ماذا نتوقع من اللقاح؟

لقاح يُجرّب على متطوع في مختبر بلندن الشهر الماضي (أ.ب)
لقاح يُجرّب على متطوع في مختبر بلندن الشهر الماضي (أ.ب)
TT

ماذا نتوقع من اللقاح؟

لقاح يُجرّب على متطوع في مختبر بلندن الشهر الماضي (أ.ب)
لقاح يُجرّب على متطوع في مختبر بلندن الشهر الماضي (أ.ب)

من أكثر المواضيع المهمة في الوقت الحاضر فيما يتعلق بـ«كوفيد - 19» الحاجة إلى لقاح لهذا الوباء الجديد والذي كان له تأثير كبير على صحة الإنسان وعلى الاقتصاد العالمي على حد سواء.
وبعد أكثر من تسعة أشهر على اكتشافه، لم تظهر علامات على اختفائه أو تراجعه بشكل طبيعي كما حدث مع فيروسات أخرى سبقته.
تتمتع اللقاحات بجاذبية كبيرة من حيث قدرتها على حماية البشر، ومن الناحية النظرية فإن إنهاء الوباء وطمأنة الناس إلى أن المخاطر الصحية قد تقلصت أو أزيلت يعتمد فعلياً على اللقاحات. ومع ذلك فإن الكثير من الناس غير مقتنعين باللقاحات، حيث إن إعطاء دواء وقائي قد يعني للعديد من البشر تعرض الأشخاص الأصحاء إلى مخاطر حتى لو كانت بسيطة. وحتى لو نجح اللقاح فإن الفوائد ليست واضحة على الفور لأولئك الذين تم تطعيمهم، لذلك تم التركيز على تطوير لقاحات جديدة في السنوات الأخيرة بالتركيز على السلامة والمزيد من الأمان، وهو ما يؤدي إلى زيادة التكلفة في الإنتاج ويستغرق وقتاً طويلاً أيضاً قد يصل إلى عدة سنوات.
وغالباً ما تظهر مشكلات السلامة في المراحل النهائية من تطوير اللقاح وقد تكون أحداث نادرة نسبياً وقد تفشل اللقاحات بعد إنفاق مبالغ كبيرة ووقت طويل وهو ما يحدث بالفعل مع «كوفيد - 19» بسبب فيروس كورونا المستجد.
- تقييم المخاطر
إن الطريقة الحقيقية الوحيدة لإثبات فعالية لقاح «كوفيد - 19» هي المقياس المباشر فيما إذا كان يحمي البشر من العدوى بالفيروس، وهو أمر ليس سهلاً تحقيقه. يقول جوردون دوغان أستاذ في معهد كامبريدج للمناعة العلاجية والأمراض المعدية بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة في مقاله المنشور في 11 سبتمبر (أيلول) 2020 في Nature Medicine، إنه غالباً ما توفر اللقاحات حماية جزئية فقط وتحمي البعض دون البعض الآخر، وهو ما يطلق عليه فعالية اللقاح. وقد يوفر اللقاح حماية بين 50 و100 في المائة، لكن حتى اللقاح المنخفض الفعالية قد يوفر أحياناً تحفيز مناعة القطيع عن طريق الحد من انتقال الفيروس في المجتمع.
- عودة تجارب أكسفورد
أُعلن السبت 12 سبتمبر (أيلول) عن استئناف التجارب على لقاح محتمل لفيروس كورونا تطوره جامعة أكسفورد البريطانية بالتعاون مع شركة أسترازينيكا بعد توقف مؤقت بسبب مرض أحد المتطوعين. وقالت شركة أسترازينيكا إن التجارب توقفت مؤقتاً للتحقيق فيما إذا كان الأثر الجانبي المبلغ عنه مرتبطاً باللقاح. لكن الجامعة اعتبرت أن الوضع آمن للاستمرار بالتجارب وأن الدراسات يمكن أن تستأنف الآن باتباع توصيات لجنة مراجعة السلامة المستقلة والهيئة التنظيمية في بريطانيا. وكان قد تم تعليق تجربة المرحلة الثالثة من اللقاح يوم الأربعاء بعد أن تبين أن إحدى المشاركات البريطانية كانت تعالج للاشتباه بالتهاب النخاع المستعرض، وهي حالة خطيرة تصيب الجهاز العصبي. ومع ذلك لا يزال التشخيص الدقيق غير واضح والفحوصات الطبية جارية.
- ما مميزات لقاح أكسفورد؟
