حين تنعزل الذات تنتفخ القصيدة

شعراء تقمّصوا أدواراً أكبر من أحجامهم

الجواهري - عبد الله الغذامي
الجواهري - عبد الله الغذامي
TT

حين تنعزل الذات تنتفخ القصيدة

الجواهري - عبد الله الغذامي
الجواهري - عبد الله الغذامي

يروي أحدُ العراقيين الذين طلبوا اللجوء في كندا أنه في الأيام الأولى أدخلوهم في معهد لتعلم اللغة، وكانوا من جنسيات شتى. يقول هذا العراقي: «بدأ الأستاذ يسألنا واحداً واحداً: من أي بلد أنت؟ ليتعرف علينا، وعلى ثقافاتنا، وحين وصل الدور إليّ، أجبته بأنني قادمٌ من أعظم نهرين في العالم. استغرب الأستاذ إجابتي فأعاد عليّ السؤال، وأعدتُ الجواب نفسه، فقال لي: ماذا يعني أعظم نهرين؟ بدأت أشرح له عن دجلة والفرات، وحين أكملتُ قال لي الأستاذ: ابني، نحن هنا في كندا لدينا 600 نهر مثل هذين النهرين، فضلاً عن المحيطات والبحار التي تُحيط بنا، ولكننا لا نجرؤ أنْ نقول إن هذه الأنهر عظيمة». أردتُ أنْ أورد هذه الحكاية لتكون مدخلاً لانتفاخ القصائد لدى عدد من الشعراء، وواقع الحال أنَّ صاحبنا الذي لجأ إلى كندا لم يرَ العالم من قبل، ولم يكتشف أناساً مختلفين عنه وعياً وثقافة، هو ابن العزلة، لذلك أنتج مثل هذا الخطاب الأحادي والدوغمائي.
المشكلة في الشعر لدينا مشكلة مزدوجة، لأن الشاعر يُخلق بيننا وهو يشعر أنَّه متفوق على أقرانه، وأنَّه منّة بعثها الله لهذه الأمة، لذلك قديماً ذبحوا له الإبل، وأقاموا الولائم حين يولد شاعر في قبيلة ما.
ورغم تغيُّر الزمان والسلطان والناس، لكن الشعر بقي يكتنز مثل هذه الأدوار الرسالية، وبقي الشاعر متقمصاً دوراً ربما أكبر من حجمه الطبيعي، منتشياً بقرقعة اللغة، وضجيجها، في بعض الأحيان، وهكذا بقي الشاعر منتفخاً بذاته المتعالية، وفارشاً ريش جناحه أينما ذهب، ولا نريد أنْ نتحدث عن المتنبي، وماذا شكلت ذاته من تعالٍ كبير في الشعر، فهو في حد ذاته مدرسة للانتفاخ، وحين نفتح دفاتر الشعر العراقي الحديث، نجد عشرات الحكايات عن الجواهري، وعن شعره الذي رهن ذاته عالياً معها، رغم أنَّه كان مع الجماهير ومطالبهم.
شاخ الجواد، ولم تزل، تعتامه صبوات مهرِ
طلق العنان، فإنْ كبا، نفض العنان، وراح يجري
سبحان من جمع النقائض في من خيرٍ وشرِّ
عندي كفاف حمامة، وإذا استثرتُ فجوعُ نمرِ
الجواهري بعمر السبعين، عمر الحكمة والمراجعة للذات، يكتب بهذه الطريقة، وبهذه الروحية الجارحة، وأنا لا أتحدث الآن عن فنية العمل الشعري وجودته، فهذه مسألة أخرى، فعلى الرغم من التحول الكبير الذي أحدثه السياب في خطاب الشعر بكامله، وتحوُّل مرآته إلى أشد حالات النفس انكساراً وحزناً وشكوى، لكنه لم يستطع بخطابه الانكساري لجوهر الشعر أنْ يعمم نموذجه على الأجيال التي تلته، فما إنْ بزغ نجم الستينيين إلا وتوهجت لديهم فكرة أنْ يأخذوا دور الأنبياء، وأنْ يصلحوا العالم، فامتلأت دواوينهم بالشعر الرؤيوي، وبالنصائح المغلّفة