السبسي يتعهد بطي صفحة الماضي والحفاظ على حرية الصحافة في تونس

المرزوقي يقر بهزيمته في الاقتراع «الحر» ويعد بتأسيس حزب هدفه منع عودة الاستبداد

تونسيون مؤيدون للسبسي يحتفلون بعد إعلان فوزه بالرئاسة في العاصمة التونسية مساء أول من أمس (إ.ب.أ)
تونسيون مؤيدون للسبسي يحتفلون بعد إعلان فوزه بالرئاسة في العاصمة التونسية مساء أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

السبسي يتعهد بطي صفحة الماضي والحفاظ على حرية الصحافة في تونس

تونسيون مؤيدون للسبسي يحتفلون بعد إعلان فوزه بالرئاسة في العاصمة التونسية مساء أول من أمس (إ.ب.أ)
تونسيون مؤيدون للسبسي يحتفلون بعد إعلان فوزه بالرئاسة في العاصمة التونسية مساء أول من أمس (إ.ب.أ)

تعهد الرئيس التونسي المنتخب الباجي قائد السبسي بطي صفحة الماضي والحفاظ على حرية الصحافة الوليدة في البلاد، في الوقت الذي أقر منافسه محمد المنصف المرزوقي بهزيمته في الاقتراع «الحرب» وأكد عزمه تأسيس حركة جديدة هدفها «منع عودة الاستبداد».
وفاز قائد السبسي، (88 عاما)، مؤسس ورئيس حزب «نداء تونس»، بالدورة الثانية للانتخابات على منافسه الرئيس المنتهية ولايته محمد المنصف المرزوقي (69 عاما). وحصل قائد السبسي على 55.68 في المائة من الأصوات، بينما حاز المرزوقي على 44.32 في المائة، وفق النتائج الرسمية «الأولية» التي أعلنتها الهيئة المكلفة تنظيم الانتخابات العامة.
وفي أول تصريح له إثر إعلان فوزه بالانتخابات، قال قائد السبسي في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي في ساعة متأخرة أول من أمس: «لا رجوع إلى هذا (الاستبداد). هذا لن يعود، بل أنا مع طي صفحة الماضي تماما». وكان الرئيس المنتخب يجيب عن سؤال «ما الضمانات التي يمكن أن تقدمها كرئيس للجمهورية للناس الخائفين من عودة الاستبداد؟». وتعهد السبسي بالحفاظ على حرية الصحافة التي قال إنها «مكسب من مكاسب الثورة ولا رجوع عنها». كما تعهد بعدم رفع أي قضية ضد أي صحافي، قائلا: «هذا عندي فيه التزام كتابي». وقال السبسي للتلفزيون التونسي: «عندي توصية للصحافيين بأن يكونوا حرفيين، يعني الصحافة حرة، لكن لا (يجب أن) تسمح لنفسها بكل شيء، هناك ضوابط، نحن نحترم الصحافة التي تحترم نفسها». ونفى الرئيس المنتخب عن نفسه اتهامات بأنه كان جزءا من منظومة الاستبداد في عهدي بورقيبة وبن علي. وقال: «خرجت من الحكم عندما كنت في أوج المسؤولية. كنت سفيرا في باريس واستقلت لأني مع التمشي (النهج) الديمقراطي. وقد طردت من حزبي (الحزب الحاكم في عهد بورقيبة) لأني قدمت جملة تقول: الحزب الذي لا يطبق الديمقراطية داخل صفوفه ليس له مصداقية إذا ادعى أنه سيطبقها في مستوى البلاد». وأضاف قائد السبسي أنه عمل رئيسا للبرلمان «لمدة سنة» واحدة في عهد زين العابدين بن علي، ثم «غادر (منصبه) عن طيب خاطر» بسبب إخلال بن علي بتعهد مكتوب بإحلال الديمقراطية نشره يوم وصوله إلى الحكم في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
أما المرزوقي، فأعلن عبر كلمة له من شرفة مقر حملته الانتخابية بالعاصمة التونسية أمس عزمه «تأسيس حركة شعب المواطنين». وقال: «نحن في مفترق الطرق من جديد»، وذلك بعد 4 سنوات من الثورة على نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وتابع المرزوقي أنه لذلك جاءت «ضرورة تشكيل هذا الحراك، ضرورة تشكيل حراك (شعب المواطنين)، أولا لمنع عودة الاستبداد لأنه هناك في هؤلاء الناس للأسف الشديد متطرفون ومستبدون يريدون العودة بتونس إلى المربع القديم، وهو ما يمكن أن يشكل خطرا على استقرار البلاد».
