«البسطرمة».. من طعام الفرسان الأتراك إلى دكاكين البقالة

ظهرت قبل 1500 عام.. والأرمن أدخلوها إلى العالم العربي

طبق يمكن تقديمه بعدة طرق إلى جانب عدد من المكونات الأخرى
طبق يمكن تقديمه بعدة طرق إلى جانب عدد من المكونات الأخرى
TT

«البسطرمة».. من طعام الفرسان الأتراك إلى دكاكين البقالة

طبق يمكن تقديمه بعدة طرق إلى جانب عدد من المكونات الأخرى
طبق يمكن تقديمه بعدة طرق إلى جانب عدد من المكونات الأخرى

مذاقها المبهر ورائحتها الذكية التي تفتح الشهية، جعلت منها سيدة المائدة في أطباق الإفطار والعشاء في كثير من دول العالم، من الشرق الأقصى إلى أميركا. إنها «البسطرمة» Pastrami أو Basturma التي تعني اللحم المملح المتبل. اشتهرت البسطرمة واقترنت ببيض الدجاج أو بيض السمان لتحضير طبق «البيض بالبسطرمة»، وتعتمد عليها ربات البيوت في تحضير وجبة سريعة في الغذاء. ففي مصر وحتى بداية التسعينات، كانت البسطرمة ضيفا رئيسيا في الرحلات والأسفار، وكانت الساندوتش المحبب على شاطئ البحر، وذلك قبل انتشار السوسيس والسلامي ومطاعم الوجبات السريعة في مصر.
تعد البسطرمة طريقة مميزة لحفظ اللحوم، ونظرا لأنها تستغرق أياما طويلة ووقتا في التحضير، فلم تعد السيدات تعدها في المنزل، وأصبح لها ورش تصنيع خاصة ويمكن شراؤها مباشرة من محلات البقالة أو الهايبر ماركت.
وتشتهر بها تركيا واليونان وإيطاليا، وقد أدخلها الأرمن مع نزوحهم إلى لبنان وسوريا، حيث لا تزال العائلات الأرمينية تقوم بصناعة البسطرمة منزليا، كما تشتهر بها مصر حيث عرفها أهلها مع هجرة الأرمن إليها، وتعلمها المصريون منهم، وكان يتم تصنيعها منزليا حيث كانت السيدات تعلقها في الشرفات، بخيوط سميكة بعيدا عن ضوء الشمس المباشر، وكانت هذه طريقة من طرق حفظ الطعام في أوقات مر بها العالم بحروب وفترات تقشف كثيرة خلال القرنين الـ18 والـ19. ويرجح أنها وصلت إلى أميركا مع الأرمن أيضا تقريبا في عام 1872 والتي تطورت فيما بعد إلى «السلامي» الذي تتم صناعته بالطريقة نفسها، مع اختلاف بعض الخطوات وطريقة التمليح والبهارات.
وتعد «البسطرمة» من الأكلات التي لها تاريخ عريق في المطبخ التركي، حيث جاءت فكرة تصنيعها تقريبا في أواخر القرن الـ17، بسبب خروج الفرسان الأتراك للحروب ومكوثهم ليالي طويلة في الصحراء، فكانت البسطرمة طعامهم المفضل وكانوا يحملونها ويربطونها تحت سروج جيادهم، وانتقلت معهم إلى آسيا الوسطى والبلقان.
ولا تزال حتى الآن مدينة «قيصري» في وسط تركيا المدينة الأشهر في تصنيع البسطرمة، ويمكن الحصول على أفضل أنواع البسطرمة من سوق «كازانجيلار» وقد أرخ الرحالة التركي الشهير «أولياء تشلبي»، لها أثناء زيارته لـ«قيصري» في القرن الـ17.
وفي المدن العربية تشتهر «دير الزور» في سوريا بها، وفي لبنان تنتشر البسطرمة في بيروت وبرج حمّود وهادجن وجبل لبنان وبلدة عنجر، حيث توجد العائلات الأرمينية، وتعد مدينة الإسكندرية المصرية من أشهر المدن في تصنيع البسطرمة، ولا تزال منطقة المنشية التي كان يقطن بها عدد كبير من الجالية الأرمينية، هي أفضل مكان للحصول على البسطرمة الشهية، حيث توجد بمنطقة المنشية أشهر ورش تصنيع اللحم وتجفيفه تعود إلى أكثر من قرن من الزمان، ويأتي إليها التجار من مختلف أنحاء مصر للحصول عليها. ويأتي في طلبها زوار من دول الخليج ومن ليبيا وبعض الدول الأخرى المجاورة لشراء البسطرمة ذات المذاق المميز.