باستعارات، وبأقنعة متعددة؛ ذلك أنَّهم حاولوا أنْ يُعيدوا الروح المنتفخة لذات الشاعر، ولكنها ذاتٌ حداثية هذه المرة، وهو ما أشار إليه الشاعر فوزي كريم في مُفتتح كتابه «ثياب الإمبراطور» عن مرايا الشعر الخادعة، حيث تساءل عن كيفية انبثاق شعر حداثي من بيئة متخلفة، وواضح ما أفصح عنه بيان 69 حيث يقول في بعض فقراته «لقد آن للقصيدة العربية أنْ تغيّر العالم من خلال نسف أضاليل الماضي والحاضر، وإعادة تركيب العالم داخل رؤية شعرية جديدة»، هذا في بعض من توجهاتهم التنظيرية، أمَّا شعرهم فغارقٌ بهذه الروح الرؤيوية، التي تنبئ بأنَّ شاعرها شخصٌ رساليٌّ، وأنَّ قصيدته هي بنت المستقبل الذي يرى، ولا مشكلة في هذا التوجه، لأنَّ الحداثة ربما فتحت شبابيكها، فدخلت مغذياتٌ جديدة للذات، يختفي خلفها الشاعر، في أقنعة تاريخية، وشخصيات عظيمة، يبث من خلالها الشاعر ما يشاء من همومه المعاصرة، والأمثلة عديدة وكثيرة جداً، لا مجال لذكرها في هذه المقالة، ولكنّ المشكلة الكبرى في الموضوع هي في خطاب الجيل التسعيني، أعني أنا وزملائي وأصدقائي الشعراء، حيث كنَّا نعيش أيام الحصار، والجوع، والعزلة عن العالم، في حين كانت قصائدنا في تلك الفترة تشبه النهرين العظيمين في فم اللاجئ العراقي، فحين أسمع وليد الصراف أشعر بمدى تفوق اللغة، ولكن في نفس الوقت أشعر بعزلتنا عن العالم حيث يقول:
البرق من ريبتي، والرعد من حنقي
والنسم من هدأتي، والريح من قلقي
والبحر من غيمتي، أمواجه ولدتْ
من حكمتي صمته، والغيظ من نزقي
ولا يطلُّ الضحى ما دمت في سِنة
ولا يطول الدجى، ما لم يطل أرقي
والشمس لو أبطأتْ في أفقها كسلاً
لجرَّها نحوه من شعرها أفقي
ولا أعرف بصراحة أمام هذا النص، وهو طويل نسبياً، وعلى نفس هذه الوتيرة من الذات العالية المتحكمة بالعالم كله وبحركته وسكونه، كأنَّه يضع نفسه بدلاً عن الإله، وأنا أذكر كتابة هذه القصيدة في بداية التسعينات، حيث يضغط كل شيء على العراق بجوعه وعزلته، ونحن لا حول لنا ولا قوة، وقد كان «صدام» يسوق الشباب إلى المعسكرات حتى في عطلهم الصيفية، ولا يستطيع أحدٌ أنْ يسأله سؤالاً، فضلاً عن الاحتجاج، وحين أبصر مثل هذا النص فأنا أمام حالة عزلة حقيقية يعيشها الشاعر، حيث يتحكم في اللغة فقط، ولكن الواقع بمنأى عنه، والغريب أنَّ هذه الظاهرة متفشية في معظم الشعر التسعيني الموزون، وفي البدايات تحديداً يعني في أشد حالات العراق خنقاً للحريات، وفي أشد مراحل جوع العراقيين، وفي أقسى مراحل العزلة عن العالم كله، فيما نصوصنا كانت منتفخة، كأنَّ العالم بأيدينا، نحركه كيفما نشاء.
إنها الروح المتعالية التي تتقمص الأجواء الدينية، وتلتف بالطقوس المقدسة، التي يكيلها الشاعر لذاته، بوصفه سماءً لكل هذه الطقوس، من طُهر وبراءة ونقاء. فمثلاً، نجد في نصوص عديدة للشاعر حسين القاصد هذه الذات المتعالية، التي بقيت على عادتها من أيام الحصار إلى ما بعده، وانفتاح العراق على العالم، نصوص تدور في فلك الذات التي لا ترى إلا نفسها. يقول:
وصرت شعاراً صرت آمال أمة
وصرت حطاماً في نهايات مشهدي
أنا سرمديُّ الآه أحتاج أمة
لفرحي فمن مثلي مع الآه سرمديّ؟
أقلّدني دوماً وغيري مقلِّد
لظلِّي، وظلِّي بعض نصف مقلِّدي
وما زلت قيد النخل والماء واللَّظى
أنا قاصد النهرين والطُّهر مقصدي
وواضح ما لهذا النص من تصريح عالٍ بانتفاخ القصيدة التي لا تدع مجالاً للتأويل، فبعض المرات قد يتقمص الشاعر روح الأمة أو البلد فيصرح باسمها ويختفي خلف عظمتها، ولكن هذا النص لا يدع مجالاً للتأويل لأنه تصريح واضح باسم الشاعر القاصد، وهناك نصوص أخرى لأصدقاء وزملاء مجايلين لنا، لا تنفك قصائدهم تتغزل بذاتها حتى تصل إلى مرحلة الانتفاخ، ومنهم الشاعر نوفل أبو رغيف، حيث يقول في «ضيوف في ذاكرة الجفاف»:
نثرت على الرياح عبير جرحي
فلقحت السحائب والفصولا
سمعت العمر يشكو إنَّ ليلا
على أكتافه أرخى السدولا
فجئتُ ألملم المدن السبايا
وأزرع حول لمّتها نصولا
وأعيد ما ذكرته في بداية المقالة من أن رؤية هذه المقالة لا تعالج الجانب الفني من الاستعارات ومن البناء المحكم والعالي، إنما تعالج خطاب هذه النصوص وما تحتويه من رؤية ارتبطت في مرحلة من مراحل العراق، وهي لا تختلف كما أظن عن الخطاب السياسي في تلك المرحلة، حيث يهدد العالم بالنسف والموت وكل شيء، فيما كان النظام خاوياً على عروشه، أو أنه يهدد يومياً بتحرير فلسطين، فيما كانت خطوط الطول والعرض قد قصمت شمال العراق كاملاً وأخرجته من سيطرة بغداد.
ولكي أكون منصفاً فأنا لم أكن مختلفاً عن أبناء جيلي في هذه النزعة، وأتذكر أن اتحاد أدباء فلسطين في دمشق، عمل لي ولشعراء عراقيين أمسية في نهاية 2003 وقد قرأتُ وقتها قصائد عنترية، منها:
آتٍ إلى وإنْ لفَّ السنينَ كرى
وإنْ غفا هاجسي في الريح أو عثرا
آتٍ وفي مقلتي فجرٌ وفي شفتي
هذا الذي يغزل الأنهار والشجرا
آتٍ ألمُّ عيون الشمس، حيث رمتْ
عيونها، وأدارتْ خدَّها صعرا
آتٍ لأزرع في أنفاسها مقلاً
كي يعلموا أنَّ شمس الجائعين ترى
وقد أُعجب الجمهور كثيراً بالقصيدة، ولكن بعد انتهاء الأمسية جاءني أحد الحضور وسألني: كيف تكتبون مثل هذا الشعر ذا الروح العالية، ونحن نعيش في بلدانٍ مُحتلة؟
وبصراحة كان سؤاله أشبه بالصدمة الكهربائية، التي جعلتني أبتعد قدر المستطاع عن هذه الطريقة في الكتابة، إذ من غير المعقول والمنطقي أنْ نعيش حياة أقلَّ من عادية، فيما نكتب شعراً يناطح السحاب، ونحن لا نملك من أمرنا شيئاً، فأي غربة كنَّا نعيشها نحن الشعراء، وهي غربة لغوية بالأساس، إذ نعيش داخل الكلمات فقط، لذلك لم تصب تلك الكلمات بشمس الواقع، قدر ما كانت مبللة بأصوات المتنبي، والجواهري، وعبد الرزاق عبد الواحد، وأعتقد أنَّ هذه الظاهرة تحوَّلت في ما بعد إلى سؤال النقد الثقافي المركزي، ونسقه المضمر الذي تفتّح على يدي الدكتور عبد الله الغذامي.



روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
TT

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون، من بينها إبريق استقر بجوار حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن السادس عشر.

وأوضح الضابط في البحرية الفرنسية، سبستيان، الذي لم يفصح عن هويته الكاملة لأسباب أمنية، أنّ التعامل مع الموقع يتطلب دقة فائقة؛ لتفادي إلحاق أي ضرر بالحطام أو إثارة الرواسب التي قد تعوق الرؤية.

ووفق «سي بي إس نيوز»، يُشرف سبستيان على المهمة الأولى ضمن بعثات استكشافية أثرية في أعمق حطام داخل المياه الإقليمية الفرنسية، التي تُجرى على بُعد نحو ساعتين من الريفييرا الفرنسية.

كان اكتشاف السفينة قد حدث مصادفةً خلال مسح عسكري روتيني لقاع البحر العام الماضي في منطقة قبالة ساحل راماتويل بالقرب من بلدة سان تروبيه.

ويرجّح علماء الآثار أنّ السفينة كانت في طريقها من شمال إيطاليا، محمّلةً بالآنية الخزفية وسبائك معدنية، قبل أن تلقى مصيرها في الأعماق.

بين الإنسان والعمق... وسيط من معدن (أ.ف.ب)

وقد عادت البحرية الفرنسية حالياً، بالتعاون مع قسم الآثار الغارقة تحت الماء بوزارة الثقافة، لمعاينة القطع الأثرية التي بقيت محفوظة على عمق يزيد على ميل ونصف تحت سطح البحر.

مدافع وأباريق خزفية تحت الأعماق

وتحافظ البحرية على سرّية موقع الحطام، الذي أطلقت عليه اسم «كامارا 4»، رغم أنّ الوصول إليه يتطلَّب إمكانات تقنية متقدّمة نظراً إلى عمقه الكبير.

ومع بزوغ الفجر، وصلت القاطرة البحرية التابعة للمهمّة إلى الموقع، حاملةً روبوتاً مخصّصاً للعمل تحت الماء، ومعه حاويتان كبيرتان تُستخدمان مكاتبَ ميدانية بديلة لعلماء الآثار البحرية.

ويُنزل طاقم العمل الروبوت المزوّد بالكاميرات وأذرع تشبه الكماشة إلى الأعماق، حيث يوجّه أحد المسؤولين في البحرية الروبوت نحو الأسفل عبر كابل طويل، في حين يراقب الخبراء حركته عبر الشاشات.

وبعد نحو ساعة، يبدأ الروبوت، المُصمَّم للغوص حتى عمق يصل إلى 4 آلاف متر، في الانزلاق فوق أكوام من الأباريق دائرية الشكل في قاع البحر.

وتكشف اللقطات التي ترصدها الكاميرات للفريق على السطح، عن تفاصيل الحطام، حيث تظهر مدافع إلى جانب مئات الأباريق والأطباق المزخرفة بنقوش نباتية وصلبان وأشكال أسماك.

ويلتقط الروبوت 8 صور في الثانية على مدى 3 ساعات، ممّا أتاح جمع أكثر من 86 ألف صورة تُستخدم لاحقاً لإنتاج نموذج ثلاثي البُعد دقيق للموقع.

وأعربت عالمة الآثار فرانكا تشيبيكيني عن دهشتها من وضوح الرؤية في هذا العمق، قائلةً: «بدت ممتازة، ولا يمكن تخيّل ذلك على هذا العمق». وأضافت أن السفينة كانت تجارية على الأرجح، وكانت تحمل آنية خزفية مصقولة من منطقة ليغوريا في شمال غربي إيطاليا، وربما حُمِّلت في موانئ جنوة أو سافونا.

كان خبراء قد حدّدوا سابقاً وجود مرجلين ومرساة و6 مدافع في موقع الحطام، إلى جانب نفايات حديثة، مثل علبة مشروبات وعلبة زبادي فارغة، ظهرت في بعض الصور قرب المرساة.

عينٌ آلية ترى ما عجزت عنه العيون (أ.ف.ب)

استعادة إحدى أعمق القطع

وترى رئيسة فريق التنقيب، مارين سادانيا، أنّ هذه النتائج تُمثّل مصدراً مهماً لفهم طرق التجارة البحرية في القرن السادس عشر، في ظلّ محدودية المصادر التاريخية التفصيلية المتاحة.

وخلال عملية الانتشال، راقب الفريق بحذر الروبوت وهو يخفض ذراعه لالتقاط صندوق برفق، لتفادي كسره، رغم أنّ أحد الأواني الخزفية تحطم خلال العملية.

وقد نجح الفريق في استخراج عدد من الأباريق والأطباق، إذ فُحِصت في مختبرات بمدينة مرسيليا، وأظهرت التحاليل الأولية زخارف بخطوط زرقاء داكنة وأشكال هندسية ملوّنة.

وأكدت سادانيا أن هذه القطع تُعد من أعمق القطع الأثرية التي استُخرجت من حطام سفينة في فرنسا.

يأتي هذا الاكتشاف بعد العثور عام 2019 على حطام الغواصة «لا مينيرف» قبالة مدينة تولون، على عمق 1.4 ميل، والتي غرقت عام 1968 وعلى متنها 52 بحاراً.