وشدد المرزوقي أمام أنصاره الذين هتفوا «الشعب يريد ثورة من جديد»، على أنه «لا المال الفاسد ولا الإعلام المغرض يمكنه أن يغير مجرى التاريخ». وأضاف: «عليكم أن تتجمعوا في كل مكان بشكل سلمي وبطريقة ديمقراطية لتكونوا القوة التي تصد الاستبداد وتخيفه وتمنعه من محاولة التسلل والعودة من النافذة بعد أن طردناه من الباب». كما دعا إلى وحدة «الديمقراطيين الذين جعلوا قضيتهم الدفاع عن الحريات والحقوق والكرامة وليس الطابع السطحي الذين يسمونه حداثة المرتبط بكراهية الهوية العربية الإسلامية» ضمن هذه الحركة. وأقر المرزوقي بأن الانتخابات الرئاسية كانت «حرة»، لكنه قال إنها شابتها «الكثير من الخروقات». بيد أنه دعا رغم ذلك إلى الهدوء وأكد الحفاظ على «الوحدة الوطنية» و«السلم المجتمعي».
وخلال الحملة الانتخابية، قدم المرزوقي، وهو حقوقي ومعارض سابق لنظامي بورقيبة وبن علي، نفسه كضمانة للحريات التي اكتسبها التونسيون بعد الثورة التي أطاحت بنظام بن علي يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011. وقد حذر المرزوقي من عودة التضييق على الحريات، وخصوصا حرية الصحافة، إن فاز الباجي قائد السبسي بالانتخابات الرئاسية.
وأشادت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات التونسية، أمس، بعملية الاقتراع التي جرت يوم الأحد الماضي وبـ«الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» التي نظمتها. وقالت البعثة في بيان، إن «تونس تنتخب رئيسها لأول مرة خلال انتخابات شفافة وذات مصداقية وتختتم طورا انتخابيا مطابقا للمعايير الانتخابية». وأوردت بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي في بيانها، أن «القنوات التلفزيونية الخاصة (في تونس) فضّلت بشكل جلي المرشح (قائد) السبسي من حيث الوقت المخصص للحديث المباشر، وذلك على حساب الرئيس المرزوقي» الذي كان اشتكى من هذا الأمر خلال الحملة الانتخابية.
يذكر أن الباجي قائد السبسي تولى عدة وزارات مهمة كـ«الداخلية» و«الدفاع» و«الخارجية» في عهد بورقيبة، كما تولى رئاسة البرلمان بين 1990 و1991 في عهد بن علي. وأعطى الدستور التونسي الجديد الذي تم التصديق عليه مطلع عام 2014 صلاحيات واسعة للبرلمان ورئاسة الحكومة مقابل صلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية، وذلك خشية من عودة استبداد الرئيس.
وفاز «نداء تونس» الذي أسسه قائد السبسي في 2012 لمواجهة حركة «النهضة» التي حكمت تونس من نهاية 2011 وحتى مطلع 2014، بالانتخابات التشريعية التي جرت يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فيما حلت حركة النهضة ثانية. ويضم «نداء تونس» يساريين ونقابيين ومنتمين سابقين إلى حزب «التجمع» الحاكم في عهد بن علي الذي تم حله في 2011 بقرار قضائي بسبب تورطه في الفساد والاستبداد في عهد الرئيس المخلوع. وأضاف قائد السبسي أن «هياكل» حزبه الذي يملك أكثرية المقاعد في البرلمان (86 مقعدا من إجمالي 217) ستجتمع «خلال يومين» لبحث تشكيل الحكومة الجديدة.
