وزير خارجية العراق: لا يمكن تحويل أرضنا إلى ساحة لمحاسبة الآخرين

فؤاد حسين قال لـ«الشرق الأوسط» إن بغداد «تسعى إلى أفضل العلاقات» مع الرياض... وانتقد انتهاكات تركيا لسيادة بلاده

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال اجتماع بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الأربعاء (د.ب.أ)
وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال اجتماع بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الأربعاء (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية العراق: لا يمكن تحويل أرضنا إلى ساحة لمحاسبة الآخرين

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال اجتماع بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الأربعاء (د.ب.أ)
وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال اجتماع بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الأربعاء (د.ب.أ)

شكلت باريس المحطة الثالثة لجولة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين الأوروبية، التقى خلالها بشكل رئيسي نظيره جان إيف لو دريان، ومسؤولين آخرين. وأهمية مجيء حسين إلى باريس أنها تمت بعد أقل من ثلاثة أسابيع من زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون لبغداد، التي حمل إليها «مبادرة دعم السيادة العراقية»، وأبدى استعداد بلاده لمواكبة العراق في عملية إعادة الإعمار، وتوفير الدعم السياسي والدفاعي والأمني والاقتصادي ودفع العلاقات الثنائية إلى الأمام، ومحاولة إيجاد مخارج لمقاتلي «داعش» الذين يحملون الجنسية الفرنسية، أو الذين كانوا مقيمين على الأراضي الفرنسية، والذين هم في قبضة «قوات سوريا الديمقراطية».
وفي الحديث الذي خص به صحيفة «الشرق الأوسط»، عرض الوزير العراقي أهداف جولته الأوروبية، كاشفاً أنه طلب من البرلمان الأوروبي إرسال مراقبين للانتخابات النيابية التي يُفترض أن تجري في العراق في شهر يونيو (حزيران) المقبل، كما طلب من الاتحاد رفع اسم بلاده من لائحة الدول التي تمول الإرهاب، أو تتيح تبييض الأموال. وكشف فؤاد حسين أن من أهداف زيارته لباريس التحضير لزيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لفرنسا، مرجحاً أن تتم منتصف الشهر المقبل. وسيكون من بين المواضيع المطروحة طلب عراقي لشراء أسلحة فرنسية، وفق حاجات الجيش العراقي. وفي سياق آخر، أكد الوزير العراقي أن بلاده «لا تستطيع وحدها تحمل أعباء» عناصر تنظيم «داعش» المعتقلين. إن على الأراضي العراقية أو في قبضة «قوات سوريا الديمقراطية» في شرق سوريا، علماً بأن دولاً ترفض استعادة مواطنيها، وتريد بقاءهم حيث هم اليوم. وفي ملف العلاقات العراقية - السعودية، أكد الوزير حسين أن بغداد «تسعى إلى أفضل العلاقات» مع الرياض، التي وصفها بـ«المهمة»، مشيراً إلى أنه يخطط لزيارة السعودية قريباً، مضيفاً أن السعودية يمكن أن تساعد بلاده في كثير من القطاعات. أما فيما خص علاقات العراق بتركيا، فقد انتقد الوزير حسين انتهاكات تركيا للسيادة العراقية، إلا أنه أضاف أن بلاده «لا تريد الصدام مع تركيا»، وأنها تفضل الحوار شرط احترام سيادتها، مضيفاً أنه دعا وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لزيارة بغداد. وفي سياق متصل، أشار المسؤول العراقي إلى أنه «لا يمكن تحويل الأراضي العراقية ساحة لمحاسبة الآخرين ولحل مشاكل بلدانهم عليها»، لأن من شأن ذلك أن يفضي إلى «كارثة في المنطقة». وفيما يلي نص الحوار:
> قمتم بجولة أوروبية شملت برلين وبروكسل وباريس، وهي الأولى لكم بصفتك وزيراً للخارجية العراقية. ما الأهداف التي تسعون لتحقيقها؟ وكيف يمكن ترجمتها على أرض الواقع؟
- الأهداف الرئيسية على المستوى الثنائي تقوم على تقوية العلاقات مع الدول الأوروبية الثلاث، وبالنسبة لبروكسل تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، والتشاور مع الحلف الأطلسي (الناتو). وكانت لدينا مناقشات مفيدة، وبعضها يتعلق بالاتفاقات الاقتصادية والتجارية، وطبعاً في العراق نحن بحاجة لمساعدات ودعم من الشركات الأوروبية. لذا نتجه إلى أوروبا، والغاية تقوية هذه العلاقات، بالإضافة إلى دراسة الوضعين السياسي والأمني؛ سواء في العراق أو في المنطقة، وكيفية التعامل مع هذا الوضع من الجانب الأوروبي. وبالنسبة لبلجيكا، إضافة إلى الاجتماع مع وزير خارجية بلجيكا، كان هناك اجتماع مع أمين عام الحلف الأطلسي ومع الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية، وأيضاً مع البرلمان الأوروبي. وبالنسبة للبرلمان، وجهنا إليه الدعوة لإرسال مراقبين لمراقبة العمليات الانتخابية في يونيو (حزيران) المقبل في العراق. ومع الاتحاد لدينا اتفاق تعاون وشراكة، وعلى هذا الأساس نعمل على ترجمته إلى أعمال ومشاريع ملموسة، وهناك لجان مختلفة في مجالات التجارة والطاقة وفي مجال حقوق الإنسان، وقد بدأت عملها لترجمة الاتفاق بين الطرفين إلى مبادرات وأعمال. أما في باريس وفي اجتماعنا مع وزير الخارجية تناولنا مواضيع متعددة؛ بعضها على علاقة بالوضع الإقليمي والعلاقات الثنائية ونتائج زيارة الرئيس ماكرون إلى بغداد، والتهيئة لزيارة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى باريس الشهر المقبل. وتناولت مع الوزير لو دريان التحديات الأمنية «في العراق»، ووضع «داعش» وقواته، ودور فرنسا بالإضافة إلى الوضع الإقليمي والعلاقات مع واشنطن. جميع هذه المسائل تم طرحها.
> هل من تاريخ محدد لمجيء الكاظمي إلى باريس؟
- الأرجح أن تحصل الزيارة أواسط أكتوبر (تشرين الأول). نحن نعمل على تحديد ذلك.
> الرئيس ماكرون كان في العراق، بداية الشهر الحالي، حيث أعلن عن مبادرة لـ«دعم السيادة العراقية». كيف يمكن فهم هذه المبادرة؟ وما الذي تعنيه؟ وقبل ماكرون، زاركم وزيرا الخارجية والدفاع الفرنسيان، ما يعكس رغبة فرنسية في بناء علاقات شاملة على جميع الصعد السياسية والأمنية والدفاعية والاقتصادية. هل هناك مشاريع محددة يمكن أن تعطي مضموناً عملياً لهذه الرغبة، وتكون مفيدة للعراق؟
- صحيح أن هناك رغبةً فرنسيةً في تعزيز العلاقات مع العراق تقابلها رغبة عراقية في تقوية العلاقات مع فرنسا. ثمة مشاريع اقتصادية تم طرحها وحظيت بموافقة مبدئية، بحيث تقوم الشركات الفرنسية بتنفيذ هذه المشاريع من أجل مساعدة العراق، وهي مشاريع تتناول البنى التحتية وأخرى خدمية وأخرى تتناول قطاع الطاقة والنفط، إضافة إلى المسائل الأمنية والعسكرية.
> بالنسبة لهذه المسائل، نعلم أن الفرنسيين ساهموا في تدريب القوات الخاصة العراقية في إطار التحالف الدولي، وثمة رغبة فرنسية في أن تعود باريس مورداً لحاجات العراق الدفاعية. كيف تنظرون لهذا التوجه وهل لديكم رغبة في ذلك؟
- طبعاً، كان لفرنسا دور مهم في المشاركة في الحرب على «داعش» في إطار التحالف الدولي؛ أكان ذلك على مستوى السلاح الجوي أو القوات الفرنسية الخاصة أو السلاح المدفعي... يُضاف إلى ذلك أن القوات الفرنسية ساهمت في تدريب القوات العراقية الخاصة «المتخصصة في محاربة الإرهاب».