يعتمد لقاح أكسفورد على ما يسمى بالناقل الفيروسي حيث إن الهدف من اللقاح إنتاج استجابة مناعية لفيروس كورونا. لكن بدلاً من استخدام الفيروس نفسه يستخدم العلماء الفيروس الغدي adenovirus المأخوذ من قردة الشمبانزي. ومن المفترض أن يكون هذا الفيروس فيروساً معدلاً تم تعديله وراثياً ليصبح غير ضار بالبشر. وقام العلماء أيضاً بتعديله للتعبير عن بعض الجينات (التعبير الجيني هي العملية التي يتم من خلالها تحويل التعليمات الموجودة في الحامض النووي إلى منتجات وظيفية مثل البروتين) من فيروس كورونا. وتعتمد الفكرة على أن هذا الفيروس يمكنه إدخال جينات الفيروس التاجي إلى الجسم وبدوره سوف يسمح للجسم بالتفاعل مع منتجات جينات الفيروس التاجي دون أن يصاب به.
- الطرق المختلفة للقاح
يطور العلماء أكثر من 100 لقاح لفيروس كورونا باستخدام مجموعة من التقنيات بعضها بدأ بداية موفقة وبعضها الآخر لم تتم الموافقة عليه للاستخدام الطبي من قبل. وتستهدف معظم اللقاحات بروتين الاشواك التي تغطي أو تحيط بالفيروس والتي تساعده على غزو الخلايا البشرية حيث يقوم جهاز المناعة بتطوير اجسام مضادة ترتبط ببروتينات الاشواك وتوقف نشاط الفيروس دون التسبب بالمرض. وهناك مجموعة اللقاحات التي تحوّر الفيروس التاجي بأكمله لإثارة استجابة مناعية، وهي على نوعين النوع الأول اللقاحات التي تستخدم فيروسات حيّة مضعفة ومعطلة غير قادرة على التسبب بالمرض واستجابة لها تقوم الخلايا المناعية بتصنيع الأجسام المضادة. ومن أمثلتها اللقاحات التقليدية للإنفلونزا وجدري الماء والحصبة والنكاف والحصبة الألمانية حيث تقع جميعها في هذه الفئة. وتقوم شركة سينوفاك Sinovac وغيرها بتطوير لقاح «كوفيد - 19» على نفس الأساس. أما النوع الثاني من اللقاحات والمعروفة باللقاحات الوراثية وهي لقاحات تستخدم جزءاً من الشفرة الجينية لفيروس كورونا للحامض النووي أما DNA أو RNA إذ يمكن إنتاج كليهما بأسرع من الطرق التقليدية. ولا توجد لقاحات معتمدة من RNA لكنها قيد التجارب السريرية لفيروس كورونا تقوم بها شركات موديرنا Moderna وفايزر Pfizer وبايونتك BioNTech وكيورفاك CureVac وغيرها. وما زال هناك مجموعة أخرى من اللقاحات التي تستخدم فيروسات غدانية لإيصال جينات الفيروس التاجي إلى الخلايا، كما ورد سابقاً، وتقوم شركة جونسن وجونسن Johnson & Johnson وشركة أسترا زينيكا Astra Zenika بتطوير هذه اللقاحات. وهناك مجموعة أخرى من اللقاحات وهي مجموعة لقاحات الجسيمات الشبيهة بالفيروسات وهي عبارة عن جزيئات تحتوي على أجزاء من البروتينات الفيروسية لا يمكن أن تسبب المرض لأنها ليست فيروسات فعلية لكن لا يزال بإمكانها إظهار شكل بروتينات فيروس كورونا للجهاز المناعي وتوليد استجابة مناعية وتقوم شركة ميديكاغو Medicago ومعهد دوهيرتي Doherty بتطوير تلك التقنية.
- ماذا بعد؟
تقول هانا ستاور Hannah Stower محرر مساعد أول في Genome Biology وعلى نطاق أوسع في علم الوراثة كمحرر مشارك في Nature Reviews Genetic في مقالها المنشور في Nature Medicine في 10 سبتمبر (أيلول) 2020: نحن الآن في منتصف الطريق لتطوير لقاحات جديدة في الوقت الفعلي وسيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف سيحدث كل هذا خلال الأشهر والسنوات المقبلة. ويمكننا أن نتوقع بعض المخاوف وبعض اللقاحات التي تخرج من السباق. وسنرى تدافعاً للتحصين بمجرد أن تبدأ الإمدادات في الظهور. حيث من المحتمل أن تشتري الدول الغنية الإمدادات التي تشتد الحاجة إليها وتترك البلدان الفقيرة خالية اليدين. وسيستغرق الأمر عدة سنوات لمعرفة ما إذا كان التطعيم فعالاً حقاً وآمناً تماماً. ومهما كانت النتيجة، نحن بحاجة إلى التعلم من هذا الوباء وأن نكون مستعدين للوباء التالي القادم.