ولا يملك «نداء تونس» «الأغلبية المطلقة» (109 مقاعد) التي تؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده، لذلك يتعين عليه الدخول في تحالف مع أحزاب ممثلة في البرلمان لبلوغ الأغلبية المطلوبة. وقال قائد السبسي، إن رئيس الحكومة المنتظرة «لا يمكن أن يكون وزيرا من وزراء بن علي السابقين» كما ذهبت إليه، في وقت سابق، وسائل إعلام محلية. وأضاف أنه سيستقيل من رئاسة حزب نداء تونس، لكنه «لا ينسحب» من الحزب.
وأجمعت أغلب الصحف التونسية الصادرة أمس على أن «تحديات كبيرة» في انتظار الرئيس والحكومة المقبلة. ولخصت يومية «لابرس» الصادرة بالفرنسية هذه التحديات في «المديونية الكبيرة، والنمو الاقتصادي الضعيف، والبطالة المرتفعة، والقدرة التنافسية (الاقتصادية) المتدهورة، والأمن المهدد بشكل كبير». ومنذ الإطاحة بنظام بن علي في 2011 تواجه تونس خطر صعود مجموعات متشددة دينيا، قالت السلطات إنها خططت لإقامة «أول إمارة في شمال أفريقيا» بتونس. وخلال 4 سنوات، قتل أكثر من 60 من عناصر الأمن والجيش، واغتيل اثنان من قادة المعارضة العلمانية في 2013 في هجمات نسبتها السلطات إلى هذه المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وتباينت ردود فعل التونسيين بعد إعلان النتائج الأولية، وركز الكثير منهم على موضوع الحريات. وقال المهندس نجد بن حمزة، (34 عاما)، تعليقا على فوز السبسي: «يالهذه الخيبة!»، مستنكرا «ذاكرة التونسيين القصيرة». وأضاف متسائلا: «أليس الباجي وزير داخلية بورقيبة؟ أليس هو من دعم بن علي؟ هل تتوج ثورة الشباب، بعد 4 سنوات، باختيار رجل عمره 88 عاما؟». وتابع: «قدم التونسيون التضحيات ليصبح في آخر المطاف، أحد الفلول رجل المرحلة المقبلة»، في إشارة إلى مقتل أكثر من 300 تونسي برصاص الشرطة التي قمعت احتجاجات عارمة سبقت الإطاحة بنظام بن علي. أما المدرس علي الطرودي (39 عاما)، فقال: «أخشى فعلا على الحريات، خصوصا أن الحزب السياسي (نداء تونس) نفسه سيهيمن على كل السلطات». وأضاف الطرودي: «في خطب الباجي، نسمعه يتحدث عن مكافحة الإرهاب، وهيبة الدولة. أنا أخشى فعلا أن تقع العودة باسم هذه القضايا إلى الممارسات القمعية» التي كانت سائدة في عهد بن علي.
وخلال اليومين الأخيرين، جرت اشتباكات في ولايتي تطاوين وقابس (جنوب) بين الشرطة وأنصار المرزوقي المحتجين على نتائج الانتخابات. وأكد علي الطرودي أنه لا يحمل أفكار المرزوقي، لكن بما أن هذا «الديمقراطي حتى النخاع دافع عن حريتي، فقد أصبح في نظري الشخص الأنسب للفترة المقبلة، والوحيد القادر على تجميع (التونسيين) مهما كانت اختلافاتهم الثقافية أو السياسية أو حتى الدينية».
ومع بدء ظهور النتائج الأولية للانتخابات، توالت ردود الفعل العربية والدولية المرحبة في أغلبها بالاقتراع التاريخي في تونس. فعربيا، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالا بالرئيس التونسي المنتخب وهنأه على ثقة التونسيين فيه. وأفادت وكالة الأنباء الألمانية أن السيسي قال: إن «تصويت الناخبين يعكس الثقة التي يتمتع بها السبسي، وكذلك ثقتهم في قيادته الناجحة لتونس خلال المرحلة القادمة، وقدرته على مواصلة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة». كما وجه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني رسالة تهنئة إلى السبسي بمناسبة انتخابه، وأكد له حرص الأردن على «المضي قدما في تعزيز علاقات التعاون الثنائي مع تونس في الميادين كافة، والارتقاء بها إلى مجالات أوسع، بما يحقق المصالح المشتركة، ويجسد العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين».
