السبسي يتعهد بطي صفحة الماضي والحفاظ على حرية الصحافة في تونس

المرزوقي يقر بهزيمته في الاقتراع «الحر» ويعد بتأسيس حزب هدفه منع عودة الاستبداد

تونسيون مؤيدون للسبسي يحتفلون بعد إعلان فوزه بالرئاسة في العاصمة التونسية مساء أول من أمس (إ.ب.أ)
تونسيون مؤيدون للسبسي يحتفلون بعد إعلان فوزه بالرئاسة في العاصمة التونسية مساء أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

السبسي يتعهد بطي صفحة الماضي والحفاظ على حرية الصحافة في تونس

تونسيون مؤيدون للسبسي يحتفلون بعد إعلان فوزه بالرئاسة في العاصمة التونسية مساء أول من أمس (إ.ب.أ)
تونسيون مؤيدون للسبسي يحتفلون بعد إعلان فوزه بالرئاسة في العاصمة التونسية مساء أول من أمس (إ.ب.أ)

تعهد الرئيس التونسي المنتخب الباجي قائد السبسي بطي صفحة الماضي والحفاظ على حرية الصحافة الوليدة في البلاد، في الوقت الذي أقر منافسه محمد المنصف المرزوقي بهزيمته في الاقتراع «الحرب» وأكد عزمه تأسيس حركة جديدة هدفها «منع عودة الاستبداد».
وفاز قائد السبسي، (88 عاما)، مؤسس ورئيس حزب «نداء تونس»، بالدورة الثانية للانتخابات على منافسه الرئيس المنتهية ولايته محمد المنصف المرزوقي (69 عاما). وحصل قائد السبسي على 55.68 في المائة من الأصوات، بينما حاز المرزوقي على 44.32 في المائة، وفق النتائج الرسمية «الأولية» التي أعلنتها الهيئة المكلفة تنظيم الانتخابات العامة.
وفي أول تصريح له إثر إعلان فوزه بالانتخابات، قال قائد السبسي في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي في ساعة متأخرة أول من أمس: «لا رجوع إلى هذا (الاستبداد). هذا لن يعود، بل أنا مع طي صفحة الماضي تماما». وكان الرئيس المنتخب يجيب عن سؤال «ما الضمانات التي يمكن أن تقدمها كرئيس للجمهورية للناس الخائفين من عودة الاستبداد؟». وتعهد السبسي بالحفاظ على حرية الصحافة التي قال إنها «مكسب من مكاسب الثورة ولا رجوع عنها». كما تعهد بعدم رفع أي قضية ضد أي صحافي، قائلا: «هذا عندي فيه التزام كتابي». وقال السبسي للتلفزيون التونسي: «عندي توصية للصحافيين بأن يكونوا حرفيين، يعني الصحافة حرة، لكن لا (يجب أن) تسمح لنفسها بكل شيء، هناك ضوابط، نحن نحترم الصحافة التي تحترم نفسها». ونفى الرئيس المنتخب عن نفسه اتهامات بأنه كان جزءا من منظومة الاستبداد في عهدي بورقيبة وبن علي. وقال: «خرجت من الحكم عندما كنت في أوج المسؤولية. كنت سفيرا في باريس واستقلت لأني مع التمشي (النهج) الديمقراطي. وقد طردت من حزبي (الحزب الحاكم في عهد بورقيبة) لأني قدمت جملة تقول: الحزب الذي لا يطبق الديمقراطية داخل صفوفه ليس له مصداقية إذا ادعى أنه سيطبقها في مستوى البلاد». وأضاف قائد السبسي أنه عمل رئيسا للبرلمان «لمدة سنة» واحدة في عهد زين العابدين بن علي، ثم «غادر (منصبه) عن طيب خاطر» بسبب إخلال بن علي بتعهد مكتوب بإحلال الديمقراطية نشره يوم وصوله إلى الحكم في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
أما المرزوقي، فأعلن عبر كلمة له من شرفة مقر حملته الانتخابية بالعاصمة التونسية أمس عزمه «تأسيس حركة شعب المواطنين». وقال: «نحن في مفترق الطرق من جديد»، وذلك بعد 4 سنوات من الثورة على نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وتابع المرزوقي أنه لذلك جاءت «ضرورة تشكيل هذا الحراك، ضرورة تشكيل حراك (شعب المواطنين)، أولا لمنع عودة الاستبداد لأنه هناك في هؤلاء الناس للأسف الشديد متطرفون ومستبدون يريدون العودة بتونس إلى المربع القديم، وهو ما يمكن أن يشكل خطرا على استقرار البلاد».
