«اختبار الشتاء» يهدد بانهيار المشروع الأوروبي

ارتفاع الإصابات والوفيات كشف مواطن ضعف الأنظمة الصحية

«اختبار الشتاء» يهدد بانهيار المشروع الأوروبي
TT

«اختبار الشتاء» يهدد بانهيار المشروع الأوروبي

«اختبار الشتاء» يهدد بانهيار المشروع الأوروبي

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تشهد أوروبا مثل الوضع الصحي والاقتصادي الذي تعيشه منذ مطالع العام الحالي، مع انتشار فيروس «كورونا المستجدّ»، الذي أوقع فيها حتى الآن ما يزيد على 217 ألف ضحية، وأكثر من 2.4 مليون إصابة مؤكدة، فيما كانت اقتصاداتها تنهار بمعدلات قياسية بعد أشهر من الجمود الذي فرضته تدابير العزل التام، وشلّت الحركة في أوصال القارة واتصالها مع الخارج.
ولا مبالغة في القول إن الأوروبيين أصيبوا بصدمة نفسية، عندما كانوا يتابعون على شاشات التلفزيون مشاهد أرتال الشاحنات العسكرية تنقل رفات الضحايا التي ضاقت بهم مقابر مقاطعات الشمال الإيطالي، ثم صور مستشفيات العاصمة الإسبانية التي كان المصابون يتكدّسون في أروقتها بانتظار أن تفرغ أسرّة لمعالجتهم.
بعد أكثر من ستة أشهر على تفشّي «كوفيد - 19» في أوروبا، وعدم ظهور تطورات واعدة بالعثور على علاج له، يتعلّق الأوروبيون بحبال الرهان على اللقاح لاستعادة نمط الحياة الطبيعية التي اختطفها الفيروس، والتي بات من المؤكد أنها لن تعود إلى ما كانت عليه في كثير من الأوجه الاجتماعية والاقتصادية، فيما تترقب قيادات الاتحاد الأوروبي أداء دوله في «اختبار الشتاء»، الذي ينذر الفشل فيه بانهيار المشروع الاتحادي الذي يعاني اقتصادياً وسياسياً منذ سنوات.
- إصلاحات صحية ملحّة
على الصعيد الصحي، كشفت الأزمة أن المنظومات الصحية الأوروبية التي تعتبر من بين الأفضل في العالم، كتلك التي في بريطانيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، ليست مجهّزة لمواجهة جائحة كانت الأوساط العلمية تعلن حتمية ظهورها منذ سنوات، وتوصي بالاستعداد لها. وكشفت أيضاً أن العديد من السياسات والإصلاحات الصحية التي اعتمدتها معظم الدول الأوروبية في العقود الثلاثة الماضية، وهدفت إلى تخصيص الخدمات في هذا القطاع وإضعاف النظام الصحي العام، كانت مسؤولة بنسبة كبيرة عن الفشل في مواجهة أزمة «كوفيد - 19». وهذا ما دفع بالاتحاد الأوروبي إلى فرض بند إلزامي بتعزيز القطاع الصحي العام كشرط أساسي لحصول الدول المتضررة من الوباء على المساعدات والقروض الميسّرة التي يتضمنّها «صندوق الإنعاش»، الذي أقرّته القمة الأوروبية مؤخراً بمقدار 750 مليار يورو.
من الجوانب الأخرى التي كشفت الأزمة مواطن ضعفها في الأنظمة الصحية الأوروبية، هي الخدمات في مراكز العناية بالمسنّين التي تحولت في العقود الأخيرة إلى أحد الأهداف الأكثر جاذبية للاستثمارات المالية نظراً لمردوديتها العالية، وازدياد الطلب عليها بفعل ارتفاع معدلات الحياة في الدول المتطورة. وتعكف المفوضية الأوروبية حالياً على وضع خطة شاملة لإعادة النظر في وضع هذه المراكز، ومعاييرها الصحية والخدماتية، بعد أن كانت المصدر الرئيسي لضحايا الوباء خلال الموجة الأولى.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أنجزت في وقت سابق من هذا الشهر خطة مشتركة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الإمدادات الصحية للوقاية والعلاج، بعد أن تبيّن منذ اليوم الأول للأزمة العجز الكبير الذي تعاني منه جميع الدول الأوروبية في هذا المجال، والذي كان سبباً في تأخير العديد من تدابير الوقاية والاحتواء، مثل استخدام الكمامات الواقية، وإجراء الفحوصات لتحديد الإصابات وتتبعها.
