استحداث إدارة حوثية للتحكم في تجارة المخدرات تحت مزاعم مكافحتها

دراسة يمنية: الممنوعات أحد أهم مصادر تمويل الجماعة الانقلابية

سفينة إيرانية ضبتها البحرية اليمنية محملة بالمخدرات قرب جزيرة سقطرى (إعلام حكومي يمني)
سفينة إيرانية ضبتها البحرية اليمنية محملة بالمخدرات قرب جزيرة سقطرى (إعلام حكومي يمني)
TT

استحداث إدارة حوثية للتحكم في تجارة المخدرات تحت مزاعم مكافحتها

سفينة إيرانية ضبتها البحرية اليمنية محملة بالمخدرات قرب جزيرة سقطرى (إعلام حكومي يمني)
سفينة إيرانية ضبتها البحرية اليمنية محملة بالمخدرات قرب جزيرة سقطرى (إعلام حكومي يمني)

بعد أقل من شهر واحد من ضبط آخر شحنة مخدرات متجهة إلى الحوثيين في اليمن، استحدثت الجماعة إدارة جديدة لمكافحة المخدرات، في مسعى للسيطرة على تنافس أجنحتها حول هذا المصدر المالي الضخم، الذي يعد أهم مصادر تمويل الجماعة، وفق ما أكدته دراسة يمنية حديثة.

وبالتزامن مع ذلك، ضبطت قوات البحرية الأميركية سفينةً مجهولة الهوية محملة بالمخدرات أثناء مرورها في خليج عُمان، دون أن تعلن عن الجهة التي تتبعها الشحنة المضبوطة منتصف الشهر الحالي، والمقدر ثمنها بـ21 مليون دولار، أو وجهتها.

ضبطت البحرية السعودية منتصف العام الماضي شحنة مخدرات في خليج عمان بقيمة 20 مليون دولار (إكس)

إلا أن هذه العملية ذكرت مجدداً بعشرات العمليات الشبيهة، التي ضبطت فيها البحرية الأميركية وحلفاؤها مخدرات إيرانية في طريقها إلى الجماعة الحوثية.

وتعود آخر مرة جرى فيها ضبط مخدرات إيرانية متجهة إلى الجماعة الحوثية إلى ما قبل ثلاثة أسابيع؛ حيث ألقت الأجهزة الأمنية في محافظة المهرة، على الحدود الشرقية للبلاد، القبض على خمسة من المهربين الإيرانيين، وبحوزتهم أربعة أطنان من المخدرات على متن زورق مخصص لأعمال التهريب.

واعترف البحّارة الإيرانيون بأن الكمية التي تم ضبطها بحوزتهم كانت لصالح الحوثيين في صنعاء، وأنه سيتم تسليمها لقيادات وعناصر ضمن خلية حوثية تنشط في المحافظة.

وبالتزامن مع هذه العملية، زعمت الجماعة الحوثية إحراق وإتلاف الكمية من مادة الحشيش المخدر في محافظة صعدة على الحدود الشمالية للبلاد، مدعية أنها ضبطتها قادمة من الأراضي السعودية، بعكس ما هو متعارف عليه من أن عمليات التهريب تستهدف السعودية.

وتثير الصور التي تنشرها جماعة الحوثي عن عمليات إتلاف وإحراق أطنان من المخدرات السخرية والتهكم في أوساط اليمنيين، حيث تظهر تلك الصور إحراق كميات محدودة جداً من العبوات التي يفترض احتواؤها على المخدرات المقدرة بالأطنان، أو إحراق نفايات المنازل بزعم أنها مخدرات.

وخلال العام الماضي فاق حجم تهريب المخدرات من إيران إلى الجماعة الحوثية المليار دولار، حسب مصادر أميركية تحدثت عن نقل مصانع للكبتاجون إلى مناطق سيطرة الجماعة، مقدرةً أن ما تتمكن القوات الأميركية وحلفاؤها من اعتراضه لا يتعدى نصف الكمية التي يتم تهريبها.