> ولكن ماذا عن التعاون الدفاعي وتوريد السلاح الفرنسي إلى العراق؟ وهل لديكم رغبة في تنويع مصادر السلاح الذي تسعون للحصول عليه؟
- العراق يحتاج إلى قوة عسكرية ذات معنى بالنسبة لوضعنا العسكري والحاجة للاستمرار في محاربة «داعش». نحن تتوافر لدينا اليوم الخبرات في هذا المجال، ولكن القوة العسكرية والسلاح العراقي ونوعية الإعداد والتدريب ليست كافية. لهذا، وزارة الدفاع والقوات العسكرية بحاجة إلى التدريب والإعداد، وللسلاح أيضاً. لذا، فإن مسألة تنويع مصادر السلاح استراتيجية وحساسة، ويجب أن تكون موضع دراسة، ولكن من المعلوم أن السلاح الفرنسي كان موجوداً بكثافة لدى القوات المسلحة العراقية، ولا أستغرب أن يكون هناك طلب من الجانب العراقي، ولكنها من مسؤولية وزارة الدفاع العراقية.
> الفرنسيون لديهم مشكلة مصير المتشددين الذين يحملون الجنسية الفرنسية والموجودين راهناً بأيدي «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية. وهناك رغبة فرنسية في أن يقبل العراق تسلُّم بعضهم على الأقل ومحاكمتهم لديكم، كما حصل في الماضي، حيث نُقِل 13 متشدداً وتمت محاكمتهم وصدرت أحكام بحقهم. هل اليوم أنتم على استعداد لقبول الطلب الفرنسي؟ وهل تمت مناقشة هذا الملف مع نظيركم الفرنسي؟
- هذه المشكلة نواجهها نحن وتواجهها دول عديدة؛ إذ من المعلوم أن أفراداً من جنسيات مختلفة كانوا في صفوف «داعش» (52 جنسية) ما عدا العراقيين والسوريين. وهذا يعني أن تنظيم «داعش» كان عالمياً، وبالنتيجة هناك العديد من هؤلاء معتقلون في السجون العراقية أو السورية. ثم هناك مخيمات تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» توجَد فيها عوائل أو أفراد من «داعش»، وأيضاً من قيادات هذا التنظيم. إذن، هذه المسألة قائمة وموجودة.
هذه ملاحظة أولى، والثانية أن هذه المسألة أصبحت معقدة لأنها تتعلق بالنظم القانونية؛ سواء في العراق أو سوريا أو الدول التي أتى منها هؤلاء. وفي العرف القانوني، يُحاسب المجرم الذي ارتكب جرماً في المكان الذي حصل فيه الجرم، وكثير من هؤلاء ارتكبوا جرائمهم على الأراضي العراقية أو كانوا جزءاً وأفراداً من منظمة كانت موجودة في العراق، ولو كانوا نشطاء في سوريا. لهذا، فإن القانون العراقي قابل لمحاسبة هؤلاء.
> ولكن هل أنتم راغبون في أن تتسلموا هؤلاء، وأن تحاكموهم أمام محاكمكم، وأن تنفذوا فيهم الأحكام التي قد تصدر؟
- أعتبر أن هذه المسألة يجب أن تُناقش مع الدول المعنية لنصل إلى فهم مشترك. وهناك مسألة معقدة أخرى؛ أن ثمة أفراداً من النساء أو عناصر نسائية أو رجالية جاءت إلى مناطق «داعش»، وحاربت إلى جانبه. وقد حصلت مزاوجات متنوعة، ووُلِد منها أطفال. والسؤال: كيف نتعامل قانونياً مع الأطفال؟ وما مسؤولية الدول التي جاء منها الدواعش؛ ليس فقط المسؤولية القانونية، ولكن أيضاً المسؤولية السياسية والمالية والقضائية... ونحن نرى أن مختلف هذه الأسئلة تحتاج إلى اجتماعات مكثفة لنصل إلى نتائج مشتركة. والعراق لا يستطيع أن يتحمل وحده عبء هذه المسائل. العراق كان ضحية رغم أن كثيرين من الدواعش كانوا عراقيين أو سوريين ولكن كثيرين جاءوا من خارج هاتين الدولتين.