- خسائر اقتصادية كارثية
الخسائر على الجبهة الاقتصادية ليست بأقلّ فداحة من الجبهة الصحية، لا بل إن مؤشرات كثيرة تدلّ على أن التداعيات الاقتصادية للأزمة، خاصة إذا عادت تفاقمت في الموجة الثانية، وطال انتظار اللقاح، ستكون كارثيّة على أكثر من صعيد، وقد تكون الضربة القاضية للمشروع الأوروبي الذي يجهد منذ سنوات للخروج من دوائر الأخطار التي تحيط به من جوانب عدة.
وقد أفاد التقرير الأخير لمكتب الإحصاء الأوروبي بأن اقتصادات دول منطقة اليورو قد تراجعت بمعدّل 11.8 في المائة خلال فترة العزل، فيما تراجعت اقتصادات دول الاتحاد بمعدّل 11.4 في المائة، لكن التفاوت في هذا التراجع كان كبيراً جداً، بين 5 في المائة في الدول الصغيرة التي لا تعتمد اقتصاداتها بنسبة عالية على الصادرات مثل فنلندا وآيرلندا، والكبرى مثل إيطاليا (18.2 في المائة) وفرنسا (17.9 في المائة) وإسبانيا (18.5 في المائة)، وبريطانيا التي تراجع اقتصادها بنسبة 20.4 في المائة بعد خروجها من الاتحاد.
ويتوقع المراقبون أن يؤدي هذا التفاوت في معدلات التراجع الاقتصادي بين بلدان الاتحاد الأوروبي، خاصة إذا تفاقم خلال الموجة الثانية، إلى ارتفاع منسوب التوتّر في العلاقات داخل الاتحاد حول تدابير مواجهة الأزمة ومعالجة تداعياتها.
- ارتباك المشهد السياسي
وكان من الطبيعي أن تؤثر الأزمة الصحية وما نشأ عنها من تدابير اجتماعية وتداعيات اقتصادية على المشهد السياسي الأوروبي المضطرب منذ سنوات، تحت وطأة الحركات والتيّارات الشعبوية واليمينية المتطرفة التي حققت صعوداً ملحوظاً في شعبيتها على صهوة أزمة 2008 المالية وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية وأزمة الهجرة.
وقد وجدت هذه القوى، التي يوجد معظمها في المعارضة، فرصة مواتية في تداعيات الأزمة الراهنة لمهاجمة النظام القائم ومحاولة النيل من المشروع الأوروبي بعد أن تعثّرت المؤسسات المشتركة طويلاً في التصدّي بشكل موحّد ومنسّق للوباء، إلى أن أقرّت مؤخراً «صندوق الإنعاش»، الذي أتاح للقوى الأوروبية استعادة خطاب المبادرة في الدفاع عن المشروع الأوروبي. جميع الدول الأوروبية ما زالت تبحر في هذه الأزمة من غير خطة ثابتة أو خريطة طريق نهائية واضحة، ومن غير علاج للوباء وفي انتظار اللقاح واتّضاح معالم المشهد الوبائي في الأشهر المقبلة.
تداعيات العطلة الصيفية وتأثيرها على انتشار الوباء لم تصل بعد إلى خواتيمها، والعودة إلى المدارس ما زالت في بداياتها، والأنباء الأخيرة حول تعثر التجارب السريرية على المشروع الأكثر تقدماً لتطوير اللقاح في جامعة أكسفورد، ولو مؤقتاً، كلها ترسم مشهداً ضبابيّاً حول مسار الوباء الذي غيّر وجه العالم، والذي لن تكون أوروبا بعده كما كانت قبله.
أصوات كثيرة تتنادى في الأوساط الفكرية والأكاديمية، وتدعو أهل السياسة للاحتكام في قرارتهم إلى المشورة العلمية، وتطالب بإدارة عالمية فاعلة لقطاع الصحة تلتزم بها جميع الدول، بعد أن بات من المؤكد أن ثمّة جائحات أخرى على الأبواب، ناهيك بالأزمة المناخية، وما بدأ يتبدّى عنها من كوارث طبيعية، وما تجرّه من فقر ومجاعات وأوبئة. لكن الآمال تبدو ضئيلة في الاستجابة لهذه الإنذارات المتكررة، وتصويب المسارات الخاطئة.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».