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

نائب المستشار الألماني: العلاقة بين أميركا وأوروبا «بصدد التفكك»

صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
TT

نائب المستشار الألماني: العلاقة بين أميركا وأوروبا «بصدد التفكك»

صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)

حذّر نائب المستشار الألماني لارس كلينغبايل، الأربعاء، من أن العلاقة مع الولايات المتحدة «بصدد التفكك»، وأن أوروبا تمر بمرحلة تُثار فيها «تساؤلات حول ثوابتها»، في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثارها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً حقيبة المالية خلال خطاب في المؤسسة الألمانية للأبحاث الاقتصادية «دي آي دبليو» في برلين، إن «التحالف عبر الأطلسي يشهد تحولاً أعمق بكثير مما كنا نرغب في الاعتراف به حتى الآن»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».


تحليل: الحد من التسلح النووي لا يزال أمراً مهماً للغاية

محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
TT

تحليل: الحد من التسلح النووي لا يزال أمراً مهماً للغاية

محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)

يمنح تصاعد المنافسة بين القوى العظمى، الولايات المتحدة، سبباً أكبر للاستثمار في أطر التعاون الدولي للحد من الأسلحة النووية.

وقال محللان في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه بعد مرور نحو 80 عاماً على قصف هيروشيما وناغازاكي، لا يزال المجتمع الدولي يواجه التداعيات الاستراتيجية والسياسية والأخلاقية لسباقات التسلح النووي.

وقد حددت المنافسة الثنائية خلال الحرب الباردة الديناميكيات النووية العالمية، ولكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً؛ حيث يشمل دولاً متعددة تمتلك أسلحة نووية، وتقنيات ناشئة، وتحالفات جيوسياسية متغيرة.

فما دوافع سباقات التسلح النووي المعاصرة؟ وما المخاطر التي تشكلها هذه المنافسات؟ وما المسارات المحتملة نحو الاستقرار في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد؟

تطور سباقات التسلح النووي

خلال الحرب الباردة، انخرطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في إنتاج واسع النطاق للأسلحة النووية، مدفوعَين بنظرية الردع والتنافس الآيديولوجي والمخاوف من الضعف. وأدى انتهاء الحرب الباردة إلى تخفيف حدة التوترات، ولكنه لم يقضِ على الأسلحة النووية. وبدلاً من ذلك، تطور النظام العالمي إلى بيئة متعددة الأقطاب تضم 9 دول نووية، لكل منها ثقافتها الاستراتيجية واهتماماتها الأمنية الخاصة.