وشدد المرزوقي أمام أنصاره الذين هتفوا «الشعب يريد ثورة من جديد»، على أنه «لا المال الفاسد ولا الإعلام المغرض يمكنه أن يغير مجرى التاريخ». وأضاف: «عليكم أن تتجمعوا في كل مكان بشكل سلمي وبطريقة ديمقراطية لتكونوا القوة التي تصد الاستبداد وتخيفه وتمنعه من محاولة التسلل والعودة من النافذة بعد أن طردناه من الباب». كما دعا إلى وحدة «الديمقراطيين الذين جعلوا قضيتهم الدفاع عن الحريات والحقوق والكرامة وليس الطابع السطحي الذين يسمونه حداثة المرتبط بكراهية الهوية العربية الإسلامية» ضمن هذه الحركة. وأقر المرزوقي بأن الانتخابات الرئاسية كانت «حرة»، لكنه قال إنها شابتها «الكثير من الخروقات». بيد أنه دعا رغم ذلك إلى الهدوء وأكد الحفاظ على «الوحدة الوطنية» و«السلم المجتمعي».
وخلال الحملة الانتخابية، قدم المرزوقي، وهو حقوقي ومعارض سابق لنظامي بورقيبة وبن علي، نفسه كضمانة للحريات التي اكتسبها التونسيون بعد الثورة التي أطاحت بنظام بن علي يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011. وقد حذر المرزوقي من عودة التضييق على الحريات، وخصوصا حرية الصحافة، إن فاز الباجي قائد السبسي بالانتخابات الرئاسية.
وأشادت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات التونسية، أمس، بعملية الاقتراع التي جرت يوم الأحد الماضي وبـ«الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» التي نظمتها. وقالت البعثة في بيان، إن «تونس تنتخب رئيسها لأول مرة خلال انتخابات شفافة وذات مصداقية وتختتم طورا انتخابيا مطابقا للمعايير الانتخابية». وأوردت بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي في بيانها، أن «القنوات التلفزيونية الخاصة (في تونس) فضّلت بشكل جلي المرشح (قائد) السبسي من حيث الوقت المخصص للحديث المباشر، وذلك على حساب الرئيس المرزوقي» الذي كان اشتكى من هذا الأمر خلال الحملة الانتخابية.
يذكر أن الباجي قائد السبسي تولى عدة وزارات مهمة كـ«الداخلية» و«الدفاع» و«الخارجية» في عهد بورقيبة، كما تولى رئاسة البرلمان بين 1990 و1991 في عهد بن علي. وأعطى الدستور التونسي الجديد الذي تم التصديق عليه مطلع عام 2014 صلاحيات واسعة للبرلمان ورئاسة الحكومة مقابل صلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية، وذلك خشية من عودة استبداد الرئيس.
وفاز «نداء تونس» الذي أسسه قائد السبسي في 2012 لمواجهة حركة «النهضة» التي حكمت تونس من نهاية 2011 وحتى مطلع 2014، بالانتخابات التشريعية التي جرت يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فيما حلت حركة النهضة ثانية. ويضم «نداء تونس» يساريين ونقابيين ومنتمين سابقين إلى حزب «التجمع» الحاكم في عهد بن علي الذي تم حله في 2011 بقرار قضائي بسبب تورطه في الفساد والاستبداد في عهد الرئيس المخلوع. وأضاف قائد السبسي أن «هياكل» حزبه الذي يملك أكثرية المقاعد في البرلمان (86 مقعدا من إجمالي 217) ستجتمع «خلال يومين» لبحث تشكيل الحكومة الجديدة.
