«كوفيد ـ 19»... هل سيغدو مرضاً طويل المدى؟

6 مجموعات من الأعراض تُستخدم للتنبؤ السريري المبكر بمساره

«كوفيد ـ 19»... هل سيغدو مرضاً طويل المدى؟
TT

«كوفيد ـ 19»... هل سيغدو مرضاً طويل المدى؟

«كوفيد ـ 19»... هل سيغدو مرضاً طويل المدى؟

مع استمرار الجائحة العالمية «كوفيد- 19» لأكثر من عشرة شهور، من بداية ظهورها في مدينة ووهان الصينية شهر ديسمبر (كانون الأول) 2019، من دون التوصل لعلاج أو لقاح، بدأ العلماء والخبراء يتساءلون ما إذا ستصبح هذه الجائحة مرضاً طويل المدى!
- جائحة طويلة المدى
ولتحديد ذلك، لا بد من وضع تعريف علمي للجائحة طويلة المدى، ومن ثم تحديد طرق إدارتها وعلاجها؟ المجلة الطبية البريطانية (BMJ) نشرت في السابع من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي 2020 خلاصة ما اتفق عليه فريق الخبراء الذين شاركوا في ندوة عُقدت عن بُعد حول التعريف والتشخيص والإدارة لـ«كوفيد طويل المدى long covid» مع الاستراتيجيات المقترحة للتعامل مع هذا الوضع الصحي الجديد، فهناك ما يقرب من 10 في المائة من الأشخاص يعانون من مرض طويل الأمد بعد الإصابة بفيروس «كوفيد- 19». يتعافى عديد منهم تلقائياً (وإن كان ببطء) مع تقديم الدعم الشامل والراحة، وعلاج الأعراض والزيادة التدريجية في النشاط.
- التعريف
عضوة فريق الخبراء الدكتورة نسرين علوان، أستاذة مشاركة في الصحة العامة «جامعة ساوثهامبتون University of Southampton» ولديها خبرة شخصية في المرض، عرَّفت مرض «كوفيد طويل الأمد» بأنه مرض لا يتعافى منه المصاب بعد عدة أسابيع أو أشهر من بدء الأعراض التي دلت على الإصابة بالفيروس، سواء تم عمل الاختبار أم لا.
وأضافت أن «التعب الشديد Profound fatigue» كان من الأعراض الشائعة لدى معظم الأشخاص الذين يعانون من مرض «كوفيد- 19»، من بين مجموعة واسعة من الأعراض الأخرى التي تشمل السعال، وضيق التنفس، وآلام العضلات والجسم، وثقل الصدر أو الشعور بالضغط عليه، وأيضاً الطفح الجلدي، والخفقان، والحمى، والصداع، والإسهال، والشعور بوخز الدبابيس والإبر.
- طبيعة المرض متأرجحة
وأهم ميزة شائعة جداً في مرض «كوفيد طويل الأمد» هي طبيعة المرض المتأرجحة والمتقلبة بين الشعور بالتعافي ثم عودة أعراض المرض. ووصفت الدكتورة علوان هذه التقلبات بأنها حلقة مستمرة من خيبة الأمل، ليس فقط للمريض المصاب، ولكن للأشخاص المرافقين له الذين ينتظرون حقاً أن يتعافى.
من جهة أخرى، وصف البروفسور بول غارنر الأستاذ بمركز تجميع الأدلة للصحة العالمية، بكلية ليفربول للطب الاستوائي، ومحرر منسق بمجموعة «كوكرين Cochrane» للأمراض المعدية، ولديه خبرة شخصية في مرض «كوفيد- 19»، وصف «كوفيد طويل الأمد» بأنه «مرض غريب جداً» جعله شخصياً يشعر «بضربات متكررة من المرض» في الشهرين الأولين من الإصابة، ثم عانى من نوبات أقل في الأشهر الأربعة اللاحقة مع التعب المستمر؛ حيث إن وسائل المساعدة أمر صعب حقاً.
وسلط الدكتور نيك بيترز، أستاذ واستشاري أمراض القلب في «إمبريال كوليدج لندن» الضوء على موضوع التمييز بين الأشخاص المرضى «جداً» الذين تعافوا إلى حد ما، وتركوا يعانون من بعض تأثيرات مرضهم الشديد، مقابل أولئك الذين أصيبوا بمرض خفيف نسبياً منذ البداية، فظل المرض مستمراً معهم.
- دراسة حديثة للأعراض
أشار البروفسور تيم سبيكتور، أستاذ علم الأوبئة الجينية في «كينغز كوليدج لندن King’s College London» ورئيس دراسة أعراض فيروس كوفيد (Covid Symptom Study) التي نشرت في المجلة الطبية البريطانية (BMJ2020;370)، إلى أن فريق الدراسة قد حدد 6 مجموعات من الأعراض لـ«كوفيد- 19» والتي يمكن استخدامها كأداة للتنبؤ السريري للمرض.