ثلاثة أطنان من المخدرات ضبطتها أجهزة الأمن اليمنية قبالة سواحل محافظة المهرة قبل عامين (فيسبوك)

ومنذ أسبوع كشفت دراسة يمنية متخصصة في الجريمة المنظمة أن تجارة المخدرات كانت مصدراً رئيساً لتمويل الجماعة الحوثية، منذ ما قبل الانقلاب، إلا أن تلك التجارة تضاعفت بعد الانقلاب، وبلغ حجم الإنفاق الكلي السنوي على المخدرات بين 153 مليوناً و284 مليون دولار، بنسبة تمثل 43 في المائة من نسبة الإنفاق الفردي العام.

وبينت دراسة جرائم المخدرات وارتباطها بالجرائم المالية أن الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة اليمنية ضبطتا أكثر من 351 طناً من الحشيش المخدر، إضافة إلى 21 مليون حبة مخدرة، ناهيك عن 159 كيلوغراماً من الشبو، و808 كيلوغرامات من الكوكايين، ومليون و352 ألفاً و495 أمبولة مخدرة، و444 كيلوغراماً من الهيروين المخدر، خلال الفترة ما بين 2015 و2022.

ولم تتعرض الدراسة إلى الكميات التي ضبطتها قوات البحرية الأميركية والبريطانية في الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب خلال السنوات الماضية، وهي بالعشرات.

ومنذ الانقلاب الحوثي تحولت البلاد إلى سوق مفتوحة للمخدرات، ومكب لكل الممنوعات والمحظورات، وأصبح البلد سوقاً رائجة للكثير من أنواع المنشطات والمخدرات التي انتشرت بشكل لافت وبطريقة غير معهودة، وباتت تباع علناً بصورة لم يسبق لليمن أن شهد مثلها.

القيادي عبد الكريم الحوثي خلال افتتاح إدارة جديدة تزعم الجماعة الحوثية تخصصها بمكافحة المخدرات (إعلام حوثي)

وقالت الدراسة إن الحرب التي أشعلتها الجماعة الحوثية في اليمن أسهمت بشكل كبير في انتعاش تجارة المخدرات بمختلف أنواعها، وارتباط ذلك بتمويل الجماعة كونها تدر مبالغ مالية كبيرة، ويجري إدخال كميات كبيرة من المواد المخدرة عن طريق التهريب لتسهم تدفقاتها المالية غير المشروعة في الجريمة والفساد وتشويه الاقتصاد.

ونبهت الدراسة إلى أن ارتفاع مستويات التفاوت في الدخل يشجع على الاتجار بالمخدرات والفساد، وقد تؤدي صناعة المخدرات إلى إدامة التفاوت في الدخل، وتفاقمه، وهو ما قد يتسبب بدوره في توسيع نطاق إنتاج المخدرات والاتجار بها.

وورد في تحقيقات لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي الخاصة باليمن، أن المخدرات أحد سبعة مصادر تحصلت من خلالها الجماعة الحوثية على الأموال لتمويل حروبها.

وأخيراً ذكرت مصادر في العاصمة صنعاء أن إنشاء إدارة حوثية جديدة لمكافحة المخدرات يأتي في سياق صراع الأجنحة والتنافس على هذا المورد المالي المهم، مشيرة إلى عدد من الحوادث التي كشفت عن تورط قيادات حوثية بتجارة المخدرات، وحدوث تنافس حولها.

المصادر أفادت لـ«الشرق الأوسط» بأن قرار إنشاء الإدارة الجديدة اتخذه عبد الكريم الحوثي المعين وزيراً لداخلية حكومة الجماعة الحوثية التي لا يعترف بها أحد، وهي الحكومة التي تحمل منذ أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي صفة حكومة تصريف الأعمال في انتظار أن يجري تشكيل حكومة جديدة ضمن ما يعرف بالتغييرات الجذرية التي وعد بها زعيم الجماعة.