ولا يملك «نداء تونس» «الأغلبية المطلقة» (109 مقاعد) التي تؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده، لذلك يتعين عليه الدخول في تحالف مع أحزاب ممثلة في البرلمان لبلوغ الأغلبية المطلوبة. وقال قائد السبسي، إن رئيس الحكومة المنتظرة «لا يمكن أن يكون وزيرا من وزراء بن علي السابقين» كما ذهبت إليه، في وقت سابق، وسائل إعلام محلية. وأضاف أنه سيستقيل من رئاسة حزب نداء تونس، لكنه «لا ينسحب» من الحزب.
وأجمعت أغلب الصحف التونسية الصادرة أمس على أن «تحديات كبيرة» في انتظار الرئيس والحكومة المقبلة. ولخصت يومية «لابرس» الصادرة بالفرنسية هذه التحديات في «المديونية الكبيرة، والنمو الاقتصادي الضعيف، والبطالة المرتفعة، والقدرة التنافسية (الاقتصادية) المتدهورة، والأمن المهدد بشكل كبير». ومنذ الإطاحة بنظام بن علي في 2011 تواجه تونس خطر صعود مجموعات متشددة دينيا، قالت السلطات إنها خططت لإقامة «أول إمارة في شمال أفريقيا» بتونس. وخلال 4 سنوات، قتل أكثر من 60 من عناصر الأمن والجيش، واغتيل اثنان من قادة المعارضة العلمانية في 2013 في هجمات نسبتها السلطات إلى هذه المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وتباينت ردود فعل التونسيين بعد إعلان النتائج الأولية، وركز الكثير منهم على موضوع الحريات. وقال المهندس نجد بن حمزة، (34 عاما)، تعليقا على فوز السبسي: «يالهذه الخيبة!»، مستنكرا «ذاكرة التونسيين القصيرة». وأضاف متسائلا: «أليس الباجي وزير داخلية بورقيبة؟ أليس هو من دعم بن علي؟ هل تتوج ثورة الشباب، بعد 4 سنوات، باختيار رجل عمره 88 عاما؟». وتابع: «قدم التونسيون التضحيات ليصبح في آخر المطاف، أحد الفلول رجل المرحلة المقبلة»، في إشارة إلى مقتل أكثر من 300 تونسي برصاص الشرطة التي قمعت احتجاجات عارمة سبقت الإطاحة بنظام بن علي. أما المدرس علي الطرودي (39 عاما)، فقال: «أخشى فعلا على الحريات، خصوصا أن الحزب السياسي (نداء تونس) نفسه سيهيمن على كل السلطات». وأضاف الطرودي: «في خطب الباجي، نسمعه يتحدث عن مكافحة الإرهاب، وهيبة الدولة. أنا أخشى فعلا أن تقع العودة باسم هذه القضايا إلى الممارسات القمعية» التي كانت سائدة في عهد بن علي.
وخلال اليومين الأخيرين، جرت اشتباكات في ولايتي تطاوين وقابس (جنوب) بين الشرطة وأنصار المرزوقي المحتجين على نتائج الانتخابات. وأكد علي الطرودي أنه لا يحمل أفكار المرزوقي، لكن بما أن هذا «الديمقراطي حتى النخاع دافع عن حريتي، فقد أصبح في نظري الشخص الأنسب للفترة المقبلة، والوحيد القادر على تجميع (التونسيين) مهما كانت اختلافاتهم الثقافية أو السياسية أو حتى الدينية».
ومع بدء ظهور النتائج الأولية للانتخابات، توالت ردود الفعل العربية والدولية المرحبة في أغلبها بالاقتراع التاريخي في تونس. فعربيا، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالا بالرئيس التونسي المنتخب وهنأه على ثقة التونسيين فيه. وأفادت وكالة الأنباء الألمانية أن السيسي قال: إن «تصويت الناخبين يعكس الثقة التي يتمتع بها السبسي، وكذلك ثقتهم في قيادته الناجحة لتونس خلال المرحلة القادمة، وقدرته على مواصلة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة». كما وجه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني رسالة تهنئة إلى السبسي بمناسبة انتخابه، وأكد له حرص الأردن على «المضي قدما في تعزيز علاقات التعاون الثنائي مع تونس في الميادين كافة، والارتقاء بها إلى مجالات أوسع، بما يحقق المصالح المشتركة، ويجسد العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين».