وكان اثنان منها مرتبطين بأعراض طويلة المدى، مما يشير إلى طريقة محتملة للتنبؤ مبكراً بما قد يحدث في مسار المرض. وأضاف أن من يعاني من: سعال مستمر، صوت أجش، صداع، إسهال، فقدان الشهية للطعام، وضيق في التنفس في الأسبوع الأول، من المرجح مرتين إلى ثلاث مرات أنه سيصاب بأعراض طويلة المدى. وقد أشارت الأنماط التي حددت في بيانات هذه الدراسة إلى أن فيروس «كورونا» الطويل كان شائعاً بين النساء بمقدار الضعف مقارنة بالرجال، وأن متوسط عمر المصابين به كان أكبر بحوالي أربع سنوات من المصابين الذين لديهم ما يمكن تسميته «كوفيد قصير المدى short covid». كما وُجد في هذه الدراسة أن هناك مجموعات من أعراض مختلفة للمرض بحسب الفئات العمرية المختلفة، وعليه يمكن أن تكون هناك أعراض مختلفة لدى الشباب مقارنة مع الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً. ومع مزيد من هذه النتائج، سوف يكون الأطباء قادرين على تقسيم الأعراض إلى مجموعات، والعمل على ضوئها، وسيكون ذلك مثيراً للاهتمام للغاية، ويساعد في الحصول على تدخلات مبكرة للفئات المعرضة للخطر.
وقد أظهرت نتائج هذه الدراسة، أيضاً، أن «التعب fatigue» كان السمة الأكثر شيوعاً لدى الأشخاص الذين ظهرت عليهم الأعراض بعد ثلاثة أسابيع، وأن حوالي 80 في المائة من الأشخاص الذين عانوا من أعراض استمرت لأكثر من ثلاثة أسابيع أفادوا بأنهم «مروا بأيام جيدة وأخرى سيئة صحياً».
- مجموعات الأعراض
تم تطوير تطبيق هذه الدراسة بواسطة «كلية كينغز لندن» بالتعاون مع شركة «التكنولوجيا الصحية ZOE» ولديهم أكثر من 4 ملايين مستخدم. تم تسجيل الأعراض من المملكة المتحدة والولايات المتحدة والسويد. المجموعات الست هي:
1. شبيه الإنفلونزا من دون حمى Flu-like with no fever: مع عدم وجود حمى - صداع، فقدان حاسة الشم، آلام في العضلات، سعال، التهاب في الحلق، ألم في الصدر.
2. شبيه الإنفلونزا مع حمى Flu-like with fever: مع حمى - صداع، فقدان حاسة الشم، سعال، احتقان في الحلق، بحة في الصوت، فقدان الشهية.
3. صداع- معدي معوي Gastrointestinal-headache: صداع، فقدان حاسة الشم، فقدان الشهية، إسهال، احتقان في الحلق، ألم في الصدر، عدم وجود سعال.
4. المستوى الأول الشديد من التعب Severe level one fatigue: صداع، فقدان حاسة الشم، سعال، حمى، بحة في الصوت، ألم في الصدر، إرهاق.
5. المستوى الثاني الشديد من الارتباك Severe level two confusion: صداع، فقدان الشم، فقدان الشهية، سعال، حمى، بحة في الصوت، التهاب الحلق، آلام الصدر، التعب، الارتباك، آلام العضلات.
6. المستوى الثالث الشديد، بطن وجهاز تنفسي Severe level three، abdominal and respiratory: صداع، فقدان حاسة الشم، فقدان الشهية، سعال، حمى، بحة في الصوت، ألم في الحلق، ألم في الصدر، إرهاق، ارتباك، ألم عضلي، ضيق في التنفس، إسهال، آلام في البطن.
- تفاوت المجموعات
وجد الباحثون أن 1.5 في المائة من الأشخاص في المجموعة (1) و4.4 في المائة من الأشخاص في المجموعة (2) يحتاجون إلى دعم تنفسي. أما المجموعة (3) فلها أعراض مَعِدِيَّة معوية أقوى، وتحتاج إلى دعم تنفسي في 3.7 في المائة. ومع ذلك، كان معدل زيارات المستشفى المصاحب مرتفعاً في المجموعة (3) (23.6 في المائة) مقارنة بالمجموعتين 1 و2 (16.0 في المائة و17.5 في المائة).