تثير الصور المرفقة لإعلانات الجماعة الحوثية عن إتلاف المخدرات التهكم بسبب عدم مطابقتها للكميات المعلن عن إتلافها (إعلام حوثي)

وطبقاً للمصادر، فإن خلافاً كبيراً نشب خلال الأسابيع الماضية بين القياديين محمد علي الحوثي عضو ما يعرف بالمجلس السياسي الأعلى (مجلس حكم الانقلاب)، وأحمد حامد مدير مكتب رئيس المجلس ذاته، على خلفية صراع مشرفين حوثيين في محافظة الحديدة حول كمية كبيرة من المخدرات، وهو الصراع الذي جرت محاولات احتوائه من طرف الحوثي وحامد، كل على حدة، لينتقل الصراع إليهما.

ولا يزال الخلاف مستعراً بين الطرفين، حيث يرغب كل منهما في أن يتولى حل الخلاف بين المشرفين الذين يتصارعون حول كمية المخدرات ويتبادلون الاتهامات بالاستيلاء عليها وبيعها للمهربين، ويتنافس الحوثي وحامد على حل الخلاف من أجل الحصول على نسبة من مبلغ بيع المخدرات، والدخول شريكاً في أعمال التهريب والبيع مستقبلاً، طبقاً للمصادر.

وفي أواخر أغسطس (آب) الماضي اشتبكت قوتان تابعتان لقياديين من الجماعة الحوثية، شمال العاصمة صنعاء، بمختلف أنواع الأسلحة بعد مداهمة إحداهما، التي لم يعرف القيادي الذي تتبعه، منزلاً تستخدمه القوة الأخرى التابعة لعبد الله الرزامي، مخزناً للمخدرات.


مقالات ذات صلة

رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

العالم العربي مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)

رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

عمَّق الحوثيون الأزمة الاقتصادية في المناطق الخاضعة لهم، بإقرار زيادتين متتاليتين في الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات على الأسمنت المستورد.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي نازحة يمنية في تعز تغلي أوراق النباتات لإطعام عائلتها (أ.ف.ب)

تصعيد الحوثيين العسكري يعيد إنتاج أزمة النزوح في اليمن

بعد تفجير الوضع عسكريا، يعيد الحوثيون إنتاج النزوح في اليمن عبر موجات متفرقة؛ وسط مخاوف من تزايدها ونقص حاد في تمويل الاستجابة الإنسانية وضيق سبل العيش والإغاثة

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي مدفعية القوات المسلحة اليمنية تقصف مواقع الحوثيين في الساحل الغربي (إعلام عسكري)

«الرئاسي اليمني»: تدابير رادعة للحوثيين وملاحقة شبكات التهريب

رفع مجلس القيادة اليمني الجاهزية العسكرية والأمنية لمواجهة الحوثيين، بالتزامن مع تحركات ميدانية في تعز والحديدة، وخطة لملاحقة شبكات التهريب وتجفيف مصادر التمويل

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي أنصار نجل صالح يدفعون به لاستعادة إرث والده السياسي والحزبي (إكس)

نجل صالح يعيد التذكير بحضوره في المشهد اليمني سياسياً وحزبياً

دعا أحمد علي صالح إلى توحيد القوى اليمنية واستعادة الدولة والقرار الوطني، منتقداً إدارة الأزمة، ومطالباً بجبهة واسعة لمواجهة الحوثيين وحماية الجمهورية والوحدة.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (د.ب.أ)

اليمن يطالب بتجفيف مصادر تسليح الحوثيين

العليمي دعا إلى موقف دولي حازم تجاه إيران مطالباً بتجفيف مصادر تسليح الجماعة الحوثية ومساعدة اليمن على استعادة مؤسسات الدولية واحتكار السلاح 

«الشرق الأوسط» (عدن)

مصر ملتزمة بالسلام مع إسرائيل رغم «توترات التهجير»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر ملتزمة بالسلام مع إسرائيل رغم «توترات التهجير»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

تتبنى مصر موقفاً حذراً في علاقاتها مع إسرائيل، في ظل التهديدات المتكررة بتهجير الفلسطينيين، وهو ما ترفضه القاهرة وتصفه بأنه «خط أحمر»، وفي المقابل، تؤكد مصر تمسكها باتفاقية السلام الموقعة مع إسرائيل قبل عقود، وهو الالتزام الذي جدده مؤخراً وزير الخارجية بدر عبد العاطي.