وفي تطور موازٍ، أعلن مسؤولون اكتشاف حطام سفينة أخرى تعود إلى القرن الـ16، عُثر عليها خلال تدريبات عسكرية قبالة ساحل السويد.


هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
TT

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

من منظور علمي، يُعدّ فنجان القهوة لغزاً معقّداً، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء في تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيراً أسلوب تحضيرها. وغالباً ما تكون النتيجة فنجاناً غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضاً أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.

ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذي يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة في بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهي.

وإنما دراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم في فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة في بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.

وفي هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريغون جهازاً يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهداً كهربائياً متغيّراً، إذ وضعوا أقطابه في أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التي تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. في المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.

ويُمثّل هذا الاكتشاف أحدث إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء في أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالي.

تقليدياً، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالي المواد الصلبة الذائبة»، أي كمية القهوة المذابة في المشروب. وإنما النكهة تُمثّل مزيجاً من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولا يمكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.

في هذا السكون الداكن... عالم كامل (أ.ف.ب)

وقال الكيميائي في جامعة أوريغون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائي وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة في المنزل، لكنه يُمثّل تحدّياً كبيراً عند الإنتاج على نطاق واسع.

وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستي هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوي على آلاف المركّبات المختلفة».

ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة في رشفة، أو لمسات الكراميل في أخرى، ليس بالأمر السهل. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائي على جودة الطعم بيد اللسان البشري.

وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة من محمصة تُدعى «Colonna» في مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التي استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشري على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.

من جانبها، قالت هيذر سميث، وهي كيميائية متخصّصة في النكهات وعالمة في علوم الإدراك الحسي بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ولم تشارك في الدراسة، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التي تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.

وأضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعداً جديداً محتملاً، لكنها ليست حلاً متكاملاً بمفردها».

وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل في البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائي. وقالت: «هي طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائي للقهوة، وستضيف مزيداً من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأي من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّي البشري وحده قادر على ذلك».


ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
TT

ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)

تعود ماسة «كوه نور» إلى واجهة الجدل الدولي بين الحين والآخر، بوصفها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم وأكثرها إثارةً للنزاعات التاريخية والسياسية. فهذه الماسة، التي تتوسط جواهر التاج البريطاني، ليست مجرد قطعة فاخرة، بل رمزٌ معقَّد لتاريخ طويل من الاستعمار والمطالبات بالاسترداد. وقد تجدَّد النقاش حولها مؤخراً بعد دعوات جديدة لإعادتها إلى الهند، حيث استُخرجت في الأصل.

دعوة جديدة تعيد القضية إلى الواجهة

صرّح عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يوم الأربعاء، بأنه يشجِّع الملك البريطاني تشارلز على إعادة ماسة «كوه نور» - التي تزن 105.6 قيراط - إلى الهند، وذلك وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا التصريح خلال زيارة الدولة التي قام بها الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، حيث أمضيا يومهما الثالث في نيويورك. وقال ممداني للصحافيين قبل لقائه بالملك: «لو تحدثتُ إلى الملك على انفراد، لربما شجَّعته على إعادة ماسة كوه نور».

وكان ممداني، وهو أميركي من أصل هندي، يتحدث قبيل مشاركته في مراسم إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورغم لقائه لاحقاً بالملك تشارلز في المناسبة نفسها، لم يتضح ما إذا كانت هذه القضية قد طُرحت خلال حديثهما. من جهته، امتنع قصر باكنغهام عن التعليق، كما لم يؤكد مكتب العمدة حدوث أي نقاش بهذا الشأن.

وقد أعادت هذه التصريحات إحياء الجدل القديم حول الماسة، التي تطالب الهند منذ سنوات طويلة بإعادتها من بريطانيا.

موقع «كوه نور» في جواهر التاج البريطاني

تحتل ماسة «كوه نور» مكانة بارزة ضمن جواهر التاج البريطاني منذ عام 1911، عندما رُصّعت في صليب يتصدر تاج الملكة ماري. وفي عام 1937، استُبدلت بها نسخة طبق الأصل، بعد نقل الماسة الأصلية إلى تاج الملكة الأم بمناسبة تتويجها إلى جانب الملك جورج السادس.