وتضمنت المجموعات 4 و5 و6 مشاركين أبلغوا عن أعراض أكثر شدة للمرض مع 8.6 في المائة و9.9 في المائة و19.8 في المائة تتطلب دعماً تنفسياً، على التوالي. ما يقرب من نصف المرضى في المجموعة (6) انتهى بهم المطاف في المستشفى (45 في المائة)، مقارنة بـ16 في المائة فقط من المرضى في المجموعة (1).
وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين يعانون من أعراض المجموعة 4 أو 5 أو 6 يميلون إلى أن يكونوا أكبر سناً وأكثر ضعفاً، وكانوا أكثر عرضة لزيادة الوزن، ولديهم حالات موجودة مسبقاً، مثل مرض السكري أو أمراض الرئة من أولئك الذين يعانون من أعراض النوع 1 أو 2 أو 3.
قال رئيس الدراسة تيم سبيكتور، إن نتائج هذه الدراسة تعد أقوى أداة لدينا ضد «كوفيد- 19»، وتتيح التنبؤ مبكراً بالإصابة وبأي مجموعة وقع فيها المريض، وخطر حاجته إلى رعاية مركزة بالمستشفى للدعم التنفسي أو فقط الدعم والتدخل المبكر، مثل مراقبة مستويات الأكسجين والسكر في الدم، والتأكد من أنها رطبة بشكل صحيح، كما يمكن تقديم رعاية بسيطة في المنزل وتقليل دخول المستشفى وإنقاذ الأرواح.
- استراتيجيات مقترحة للتعامل مع «كوفيد طويل المدى»
قام كل من الدكتورة تريشا رينهالغ، أستاذة الرعاية الصحية الأولية في قسم «نافيلد Nuffield» لعلوم الرعاية الصحية الأولية بجامعة «أكسفورد»، والدكتور ماثيو نايت، استشاري الجهاز التنفسي، اللذان يعملان في عيادة المتعافين من «كوفيد طويل المدى»، بكتابة بروتوكول إدارة فيروس «كوفيد- 19» في الرعاية الأولية، ونشر أخيراً في المجلة الطبية البريطانية (BMJ 2020;370:m3026) وهو متاح لكافة الأطباء.
ومما يتضح أن ما بعد الإصابة الحادة بـ«كوفيد- 19» يعتبر مرضاً متعدد الأنظمة، يتطلب تقييماً سريرياً شاملاً للمريض الذي تأخر تعافيه من نوبة «كوفيد- 19»، وتم علاجه في مستشفى عادي.
بشكل عام، يمكن تقسيم هؤلاء المرضى إلى أولئك الذين قد يعانون من تبعات خطيرة، مثل مضاعفات التخثر الدموي، وأولئك الذين لديهم صورة سريرية غير محددة، وغالباً ما يشكون من التعب وضيق التنفس، ومجموعة ثالثة يحتاجون لإعادة التأهيل المتخصص لمرضى «كوفيد- 19» الذين أُدخلوا العناية المركزة.
ومن أهم متطلبات هذه المرحلة ما يلي:
- طمأنة الأطباء العامين إلى أن لديهم المهارات السريرية لمقابلة هؤلاء الأشخاص، مثل الاستماع إلى المريض، وتوثيق الأعراض، وكيف تتغير وكيف تتقلب، والتنبيه إلى الأعراض التي قد توحي بأنهم بحاجة إلى الإحالة للمركز المتخصص. فعلى الرغم من أن عديدًا من المرضى الذين يحالون إلى عيادات «كوفيد الطويل» كانوا يتحسنون ببطء، فإن بعضهم لم يكونوا بحاجة ماسة للإحالة من الرعاية الأولية؛ حيث إن التحسن سيكون تدريجياً، وإذا لم يحدث تتم الإحالة من أجل الفحوصات المتخصصة والمراقبة الدقيقة.
- على الشخص الذي يعاني من مرض «كوفيد- 19» أن يكون ملماً بأنماطه الحياتية، ويتعلم ما الذي يسبب الإرهاق له أو الأعراض الأخرى، ويحاول تجنب تلك المسببات، مع التأكيد على إمكانية التغلب على هذا الفيروس والبدء في استيعابه. فبمجرد القبول به، يصبح الأمر أسهل نوعاً ما.
- على نطاق أوسع، يجب دمج حالات فيروس «كورونا» الطويل في إحصائيات «كوفيد- 19».
- تحديد وقياس فيروس «كورونا» الطويل بالطريقة نفسها التي يتم التعامل بها مع نتائج الاختبارات الأكيدة والوفيات.
- دعوة المتخصصين إلى العمل معاً لوضع إرشادات أفضل حول كيفية تحسين التحقيق في المرضى الذين يعانون من أعراض دائمة. الاتصالات السريعة متعددة التخصصات مطلوبة هنا.

- استشاري في طب المجتمع


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