وقال عبد العاطي في لقاء تلفزيوني مع شبكة «سكاي نيوز»، بثته مساء الثلاثاء، إن «مصر ملتزمة بمعاهدة السلام مع إسرائيل»، لكنه أكد أيضاً أن «مصر لن تسمح بأي محاولة لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء».

واعتبر وزير الخارجية المصري أن «سيناريو التهجير» يمثل أحد الخطوط الحمراء للدولة المصرية، لما يحمله من تداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية والأمن القومي المصري.

ووقّعت مصر وإسرائيل في مارس (آذار) 1979 معاهدة سلام برعاية أميركية، لكن خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ اندلاع «حرب غزة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تشهد العلاقات توترات عديدة واتهامات بعدم الالتزام بالاتفاقية في ظل أحاديث إسرائيلية متكررة عن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية.

خيار استراتيجي

ويرى سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، حازم خيرت، أن مصر ترى أن السلام خيار استراتيجي مع إسرائيل وغيرها من دول الجوار، بل إن القاهرة لديها موقف داعم لتهدئة التوترات وحل الصراعات، لكن في الوقت ذاته هناك خطوط حمراء لن يتم السماح بتجاوزها، في مقدمتها حماية الأراضي والمقدرات المصرية، وكذلك عدم تصفية القضية الفلسطينية.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «أي مناورات أو محاولات من جانب الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لتمرير هذا المخطط غير مقبولة بالنسبة لمصر»، مشيراً إلى أن مصر ليست وحدها من تحرص على السلام لكن إسرائيل أيضاً، رغم التصرفات التي تشير إلى عكس ذلك.

وتابع: «مصر تحافظ على شعرة للإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع إسرائيل، لكن في الوقت ذاته ستقف أمام محاولات إخلاء الأراضي الفلسطينية وفقاً لمخططات اليمين المتطرف».

مصريون في مظاهرة سابقة أمام معبر رفح رفضاً لتهجير الفلسطينيين (وكالة أنباء الشرق الأوسط)

وكشف عبد العاطي خلال حديثه الأخير عن امتلاك بلاده «قنوات اتصال متعددة مع الجانب الإسرائيلي، تشمل المستويين العسكري والسياسي، وأن القاهرة تنقل عبر هذه القنوات موقفها المبدئي والثابت من رفض أي محاولات للتهجير»، مضيفاً أن «مصر أبلغت موقفها الواضح بصورة مباشرة إلى الجانبين الإسرائيلي والأميركي، وأن جميع الأطراف تدرك الخطوط الحمراء المصرية في هذا الملف».

وتشي تصريحات وزير الخارجية المصري بوجود انتهاكات من جانب إسرائيل بشأن «معاهدة السلام»، وإن لم يُشر إلى طبيعتها، كما تؤكد أن «اللجنة المصرية - الإسرائيلية» التي تم تشكيلها بموجب الاتفاقية ما زالت قائمة وإن كانت تنعقد بصور مختلفة عما كانت عليه في السابق، حيث كانت تنعقد في «العريش» أو «بئر السبع»، وفق الخبير في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور طارق فهمي.

لكن فهمي أشار إلى نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين، خلال تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن إسرائيل تسعى لتعديل البرتوكول الأمني الخاص بـ«ممر صلاح الدين» (محور فيلادلفيا)، وغيرها من بنود المعاهدة وليس غريباً أن تتحدث جهات شبه حكومية عن هذا الأمر، متابعاً: «لكن تعديل المعاهدة ليس وارداً بالنسبة لمصر في الوقت الحالي، وهو أمر بحاجة إلى ترتيبات أمنية واستراتيجية، وهو ما يفسر حديث الوزير عن الالتزام بالمعاهدة».