بدورها، هنأت دمشق أمس تونس بانتخاب رئيس جديد للبلاد، معتبرة أن الشعب التونسي «حدد خياراته بوضوح» باختياره الباحي قائد السبسي. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن مصدر في الخارجية السورية قوله: إن «الجمهورية العربية السورية تعرب عن خالص التهاني لتونس الشقيقة رئيسا وحكومة وشعبا على نجاح استحقاق الانتخابات الرئاسية والتي حدد فيها الشعب التونسي خياراته بكل وضوح». وأضاف أن «سوريا التي تشهد منذ مطلع عام 2011 نزاعا داميا قتل فيه أكثر من 200 ألف شخص تأمل بأن تشكل هذه الانتخابات خطوة مهمة نحو توطيد الاستقرار وتحقيق الرخاء للشعب التونسي الشقيق واستعادة تونس دورها الفاعل في خدمة القضايا الوطنية والقومية». وهنأت دول عربية أخرى كثيرة السبسي بانتخابه رئيسا جديدا لتونس.
وإقليميا، رحبت إيران «بتعزيز العملية الديمقراطية» في تونس بعد فوز السبسي في أول انتخابات رئاسية في تاريخ البلاد. وقالت الناطقة باسم الخارجية الإيرانية مرضية أفخم في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام إن «نجاح هذه الانتخابات هو أهم إنجاز للثورة التونسية». كما أعربت وزارة الخارجية التركية عن ترحيبها بإجراء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التونسية بشكل متوافق مع المعايير الديمقراطية. واعتبر بيان للوزارة، أن تجلي إرادة الشعب التونسي مرة أخرى من خلال إجراء انتخابات حرة ونزيهة، يعد تطورا يشكل طريقا لمستقبل تونس مليئا بالأمن والاستقرار والرفاهية، ونموذجا للمنطقة بأسرها، بحسب وكالة الأناضول للأنباء التركية. وأشار البيان إلى أن مراقبة الانتخابات من قبل لجنة دولية، يعتبر تطورا إيجابيا، مضيفا «نحن واثقون بانتهاء مرحلة هذا التحول الديمقراطي في تونس بنجاح، بعد الانتخابات الرئاسية، وتشكيل الحكومة». وقال البيان: إن «تركيا ستواصل تعزيز التعاون في كل المجالات مع تونس الشقيقة والصديقة، ونبارك للشعب التونسي الذي توجه إلى صناديق الاقتراع بنضج ديمقراطي في الانتخابات الرئاسية كما في الانتخابات العامة».
ودوليا، هنأ الرئيس الأميركي باراك أوباما الرئيس المنتخب التونسي، وأشاد بالاقتراع الرئاسي الذي وصفه بأنه «خطوة مهمة صوب استكمال انتقال تونس إلى الديمقراطية». كما هنأ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الرئيس التونسي المنتخب السبسي وتمنى له «النجاح الكامل في مهمته في خدمة الشعب التونسي» الذي أشاد «بحس المسؤولية لديه». وقالت الرئاسة الفرنسية في بيان إن «رئيس الجمهورية يهنئ بحرارة السيد الباجي قائد السبسي على انتخابه رئيسا للجمهورية. ويتمنى له النجاح الكامل في مهمته في خدمة الشعب التونسي. كما أشاد هولاند «بتصميم وحس المسؤولية وروح التوافق التي أظهرها الشعب التونسي وممثلوه لإنجاح الانتقال الديمقراطي في إطار احترام طموحات ثورة 2011». وأضاف البيان أن «هولاند يعبر مجددا عن تمسكه بالصداقة الفرنسية التونسية ويؤكد رغبة فرنسا في التعاون مع تونس في المجالات كافة».
من جهتها، قالت مسؤولة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني في رسالة تهنئة للرئيس التونسي المنتخب السبسي: إن «الاتحاد الأوروبي متمسك بالعمل مع السلطات التونسية الجديدة لدعم العملية الديمقراطية». وقالت موغيريني: «إن الاتحاد الأوروبي لا يزال متمسكا بالعمل مع السلطات التونسية الجديدة ومع جميع مستويات المجتمع». وأضافت أن «الهدف هو النهوض بالعملية الديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.