وعلى الرغم من أن غالبية دول الأمم المتحدة أيدت مبدأ نزع السلاح النووي، لم تتبنَّ أي من الدول التي تمتلك أسلحة نووية حالياً هذا المفهوم؛ بل ولم تتخذ أي خطوات ضئيلة في هذا الاتجاه.

وقال المحللان إن هناك عدة عوامل تدفع حالياً إلى تحديث الأسلحة النووية وسباقات التسلح المحتملة، وهي:

الابتكار التكنولوجي: تثير الأسلحة الفرط صوتية والقدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع الصاروخي، شكوكاً جديدة بشأن قدرة الترسانات النووية على البقاء. وهناك مصدر آخر لعدم الاستقرار المحتمل، وهو الفاعلية المتزايدة للأسلحة التقليدية في توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى بقدرات تدميرية، والتي قد تستدعي رداً نووياً. بالإضافة إلى ذلك، تقلص أنظمة المعلومات والتصنيع الحديثة، مقارنة بأنظمة الأجيال السابقة، والمدة الزمنية بين الفكرة وإنتاج النموذج الأولي وبين النموذج الأولي والإنتاج الضخم.

التنافس الإقليمي

يهدد التنافس العسكري الإقليمي بين الهند وباكستان، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، والصين والهند، وبين الصين وكوريا الشمالية، واليابان والولايات المتحدة، بتصعيد الحرب التقليدية إلى استخدام للأسلحة النووية؛ بل وحتى من دون تجاوز العتبة النووية، ويفاقم التوترات النووية الإقليمية والعالمية.

تآكل الحد من التسلح: أدى الانسحاب من اتفاقيات الحد من التسلح النووي -مثل معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى- إلى جانب إضعاف اتفاقية «ستارت» الجديدة التي تكاد تنتهي، إلى خلق حالة من الفوضى في مجال الحد من التسلح، مما يتسبب في انعدام الثقة التنافسي بين القوى النووية، وزيادة عدم اليقين بشأن تفكيرها الاستراتيجي النووي.

المنافسة بين القوى العظمى: أسفر وصول الصين شبه الحتمي كقوة نووية عظمى ثالثة عن ظهور محور إضافي من عدم اليقين، مقارنة بالتنافس الثنائي خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وتعد مشاركة الصين في صيغة ثلاثية لتبادل التفكير الاستراتيجي بشأن الأسلحة النووية والحد من التسلح ضرورة حتمية، وإن كانت صعبة للغاية، بالنسبة للدول الثلاث وقادتها العسكريين.

مخاطر وعواقب تجدد سباقات التسلح

عدم الاستقرار الاستراتيجي: مع سعي الدول لامتلاك ترسانات أكثر تطوراً وتنوعاً، يزداد خطر حدوث سوء تقدير. ويمكن أن تؤدي التقنيات التي تقلص وقت صنع القرار -مثل المركبات الانزلاقية فائقة السرعة، وأنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي- إلى زيادة احتمالية الاستخدام النووي العرضي أو الاستباقي.

مسارات التصعيد الإقليمي

في جنوب آسيا، تتسبب فترات إطلاق الصواريخ القصيرة والعقائد الغامضة في تفاقم حدة الأزمة بين الهند وباكستان. وفي شبه الجزيرة الكورية، تشكل القدرات المتزايدة لكوريا الشمالية تحدياً لأطر الردع التقليدية. وفي أوروبا، يثير الموقف النووي الروسي وردود فعل حلف شمال الأطلسي (الناتو) شكوكاً جديدة تذكر بديناميكيات الحرب الباردة، ولكن مع وجود عدد أكبر من الجهات الفاعلة وقيود أقل.

التكاليف الاقتصادية وتكاليف الفرص البديلة: تتطلب برامج تحديث الأسلحة النووية استثمارات مالية ضخمة. لذلك، بالنسبة لكثير من الدول، فإن السعي وراء القدرات النووية يعكس مفاضلة بين الفوائد الأمنية المتوقعة والاحتياجات المجتمعية طويلة الأجل. حتى في إطار الاحتياجات الدفاعية، توجد مفاضلات مهمة بين أنظمة الأسلحة المفضلة ودعم البنية التحتية.