* أشهر الأطباق بالبسطرمة

* ومن أشهر الأكلات حول العالم التي تستخدم فيها البسطرمة: طبق البيض بالبسطرمة، والبيتزا بالبسطرمة، والجلاش بالبسطرمة، وأبدع المصريون في عمل الفول البسطرمة، والفلافل بالبسطرمة، والكنافة بالبسطرمة، وفي الإسكندرية تضاف البسطرمة إلى أنواع المعكرونة، ومن أشهر الأكلات بها أيضا «حواوشي البسطرمة» وهو عبارة عن عجين الخبز البلدي المحشو بالجبن وشرائح البسطرمة، وقد اعتاد أهالي الإسكندرية قديما (قبل ظهور الميكروويف) الذهاب بشرائح البسطرمة والجبن التركي إلى الأفران البلدي وحشو عجين الخبر بتلك المكونات أو استبدال السجق بها.

* طريقة تحضيرها

* تصنع البسطرمة بالأساس من لحم البقر ويُعد لحم العجل الأفضل في صناعتها، هكذا أوضح إبراهيم سعد، أحد العاملين بورشة تصنيع البسطرمة بالإسكندرية لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن هناك بعض الدول تصنعها من لحم الغنم، لكن يفضل أن تكون من اللحم الخالي من الدهن، وحول طريقة صناعة البسطرمة وتحويلها من لحم إلى الشكل النهائي لدى البقالين، قال: «هي عبارة عن عملية تمليح اللحم بالملح الخشن للحفظ، ثم يضغط اللحم بأداة ثقيلة حتى تخرج عصارته، وذلك لمدة 15 ساعة تقريبا، ثم يُغسل اللحم جيدا بالماء ويجفف، ثم يتم وضعها على منضدة خشبية ويتم لفها بقماش قطني، ويوضع فوقها أيضا جسم صلب ثقيل لإتمام عملية تجفيفها، وذلك لمدة يوم كامل، وبالطبع في مكان غير رطب».
أما الخليط السحري الذي يصنع المذاق الخاص، فهو عبارة عن 100 غرام من الحلبة المطحونة الطازجة، و150 غرام ثوم مفروم، و100 غرام فلفل، و100 غرام بابريكا، 500 غم ملح طعام و100 غرام دقيق ناعم، تخلط المكونات بقليل من الماء حتى يكون معجونا بني اللون متماسكا، أشبه بالعجين، توضع قطعة اللحم وتدهن به جيدا حتى يتم تغليفها تماما، حتى لا يتعرض اللحم للفساد والجراثيم، وتترك في مكان جيد التهوية حتى يجف الخليط على اللحم ويشكل قشرة متماسكة تماما، ويتم بعدها إضافة طبقة أخرى من الخليط بالطريقة نفسها، وبعد أن تجف تماما بعد نحو 4 ساعات يمكن تعليقها في مكان جاف وتركها لمدة شهر تقريبا بعيدا عن ضوء الشمس، لتصبح بعدها صالحة للأكل. لكن يفضل طهيها على النار وعدم تناولها مباشرة حتى لا تسبب في طفيليات أو عسر هضم برغم مذاقها المغري اللذيذ.