ويرى أن عبد العاطي تحدث عن المحددات المصرية الثابتة في العلاقة مع إسرائيل، وتتمثل في الالتزام بالسلام ورفض التهجير.

حديث متكرر عن التهجير

ولا يتوقف الحديث الإسرائيلي عن التهجير، وفي معرض حديثه عن مصادقة حكومته على 264 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وجَّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حديثه إلى قادة المستوطنين قائلاً: «إنهم يمهدون لهجرة كبيرة مقبلة»، وفق بيان صادر عن مكتبه، الأربعاء.

وأضاف: «أنتم تُحققون رؤية أرض إسرائيل، وهذه أرضنا. اليوم، يُدرك العديد من إخواننا وأخواتنا في العالم أن هذه أرضنا»، وفق مزاعمه.

وفي مايو (أيار) الماضي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إن إسرائيل ستنفذ خطة «الهجرة الطوعية» من قطاع غزة في التوقيت والطريقة المناسبين.

وفي مطلع هذا الشهر، أطلق السياسي الإسرائيلي موشيه فيغلين، رئيس حزب «زيهوت» (الهوية)، تصريحات علنية تدعو صراحة إلى تفريغ قطاع غزة من سكانه كلياً وتخييرهم بين التهجير والموت.

إحدى الشاحنات قرب معبر رفح البري (الهيئة العامة للاستعلامات)

ويشير عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير أشرف حربي، إلى أن القاهرة تواجه مثل هذه التهديدات بالتأكيد على ثوابت القانون الدولي التي تتعارض مع التهجير غير الشرعي والتوسع الاستيطاني، وهو أمر تتبعه أيضاً مع «اتفاقية السلام» التي تؤكد الالتزام بها ما دام الطرف الآخر يلتزم بها.

وتابع: «في حال اختراق الاتفاقية من جانب إسرائيل سيكون هناك نزاع لديه أيضاً مراحل وإجراءات تبدأ بإجراءات قانونية وفقاً لما ينص عليه القانون الدولي، وما تنص عليه الشرعية الدولية بالنسبة للدولة التي لا تلتزم بالشروط والضمانات الموجودة في الاتفاقيات الموقعة بينها وبين الدولة الأخرى».

وشدد وزير الخارجية على أن تهجير الفلسطينيين من أراضيهم إلى سيناء لا يمثل مجرد تحرك سكاني، بل يعني، من وجهة نظر القاهرة، تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وأضاف أن مثل هذا السيناريو ستكون له تداعيات مباشرة على مصر والمنطقة، مؤكداً أن القاهرة لا تعدُّه خياراً مطروحاً تحت أي ظرف.


قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

تترقب القاهرة زيارة للرئيس الصيني شي جينبينغ، لبحث تعزيز التعاون والملفات الإقليمية.

وتحمل تلك الزيارة، التي تعد الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، فرصة لتعزيز الشراكة بين البلدين وفتح مسار جديد في علاقات بكين والقاهرة، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت الرئاسة المصرية، في بيان الأربعاء، بأنه «في إطار العلاقات الثنائية المتميزة مع بكين، فمن المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جينبينغ بزيارة إلى مصر خلال الأيام القليلة القادمة».

ومن المقرر أن يلتقي خلال الزيارة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، فضلاً عن تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يتوجه الرئيس الصيني الأحد إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان الأربعاء.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

توقيت بالغ الدلالة

ويشير مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، إلى أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني «تأتي في توقيت بالغ الدلالة بالنسبة للعلاقات بين القاهرة وبكين، وفي لحظة دولية تشهد إعادة تشكيل عميقة في موازين القوة والاقتصاد والسياسة».

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي في عام 2026، الذي تحتفل فيه مصر والصين بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، حيث أصبحت مصر في 30 مايو (أيار) 1956 أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، وفق حجازي.