وعلى سبيل المثال، في حالة الولايات المتحدة، قد يكون هناك تنافس بين تكاليف تطوير ونشر نظام الدفاع الصاروخي المقترح «القبة الذهبية» وبين طلبات القوات المسلحة لتطوير أجيال جديدة من الأسلحة النووية الاستراتيجية الهجومية.

المخاوف المعيارية والأخلاقية: إن الاعتماد المستمر على الأسلحة النووية يثير تساؤلات أخلاقية عميقة؛ حيث ستكون العواقب الإنسانية لأي مواجهة نووية -سواء كانت متعمدة أو عرضية- عواقب كارثية. ويهدد التآكل المحتمل للمعايير المناهضة للتجارب النووية والتهديدات المتهورة بالاستخدام النووي الاستباقي عقوداً من التقدم نحو تجنب الأزمات النووية وإدارتها.

المسارات المستقبلية: التصعيد أم ضبط النفس؟

يتطلب تنشيط الحد من التسلح أساليب مبتكرة تعكس واقع تعدد الأقطاب اليوم. ويجب أن تشمل الخطوات المحتملة توسيع تدابير الشفافية بين الدول التي تمتلك الأسلحة النووية، ووضع اتفاقيات جديدة تتناول التقنيات الناشئة، وتعزيز قنوات الاتصال في الأزمات للحد من سوء التقدير.

واعتبر المحللان أن التطورات التقنية الكبيرة يمكن أن تقلب الآليات المفهومة لطمأنة الدول النووية إزاء مخاوف الهجوم النووي الاستباقي. ومع تداخل الذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية والأنظمة المستقلة مع القيادة والسيطرة النووية، ستحتاج الدول إلى معايير أو اتفاقيات جديدة لمنع الاستخدامات المزعزعة للاستقرار.

ويمكن أن يكون وضع تفاهمات مشتركة لـ«الخطوط الحمراء» في التفاعلات النووية السيبرانية نقطة انطلاق.

وفي المناطق التي تشهد توترات نووية حادة، قد تساعد الأطر الدبلوماسية المصممة خصيصاً على تقليص المخاطر. وستساهم تدابير بناء الثقة في جنوب آسيا، وتجديد الحوار بشأن شبه الجزيرة الكورية، والمناقشات الأمنية الأوروبية، في تحقيق الاستقرار. كما أن احتواء نمو الأعداد والقدرة الفتاكة للأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية، في سياق الحفاظ على الردع والأمن الإقليميين، يعد أمراً له أهمية فورية.

ولا تزال المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والهيئات الدولية تلعب دوراً حيوياً في تشكيل الخطاب العام، وإجراء البحوث، والدعوة إلى تدابير الحد من المخاطر. وقد يكون تأثيرها بالغ الأهمية في ظل ما تواجهه القنوات الدبلوماسية الرسمية من عقبات سياسية.

ومن بين هذه التحديات: النقص النسبي في الدراسات المتعلقة بالردع النووي والحد من التسلح في أقسام البحوث بالجامعات حالياً، مقارنة بفترات الحرب الباردة وما بعدها مباشرة.

واختتم الخبيران تحليلهما بالقول إن سباقات التسلح النووي ليست من الماضي، وليست موضوعاً غامضاً، وإنما هي موجودة في كل مكان من خلال التغير التكنولوجي والمنافسة الجيوسياسية، وهياكل القوة العالمية المتغيرة.

وسوف يعتمد مستقبل الاستقرار النووي على الخيارات التي تتخذها الدول اليوم، سواء أكانت السعي وراء منافسة غير مقيدة، أم الاستثمار في أطر تعاونية تحد من المخاطر وتعزز الأمن على المدى الطويل. وفي حين أن التحديات هائلة، فإن الفرص المتاحة للدبلوماسية المبتكرة والحوكمة التكنولوجية والالتزام المتجدد بالحد من التسلح، تقدم مسارات نحو مستقبل أكثر أماناً.


رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».