* نصائح للشراء

* تتراص البسطرمة معلقة في أسقف محال البقالة وتباع لدى تجار الجملة بالذراع «ذراع بسطرمة»، وهي عادة تزن ما بين كيلوغرام أو كيلوغرامين، حسب قطعة اللحم التي تم تمليحها، ويتراوح سعرها بالجملة ما بين 50 و70. وسعرها في دكاكين البقالة من 70 إلى90. ويأتي اختلاف الأسعار لاختلاف نوع اللحم المستخدم وجودته، فيُعد لحم السمانة البقري الأغلى، وتليه قطعة لحم «الفخذ».
ويمكنك التعرف على البسطرمة الجيدة من الخارج عن طريق تفحص الخلطة «القشرة الخارجية لها»، فإذا كانت رائحة البهارات فيها طازجة فهي جيدة جدا، أما إذا لم تكن رائحتها فواحة فهي تشي بأن هناك شيئا خاطئا، سواء في مراحل صناعتها أو طريقة تخزينها. وأثناء شراء البسطرمة يمكنك التعرف على الجيدة منها أثناء تقطيع البائع لها، وهي التي يكون لحمها أحمر قانيا، وأما البسطرمة ذات اللون الداكن فابتعد عنها.

* وصفات سريعة بالبسطرمة

* 1 – مقبلات: توست البسطرمة
6 قطع من التوست
6 شرائح طويلة من البسطرمة
6 شرائح من الجبن الشيدر الأصفر
ملعقة كبيرة زيت زيتون
ملعقة كبيرة زعتر
ملعقة كبيرة ريحان

* الطريقة:

* ضعي فوق كل قطعة توست شريحة من الجبن ثم البسطرمة، ثم انثري قليلا من الزعتر والريحان وقطرة من زيت الزيتون فوق كل قطعة، وأدخليها في فرن درجة حرارته 180 درجة لمدة 3 دقائق، يمكنك إضافة شرائح من الطماطم أو الفلفل الأخضر أو الألوان، ومن ثم تصبح المقبلات جاهزة للتقديم. ويمكن تقديمها إلى جانب الخيار المخلل.
2 - «بسطرمة هاش» من المطبخ الأرمني

* المقادير

* ملعقتا زيت زيتون كبيرتان
شرائح من البسطرمة حسب الرغبة
4 ثمرات بطاطس نصف مسلوقة ومقشرة
بصلة متوسطة
ثمرة فلفل أخضر
ثمرة فلفل أصفر
ثمرة فلفل أحمر
ملعقة صغيرة فلفل أسود

* الطريقة:

* تقطع البطاطس والبصلة وثمار الفلفل إلى مكعبات صغيرة، وقطعي شرائح البسطرمة إلى شرائح مربعة الشكل، حضري مقلاة ذات سطح غير قابل للالتصاق، ضعي ملعقة من زيت الزيتون وأضيفي إليها شرائح البسطرمة وشرائح البصل، حتى يتحول لون البسطرمة إلى لون البصل إلى اللون الذهبي ثم ضعيهما في طبق التقديم.
عاودي العمل بالمقلاة نفسها، وضعي الملعقة الأخرى من زيت الزيتون ثم أضيفي مكعبات البطاطس والفلفل وقلِّبي المكونات باستمرار لمدة 4 دقائق حتى يتحول لون البطاطس إلى اللون الذهبي، ويذبل الفلفل قليلا. ثم صبي المكونات جميعها على البسطرمة والبصل وامزجي المكونات جيدا، ورشي عليها الفلفل الأسود لتصبح جاهزة للتقديم مع الخبز الساخن.

* 3- طاجن البسطرمة:
* المقادير:

* شرائح بسطرمة
* ربع كيلو من الجبن الحلوم
100 غرام زيتون كالاماتا
300 غرام طماطم شيري
ملعقة زيت زيتون كبيرة
أوراق زعتر بري
وأوراق بقدونس للتزين

* الطريقة والتحضير:

* توضع جميع المكونات في طاجن من الفخار، على أن تقومي برصها بشكل أنيق، ثم وزعي عليها ملعقة زيت الزيتون، وانثري قليلا من الزعتر ليعطي نكهة طيبة، واتركيها في الفرن لمدة 10 دقائق، بعدها انثري أوراق البقدونس ويصبح الطاجن جاهزا للتقديم. ويمكن تقديمه بجوار طبق المعكرونة بالبشاميل.



المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.