السيسي والرئيس الصيني خلال المشاركة في احتفالات «عيد النصر» بالعاصمة الروسية موسكو 9 مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

وانتقلت العلاقات المصرية - الصينية خلال العقود السبعة الماضية من مرحلة «التضامن السياسي ودعم قضايا التحرر الوطني»، إلى مرحلة التعاون الاقتصادي والتنموي، ثم إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أُعلنت عام 2014، وخلال العقد الأخير اتسعت مجالات التعاون لتشمل البنية الأساسية والطاقة والنقل والصناعة والتعليم⁠، بحسب حجازي.

وعن مستقبل الشراكة المصرية - الصينية خلال السنوات المقبلة، يرى حجازي، أن «المصلحة المصرية تقتضي الانتقال من نموذج يقوم بدرجة كبيرة على التجارة والاستثمار، إلى نموذج يقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوطين الصناعة».

وقال إن «أحد أهم أهداف المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون تحويل مصر إلى قاعدة صناعية ولوجستية صينية موجهة إلى الأسواق الأفريقية والعربية، وليس مجرد سوق للمنتجات الصينية. كما أن التعاون في مجال الأمن الغذائي، يستحق اهتماماً خاصاً، في ضوء التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، ويمكن لمصر والصين تطوير مشروعات مشتركة في الزراعة والتصنيع الغذائي والتخزين والنقل وسلاسل الإمداد، ليس فقط لخدمة السوق المصرية، وإنما لفتح آفاق أوسع في أفريقيا».

ويشير حجازي إلى أنه «سياسياً ودولياً، يمكن تطوير مستوى التشاور المصري - الصيني حول أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإعادة إعمار غزة، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الإقليمي».

ويخلص، إلى أن الزيارة «ينبغي أن تكون مناسبة لإطلاق رؤية مصرية - صينية مشتركة للعقد المقبل، وليس فقط لتوقيع مجموعة جديدة من مذكرات التفاهم ودعم الشراكة واستقرار المنطقة».


رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
TT

رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)

عمَّقت الجماعة الحوثية الأزمة الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر إقرار زيادتين متتاليتين في الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات المفروضة على الأسمنت المستورد، في خطوة يرجَّح أن تزيد تكلفة مواد البناء، وتضغط على قطاع لا يزال يستوعب شريحة من العمالة اليدوية.

وحسب تعميم صادر عن مصلحتي الضرائب والجمارك اللتين تديرهما الجماعة، يبدأ تطبيق الزيادة الأولى في 26 أغسطس (آب) الحالي، على أن تدخل الزيادة الثانية حيز التنفيذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وتأتي الإجراءات في وقت يعاني فيه الاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين من الركود وتراجع فرص العمل، بالتزامن مع اتساع الفقر والاحتياجات الإنسانية، وهروب رؤوس أموال، وازدياد أعباء الرسوم والجبايات المفروضة على الأنشطة التجارية.

وحدد التعميم الرسوم الجمركية على الأسمنت الجاهز، سواء كان سائباً أو معبأ في أكياس، عند 20 في المائة، وضريبة المبيعات عند 10 في المائة، على أن ترتفع الرسوم الجمركية في المرحلة الثانية إلى 30 في المائة، وضريبة المبيعات إلى 15 في المائة.

أسواق صنعاء تعاني الركود والجبايات الحوثية المتعددة (إعلام محلي)

وتبرر وزارة المالية ومصلحتا الضرائب والجمارك التابعتان للحوثيين القرار بأنه يهدف إلى حماية المنتج المحلي ودعم الإنتاج الوطني، مع زعمها أن إنتاج الأسمنت المحلي وصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.

غير أن هذا التبرير يأتي في وقت توقفت فيه غالبية المصانع الحكومية الثلاثة التي سيطرت عليها الجماعة عن العمل، بعد تعرضها للاستهداف بالصواريخ أو الغارات الإسرائيلية.