بدورها، هنأت دمشق أمس تونس بانتخاب رئيس جديد للبلاد، معتبرة أن الشعب التونسي «حدد خياراته بوضوح» باختياره الباحي قائد السبسي. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن مصدر في الخارجية السورية قوله: إن «الجمهورية العربية السورية تعرب عن خالص التهاني لتونس الشقيقة رئيسا وحكومة وشعبا على نجاح استحقاق الانتخابات الرئاسية والتي حدد فيها الشعب التونسي خياراته بكل وضوح». وأضاف أن «سوريا التي تشهد منذ مطلع عام 2011 نزاعا داميا قتل فيه أكثر من 200 ألف شخص تأمل بأن تشكل هذه الانتخابات خطوة مهمة نحو توطيد الاستقرار وتحقيق الرخاء للشعب التونسي الشقيق واستعادة تونس دورها الفاعل في خدمة القضايا الوطنية والقومية». وهنأت دول عربية أخرى كثيرة السبسي بانتخابه رئيسا جديدا لتونس.
وإقليميا، رحبت إيران «بتعزيز العملية الديمقراطية» في تونس بعد فوز السبسي في أول انتخابات رئاسية في تاريخ البلاد. وقالت الناطقة باسم الخارجية الإيرانية مرضية أفخم في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام إن «نجاح هذه الانتخابات هو أهم إنجاز للثورة التونسية». كما أعربت وزارة الخارجية التركية عن ترحيبها بإجراء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التونسية بشكل متوافق مع المعايير الديمقراطية. واعتبر بيان للوزارة، أن تجلي إرادة الشعب التونسي مرة أخرى من خلال إجراء انتخابات حرة ونزيهة، يعد تطورا يشكل طريقا لمستقبل تونس مليئا بالأمن والاستقرار والرفاهية، ونموذجا للمنطقة بأسرها، بحسب وكالة الأناضول للأنباء التركية. وأشار البيان إلى أن مراقبة الانتخابات من قبل لجنة دولية، يعتبر تطورا إيجابيا، مضيفا «نحن واثقون بانتهاء مرحلة هذا التحول الديمقراطي في تونس بنجاح، بعد الانتخابات الرئاسية، وتشكيل الحكومة». وقال البيان: إن «تركيا ستواصل تعزيز التعاون في كل المجالات مع تونس الشقيقة والصديقة، ونبارك للشعب التونسي الذي توجه إلى صناديق الاقتراع بنضج ديمقراطي في الانتخابات الرئاسية كما في الانتخابات العامة».
ودوليا، هنأ الرئيس الأميركي باراك أوباما الرئيس المنتخب التونسي، وأشاد بالاقتراع الرئاسي الذي وصفه بأنه «خطوة مهمة صوب استكمال انتقال تونس إلى الديمقراطية». كما هنأ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الرئيس التونسي المنتخب السبسي وتمنى له «النجاح الكامل في مهمته في خدمة الشعب التونسي» الذي أشاد «بحس المسؤولية لديه». وقالت الرئاسة الفرنسية في بيان إن «رئيس الجمهورية يهنئ بحرارة السيد الباجي قائد السبسي على انتخابه رئيسا للجمهورية. ويتمنى له النجاح الكامل في مهمته في خدمة الشعب التونسي. كما أشاد هولاند «بتصميم وحس المسؤولية وروح التوافق التي أظهرها الشعب التونسي وممثلوه لإنجاح الانتقال الديمقراطي في إطار احترام طموحات ثورة 2011». وأضاف البيان أن «هولاند يعبر مجددا عن تمسكه بالصداقة الفرنسية التونسية ويؤكد رغبة فرنسا في التعاون مع تونس في المجالات كافة».
من جهتها، قالت مسؤولة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني في رسالة تهنئة للرئيس التونسي المنتخب السبسي: إن «الاتحاد الأوروبي متمسك بالعمل مع السلطات التونسية الجديدة لدعم العملية الديمقراطية». وقالت موغيريني: «إن الاتحاد الأوروبي لا يزال متمسكا بالعمل مع السلطات التونسية الجديدة ومع جميع مستويات المجتمع». وأضافت أن «الهدف هو النهوض بالعملية الديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.