وفي سياق متصل، اختارت الملكة كاميلا تجنُّب الجدل المرتبط بالماسة، إذ ارتدت تاج الملكة ماري بعد تعديله وإزالة النسخة المقلدة منه، لتصبح بذلك أول قرينة ملك منذ القرن الثامن عشر تعيد استخدام تاج في مراسم التتويج.

أما تاج الملكة الأم، فقد صُنع عام 1937 للملكة إليزابيث، قرينة الملك جورج السادس، لارتدائه خلال حفل التتويج في 12 مايو (أيار) من العام نفسه. ويتميَّز التاج بغطاء مخملي أرجواني وحواف من الفرو، وهو مرصّع بنحو 2800 ماسة مثبتة في إطار بلاتيني، تتوزع في أنماط من الصلبان والمستطيلات.

كما يضم التاج ماسات كبيرة أخرى، من بينها ماسة أهداها سلطان تركيا إلى الملكة فيكتوريا عام 1856. ومع ذلك، تبقى ماسة «كوه نور» الأكثر إثارةً للجدل، إذ تتوسط الصليب الأمامي للتاج على قاعدة بلاتينية قابلة للفصل.

أصل الماسة ورحلتها عبر الإمبراطوريات

استُخرجت ماسة «كوه نور» من الهند، وتُعد من أكبر الماسات المصقولة في العالم، إذ يبلغ وزنها 105.6 قيراط (21.12 غرام). ويعود أول ذكر مكتوب لها إلى عام 1628، خلال عهد الإمبراطورية المغولية، حين كانت مرصّعة في عرش الطاووس الخاص بالإمبراطور شاه جهان، إلى جانب ياقوتة تيمور.

لاحقاً، استولى الحاكم الفارسي نادر شاه على الماسة عندما غزا دلهي عام 1739 ونهب المدينة، حاملاً معه كنوزاً هائلة، من بينها عرش الطاووس.

ومنذ ذلك الحين، تنقلت «كوه نور» بين حكام آسيا الوسطى، إلى أن استقرّت في يد الحاكم السيخي رانجيت سينغ عام 1813، بحسب ما أورده كتاب «كوه نور: تاريخ أشهر ماسة في العالم» للمؤرخين أنيتا أناند وويليام دالريمبل. وقد أعاد سينغ الماسة إلى الهند قبل وفاته عام 1839.

كيف وصلت إلى بريطانيا؟

في تلك الفترة، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد وسَّعت نفوذها في شبه القارة الهندية، وكانت تنظر إلى «كوه نور» بوصفها رمزاً للقوة والهيمنة الاستعمارية. غير أن البريطانيين لم يحصلوا على الماسة إلا عام 1849.

خلال هذه المرحلة، سُجِنَت راني جيندان، الزوجة الصغرى لرانجيت سينغ ووالدة آخر مهراجا، وهو ابنها دوليب سينغ الذي كان يبلغ من العمر عشر سنوات. وبعد سنوات من الاضطرابات، وجدت الأم وابنها نفسيهما الوحيدين الباقيَيْن في ترتيب ولاية عرش البنجاب.

ووفقاً لأناند ودالريمبل، أُجبر دوليب سينغ على توقيع وثيقة قانونية عدّلت معاهدة لاهور، تنازل بموجبها عن ملكية الماسة للبريطانيين، إضافة إلى التخلي عن جميع مطالباته بالسيادة. وبذلك، انتقلت «كوه نور» إلى الملكة فيكتوريا.

إعادة صقل الماسة وتغيُّر شكلها

عُرضت الماسة في «المعرض الكبير» في لندن عام 1851، لكنها لم تُثر إعجاب الجمهور بسبب بساطة مظهرها. وعلى إثر ذلك، أمر الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، بإعادة صقلها وتلميعها.

وقد أدى ذلك إلى تقليص حجمها إلى نحو النصف، لكنه زاد من بريقها ولمعانها، لتأخذ الشكل الذي تُعرف به اليوم.

تُقدَّر قيمة ماسة «كوه نور» بما يتراوح بين 140 و400 مليون دولار أميركي، غير أن قيمتها الحقيقية تبقى غير محددة، إذ يُنظر إليها على أنها قطعة لا تُقدَّر بثمن، نظراً لما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية.

ومنذ استقلال الهند عام 1947، دأبت الحكومات الهندية المتعاقبة على المطالبة باستعادة الماسة. وكان آخر هذه المطالب في عام 2016، حين أعلنت نيودلهي أنها ستبذل قصارى جهدها لاسترجاعها.