وفرضت الجماعة -في إطار ما تسميه حماية المنتج المحلي- حصة تعادل 50 في المائة من الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات، واشترطت توريد ضريبة المبيعات نقداً، وبنسبة تحصيل كاملة في جميع المنافذ، إلى جانب احتساب الرسوم على كامل القيمة الجمركية.

ويشير ذلك إلى أن السلع التي تدخل عبر المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية ستواجه رسوماً جمركية كاملة، بدلاً من النسبة البالغة 50 في المائة المفروضة على بقية السلع القادمة من تلك المناطق.

سلسلة زيادات

تأتي الزيادة الجديدة ضمن سلسلة من الإجراءات والرسوم التي فرضتها الجماعة الحوثية خلال السنوات الماضية على السلع المستوردة، ما أثار انتقادات من التجار والمستوردين، بسبب انعكاساتها على تكاليف الاستيراد والأسعار.

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة المالية التابعة للحوثيين قراراً برفع الرسوم الضريبية والعوائد الأخرى على السلع المستوردة عبر المنافذ البرية وميناء الحديدة، لتصل نسبة التحصيل إلى مائة في المائة من إجمالي القيمة الجمركية.

وأبقت الجماعة الرسوم على السلع الواردة إلى المراكز البرية من مناطق الحكومة اليمنية عند 50 في المائة، رغم أن المستوردين يدفعون الرسوم الجمركية كاملة في المنافذ الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

الحوثيون دمَّروا مصنع البرح في تعز ونهبوا معداته (إعلام محلي)

وشهدت الفترة اللاحقة زيادات أخرى طالت قطاعات وسلعاً مختلفة. وأشار تقرير لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن سلطات الحوثيين رفعت خلال عام 2024 الرسوم المفروضة على مجموعة من السلع الأساسية المستوردة، بينها الملابس والأحذية والحقائب، إلى جانب فرض مساهمات مالية إضافية على التجار.

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، فرضت الجماعة رسوماً إضافية على الأسمنت المحلي تحت اسم «دعم المؤسسة اليمنية للأسمنت»، ورفعت الرسوم بنسبة 50 في المائة، حسب تقارير محلية، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على أسعار مواد البناء وتعطيل مشاريع الإنشاء.

تكلفة إضافية على البناء

في ظل هذه الأعباء، انتقد الخبير الاقتصادي اليمني علي التويتي الزيادة الحوثية الجديدة، وقال إنها جاءت بعد فترة قصيرة من قرار سابق رفع الرسوم المحصلة على كيس الأسمنت من نحو 480 ريالاً إلى 700 ريال، في حين يبلغ سعر الدولار في مناطق سيطرة الحوثيين نحو 500 ريال.

ووصف التويتي القرار بأنه «مهزلة»، محذراً من أنه سيؤدي إلى «مزيد من الركود والجوع والبطالة»، في وقت يعاني فيه العاملون في قطاع البناء والمهن المرتبطة به من تراجع فرص العمل وانكماش النشاط الاقتصادي.

منافذ جمركية حوثية على خطوط التماس مع المناطق الخاضعة للحكومة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الأسمنت سينعكس على مشاريع البناء ويقلص الطلب على العمالة، متسائلاً عن جدوى حماية المصانع المحلية عبر فرض مزيد من الرسوم على الأسمنت المستورد، بدلاً من معالجة تكاليف الإنتاج، وتحسين قدرة المصانع الوطنية على المنافسة.

وتتزامن الإجراءات الجديدة مع استمرار الجماعة في فرض رسوم وجبايات متعددة على الأنشطة التجارية، في وقت يعاني فيه معظم السكان في مناطق سيطرتها من انعدام الأمن الغذائي وتدهور القدرة الشرائية.

كما أفضت الأعباء المالية المتزايدة، وفقاً للمادة، إلى إفلاس عدد من التجار وإغلاق آخرين محالهم بعد عجزهم عن تحمل الجبايات المفروضة خارج الرسوم الضريبية والزكوية المحددة قانوناً.