود الإنسانية في سوريا، قرارها الاستقالة نهاية العام. ومع تفاقم الأزمة السورية، أعلنت الأمم المتحدة والمؤسسات الشريكة لها في التعامل مع الأزمة السورية حاجتها لـ8.4 مليون دولار من الدول المانحة لمساعدة 18 مليون سوري محتاج داخل بلاده، وفي دول الجوار.
والتغيير الأكبر الذي طرأ على الملف السوري هو تغلغل تنظيم «داعش» في الرقة ودير الزور ومناطق سورية عدة، ليدفع دخول «داعش» الموصل في الـ10 من يونيو الولايات المتحدة لتشكيل تحالف من دول عربية وغربية لقصف مواقع التنظيم، في العراق أولا، وبعدها في سوريا. وبحلول سبتمبر (أيلول) الماضي، بدأ التحالف الدولي بضرباته على سوريا، الأمر الذي رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما خوضه في سبتمبر العام الماضي بعد تقارير عن استخدام الحكومة السورية أسلحة كيماوية.
ويوضح دبلوماسي أوروبي لـ«الشرق الأوسط» أن دخول العامل العسكري للحسابات السورية مع بدء ضربات على أراضيها «غير الحسابات داخل سوريا وفي عواصم حول العالم». وبينما أكدت إدارة أوباما أن العمليات العسكرية تستهدف «داعش» فقط، فإن دمشق وموسكو وطهران على دراية بأن العمل العسكري أحيانا يأخذ منعطفات جديدة غير متوقعة دائما.
وجاء تأكيد الرئيس الأميركي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة العشرين في أستراليا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بأنه لا يعمل مع إدارته على خطة محددة لتغيير الحكم في سوريا، ليوضح بذلك ملامح عريضة للسياسة الأميركية تجاه دمشق في المرحلة الراهنة والعامين المتبقين من إدارة أوباما. التركيز في واشنطن بات على مكافحة «داعش» واحتواء الأزمة قدر الإمكان. ويقول السفير الأميركي المتقاعد فريد هوف والزميل الآن في معهد «المجلس الأطلسي» إن «واشنطن باتت متآكلة كليا وطوعا على نوايا موسكو وطهران» فيما يخص سوريا، مضيفا أنها «حالة محزنة وليس فقط للسوريين».
ومع اقتراب نهاية العام، تحركت روسيا مجددا في الملف السوري، هذه المرة، لدفع مفاوضات بين الحكومة السورية وعناصر محددة من المعارضة السورية التي لم تشمل قيادة الائتلاف السوري المعارض. وللمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة السورية، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفدا من الحكومة السورية، بقيادة وزير الخارجية وليد المعلم في روسيا.
وبينما في السنوات الماضية استقبل وزير الخارجية سيرغي لافروف المسؤولين السوريين، قام بوتين بلقائهم نهاية نوفمبر الماضي، للضغط باتجاه فتح مفاوضات سلام مجددا. وبعد اللقاء في سوريا، توجه بوتين إلى تركيا حيث التقى نظيره التركي رجب طيب إردوغان وبحثا الملف السوري، بالإضافة إلى ملفات أخرى تزيد العلاقات الدولية تعقيدا، على رأسها التوتر في أوكرانيا الذي ألقى بظلاله هذا العام على الأزمة السورية، وإمكانية التعاون الأميركي - الروسي في هذا الملف. وربما ضم روسيا لشبه جزيرة القرم واندلاع الأزمة في أوكرانيا من أكثر أحداث عام 2014 تأثيرا على الموقف الدولي وقدرة واشنطن وموسكو في التعامل مع ملفات ساخنة مثل ملف سوريا.
ومع تراجع الدور الأميركي في الشأن السوري، تسعى روسيا للعب دور أكبر على الجانب السياسي. وأعلن ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي لوكالة «إنترفاكس» أول من أمس: «نقترح أن يلتقي في موسكو ممثلو مختلف أوساط المعارضة السورية - الداخلية والخارجية على حد السواء نهاية الشهر المقبل». وقال الدبلوماسي الروسي إن الجانب الروسي يريد دعوة ممثلين عن الحكومة السورية بعد انتهاء مباحثات ممثلي المعارضة لكي يطرح الجانبان تقييماتهما للوضع وتصوراتهما للمستقبل. وبينما ترفض شخصيات معارضة، مثل برهان غليون، الدور الروسي، أيد آخرون، مثل معاذ الخطيب الرئيس السابق للائتلاف المعارض، التواصل مع روسيا للبحث عن حل.
وأكد بوغدانوف أن لقاءات ممثلي المعارضة فيما بينهم ولقاءاتهم المحتملة لاحقا مع ممثلي الحكومة السورية ستحمل طابعا غير رسمي، وستجري دون شروط مسبقة، مشيرا إلى أن موسكو لا تبني توقعات كبيرة على هذه اللقاءات.
لكنه قال إن «موسكو تأمل في أن تمضي الأطراف السورية بعد إجراء هذه الاتصالات المفيدة قدما في تحقيق التفاهم فيما يتعلق بتنفيذ بيان جنيف»، الصادر عام 2012. وبيان جنيف ما زال يمثل الوثيقة السياسية الوحيدة المتفق عليها دوليا حول حل الأزمة السورية، ولكن تفسير الوثيقة، وخاصة ما يخص الانتقال السياسي للسلطة، ما زال موقع جدل. ويقول مصدر دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى على اطلاع على الملف السوري لـ«الشرق الأوسط»: «كل طرف يفسر الانتقال السياسي على طريقته وستبقى هذه المشكلة قائمة لأن الأطراف السورية المتحاربة والأطراف الداعمة لها تتصور أن الحسم العسكري ما زال ممكنا». ولكن يعول دي ميستورا على «تعب» غالبية تلك الأطراف لتندلع وراء خل سياسي، أن لم يكن مقتل 220 ألف سوري، وتشريد نحو 12 مليونا بين نازح ولاجئ حافزا كافيا. وستكون سنة 2015، بين جهود دي ميستورا وموسكو من جهة، والعمليات العسكرية ضد «داعش» وتدريب قوات المعارضة السورية من جهة أخرى، رهنا لمتغيرات عدة، على رأسها مساعي واشنطن لإبراز اتفاق نووي مع طهران، بحلول يونيو المقبل، الموعد الجديد للاتفاق، بعد فشل التوصل لاتفاق للمهلتين السابقتين.



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.