> ما اليوم أفق العلاقات العراقية - السعودية؟ وزير الخارجية السعودي كان في بغداد مؤخراً. هل ثمة تخطيط لزيارة الرياض؟ هل هناك زيارات يخطط لها على المستويات العليا؟ وباختصار، ما رغبة العراق راهناً بالنسبة للعلاقات مع المملكة السعودية؟
- أود أن أؤكد أن سياستنا الخارجية تستند أولاً على بناء علاقات جيدة، مع جميع دول الجوار والسعودية دولة جارة، كما أنها دولة مهمة، وهي دولة نفطية وعضو منظمة «أوبك». يُضاف إلى ذلك أن بيننا وبين السعودية، فضلاً عن التجاور الجغرافي، علاقات تاريخية معطوفة على البعدين الديني واللغوي.
نحن نعتبر أن علاقاتنا مع السعودية مهمة بالنسبة للعراق، ونحن نحتاج لعلاقات جيدة، ونحن بصدد بنائها. وأنا شكرت زميلي وزير الخارجية السعودي سمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود لدى مجيئه إلى بغداد، وطبعاً لدينا العزم لزيارة الرياض. لكن العلاقات لا تستند فقط إلى الزيارات، بل تقوم أيضاً على بناء العلاقات التجارية والاقتصادية وبناء شبكة مصالح متبادلة. وحينما تتشابك المصالح تبدأ العلاقات بأخذ وجهها الصحيح والصحي، ونحن بصدد بنائها، ونحن نعي أن السعودية تستطيع مساعدتنا في مختلف المجالات. الشركات السعودية خصوصاً تلك التي تنتج البتروكيماويات تستطيع مساعدتنا. والرأسمال السعودي يمكن أن يستثمر في العراق سواء في المجال الزراعي خاصة في الجنوب أو المناطق الأخرى الخصبة.
> لكن ماذا عن المستوى السياسي؟
- نحن نسعى إلى أفضل العلاقات، وأود أن أنوه بالدور الرئيسي الذي تلعبه السعودية في القطاع النفطي؛ كونها الدولة الأولى لجهة الإنتاج النفطي ودورها مؤثر في منظمة «أوبك». أما الدولة الثانية، فهي العراق، ولذا نحن نحتاج لتنسيق كامل وشامل مع السعودية في القطاع النفطي، وأيضاً في المجالات المختلفة بما في ذلك المسائل الأمنية والحدودية. وخلاصتي أننا بحاجة إلى هذه العلاقات الجيدة مع السعودية، ونحن نعمل على بنائها.
> لديكم كما هو واضح مشاكل مع تركيا، وبرز ذلك من خلال استدعائكم ثلاث مرات السفير التركي في بغداد لوزارة الخارجية، من أجل تسجيل الاحتجاج على ما تقوم به تركيا. ما أساس المشكلة مع تركيا وكيف تعملون على إيجاد حلول لها؟ ما المطلوب تركياً، ولماذا لا تحترم تركيا السيادة العراقية؟
- الجانب التركي يبرر تدخلاته بنشاطات «حزب العمال الكردستاني».
> هل هذا مبرَّر من وجهة نظركم؟
- نشاطات حزب العمال الكردستاني لسنا نحن من أوجدها، ولسنا مِن داعميها. هذا الحزب دخل الجبال العراقية في عام 1991، والجيش التركي حاول منذ ذلك العام وحتى اليوم محاربة هذا الحزب في الجبال العراقية. ونحن نفهم الهاجس الأمني التركي، ولكن من الصعب فهم العمليات العسكرية التركية؛ حينما تقود عمليات عسكرية كبيرة، وتدخل إلى الأراضي العراقية وتهاجم أحياناً القرى المدنية، وتم قتل ضابطين كبيرين من قوات الحدود العراقية. رغم ذلك، نحن نتطلع إلى حوار مع تركيا، لأننا لا يمكننا أن ندخل في صدام مع تركيا. نحتاج لحوار ولكن على أساس فهم الآخر وعلى أساس الوصول إلى نتائج ملموسة، وإحدى النقاط الأساسية احترام سيادة الآخر وسيادة العراق وعدم التدخل في الشؤون العراقية، ومسألة حزب العمال الكردستاني يتعين أن تُحلّ بشكل آخر. وبأي حال، نحن مستعدون لبدء الحوار مع تركيا.
> يبدو أن هناك دعوة وُجّهت للسيد الكاظمي لزيارة أنقرة؟
- نعم. هذه الدعوة موجودة، ونحن بصدد تهيئة الأجواء، وسأدعو وزير الخارجية التركي إلى بغداد لنتشاور حول هذه المسائل كلها.
> في بروكسل، وفي كلام للصحافة قلتم ما يلي: نطلب من دول الجوار أن تحترم سيادة العراق وعدم التدخل بشؤونه... هل هذا ممكن في ظل الكباش الأميركي - الإيراني، مع زيادة الضغوط على طهران وتصاعدها قبل الانتخابات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؟
- كثيرون من الناس يقولون كيف بالإمكان حماية السيادة العراقية، والآن هناك تدخل عسكري على أراضيه... كيف يمكن ذلك والصراع الأميركي - الإيراني يرتهن الوضع الداخلي العراقي؟ هذا صحيح. لكن نحن نثبت المبدأ، ونعمل على أساسه. ليس صحيحاً وصحياً التدخل في شؤون العراق الداخلية من قبل دول الجوار، لأنه بالنتيجة سوف يؤدي إلى كارثة في المنطقة، وسوف يكون هناك فعل ورد فعل وردّ الفعل لن يكون من قِبَلنا، ولكن من قبل الآخرين. لا يمكن تحويل الأراضي العراقية لمحاسبة الآخرين ولحل مشاكل بلدانهم على الأراضي العراقية؛ سواء كانت هذه الدول بعيدة عن العراق أو من جيران العراق.
> اتفقنا على المبدأ. ولكن عملياً هل الأمور تجري في هذا الاتجاه؟
- نحن ليس لدينا قوات عسكرية لنواجه هذه المسائل، ولا نؤمن بحلها من خلال القوة العسكرية. نحن نلجأ إلى القوة الناعمة في العلاقات الدولية، ونعتمد على الدبلوماسية، كما نتوجه إلى الرأي العام عبر الإعلام، ونحاول عن طريق بناء العلاقات والتركيز على شرح المواقف على اختلافها لأصدقائنا، وهم كثيرون عبر العالم. إذن، لدينا وسائل أخرى للدفاع عن النفس «غير الوسائل العسكرية»، ونتقدم في هذا الاتجاه، وهناك عطف كبير وتفهم لمواقف العراق. وأعتقد أن هذا العطف يمكن أن يتحول إلى قرارات سياسية وضغوط على هذه الدول، وبالنتيجة لدينا وسائل أخرى للعمل.
> فهمنا أنكم في بروكسل طلبتم من جوزيب بوريل، وزير الخارجية الأوروبي، سحب اسم العراق من لائحة الدول الممولة للإرهاب، أو التي تتساهل مع تبييض الأموال. هل استجيب لطلبكم؟ هل لقيتم تفهماً أم أعطيتم وعوداً بذلك؟
- وضع العراق على هذه قائمة تمويل الإرهاب، بنظرنا، شيء غريب. أنا أثرت الموضوع مع الوزراء الذين التقيتهم «في هذه الجولة»، خصوصاً مع وزير خارجية ألمانيا الذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي، ومع جوزيب بوريل، إضافة إلى أنني راسلت جميع الوزراء الأوروبيين بشأن هذا الملف. وقد قدموا لي وعوداً بذلك، إلا أنهم أثاروا مسألة فنية تتعلق بالبنك المركزي العراقي. وسيكون هناك عمل من أجل إغلاق هذا الملف.
> هل لديكم اليوم رؤية واضحة لطبيعة ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق علماً بأن الرئيس الأميركي يريد سحب قواته من بلادكم التي تراجعت أعدادها إلى 3000 جندي كما فهمنا؟
- الوجود العسكري الأميركي يستند إلى حاجات العراق الأمنية والعسكرية، وبالتشاور بيننا وبين الجانب الأميركي يتم تحديد طبيعة العمل بالنسبة لهذه المسألة. ولكن أود أن أشير إلى أننا نأخذ بعين الاعتبار واقع المجتمع العراقي وقرار البرلمان العراقي «الذي طالب بانسحاب القوات الأميركية». وأعتقد أن اللجنة الفنية «المشتركة» سيكون لها أن تحدد أولاً الحاجات العراقية العسكرية والأمنية، وثانياً تحدد العمل المشترك، ولكن سيكون هناك عمل مشترك بشكل آخر. ففي المستقبل، وبعد انتهاء العمليات ضد «داعش» الذي ما زال يشكل خطراً على العراق، سوف تتخذ العلاقات العسكرية والأمنية مع القوات الأميركية شكلاً آخر.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.