«حياة الملك عبد العزيز في الكويت»... حتى استرداد الرياض

باحثة كويتية تتّبعت المصادر التاريخية لسيرة المؤسس قبل قيام المملكة

 الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
TT

«حياة الملك عبد العزيز في الكويت»... حتى استرداد الرياض

 الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)

يمثل كتاب «حياة الملك عبد العزيز... في الكويت... خلال الفترة من 1892م – 1902م» سجلاً «تاريخياً» و«وثائقياً»، لسيرة وشخصية مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ويوثّق لحياته في الكويت التي امتدت نحو عشر سنوات، في الفترة 1892 - 1902م، حتى استرداده للرياض.
مؤلفة الكتاب هي الكاتبة الكويتية شيماء نبيل عبد الله الملا، وصدر عن دار «شيماء نبيل الملا للنشر والتوزيع» في 222 صفحة من الحجم الكبير.
في البداية، تشرح المؤلفة الصعوبات في تتبّع المصادر العربية والأجنبية، حيث «واجهتُ في أثناء فترة إعدادي لهذا الكتاب، والتي تجاوزت العامين، مشكلة شُحّ المصادر التاريخية لهذه المرحلة التاريخية من حياة الملك عبد العزيز... ومن خلال اطّلاعي وبحثي في المكتبات في (الرياض – الكويت – إسطنبول – لندن) تمكنت من الحصول على (مواد الكتاب: الوثائق والصور، والقصائد) لهذا البحث» (ص 10). كما «واجهتُ مشكلة عدم توفر أي صورة تاريخية للبيت الذي كان يسكن فيه الإمام عبد الرحمن بن سعود، وأسرته في الكويت (بمنطقة المباركية) منذ عام 1892م حتى عام 1902م، حيث أُزيل هذا البيت في أثناء عملية هدم البيوت القديمة في بداية الخمسينات وبناء الأسواق والمجمعات التجارية».

الملك المؤسس
يقدم الكتاب نبذة عن الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة العربية السعودية، «الذي وضع لبنات مؤسسات الدولة على قواعد عصرية حديثة، حتى شرع في تنفيذ أكبر مشروع حضاري ساعده في تحقيق قدر كبير جداً من الاستقرار، وهو مشروع توطين البدو الرُّحل في تجمعات سكنية، أُطلق عليها آنذاك اسم (هجر)» (ص 15).
كما «عمد –الملك عبد العزيز- بعد ذلك إلى تأمين طرق الحجّ، وأتبع ذلك إجراء تحسينات وترميمات واسعة في المسجد الحرام، وأحدث توسعة في المسجد النبوي الشريف» (ص 15).
وفي حديثها عن «الملك المؤسس»، تستعرض المؤلفة آراء العديد من رجال السياسة والرحالة الغربيين الذي بهرتهم شخصية الملك عبد العزيز، ومنهم الرحالة والسياسي البريطاني جون فيلبي الذي رأى أن الملك عبد العزيز «جندي ناجح، ومصلح أصيل، تقي كل التقى، صريح حازم، ذكي متواضع، ولا أعلم في العالم حاكماً غيره تتحدث معه رعيّته بمثل الحرية التي تتحدث بها رعية عبد العزيز معه»، والسياسي الأميركي هـ.س. آرمسترونغ، مؤلف كتاب «سيد الجزيرة العربية، عبد العزيز آل سعود»، (1934)، الذي قال: «كان الملك عبد العزيز سخي اليد، كبير القلب، يتمتع بصبر لا حدود له، وكان يعلم طريقة التعامل مع شيوخ القبائل، وكيف يشبع كبرياءهم، ويتجاهل نفسه، كان يتمتع بالخصائص التي يعجب بها العرب» (ص 16).
ومن بين الآراء التي عرضها الكتاب لرجال السياسة والرحالة الأجانب، المستشرق المجري جومانوس، والرحالة الإنجليزي كنت ويلمز، والسياسي الهندي جواهر لال نهرو، والطبيب البريطاني الذي يعمل في الإرسالية الأميركية في البحرين والكويت، الدكتور ستانلي ميليريا، والدكتور بول هاريسون من الإرسالية الأميركية في البصرة والكويت والبحرين.

الدولة السعودية الأولى والثانية
تقسم المؤلفة الكتاب إلى خمسة أبواب؛ تستعرض رحلة مانع بن ربيعة المريدي، جدّ آل سعود، في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) من مكان قرب القطيف إلى وادي حنيفة، حيث منازل قبيلته، حيث أسس إمارة الدرعية الأولى، «وبتولي الأمير محمد بن سعود إمارة الدرعية بدأ عصر جديد في تاريخ الجزيرة العربية كلها» (ص 23).
ويتناول الباب الأول قيام الدولة السعودية الأولى التي بدأت منذ عام 1157هـ (1744م)، حيث «يقف على رأس شجرة الحكم السعودي الأمير محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، وإليه يرجع تأسيس حكم آل سعود، حينما تولّى حكم إمارة الدرعية في بدايات القرن الثاني عشر» (ص 24).
امتدت فترة حكم محمد بن سعود بين عامي 1726 و1765م وتزامن ذلك مع ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث أقاما تحالفاً بينهما.
في الباب الأول كذلك، تتناول المؤلفة قيام الدولة السعودية الثانية التي بدأت عام 1240هـ - 1824م في ذات العام الذي فتح فيه الإمام تركي بن عبد الله، مدينة الرياض، بعد معارك شرسة دارت رحاها مع الضابط العثماني عبوش، الذي كان يرابط مع جنوده في مدينة عنيزة، والذي تمكن من الأمير مشاري بن سعدة فقتله، غير أن الأمير تركي استطاع هزيمته، وأبعد قوات محمد علي، وأخضع نجداً والأحساء والقطيف لإمارته، وقد استمرت الدولة الثانية حتى عام 1309هـ - 1891م، وانتهت بسيطرة ابن الرشيد على الرياض ورحيل الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي (والد الملك عبد العزيز) إلى خارج الرياض (ص 27).
يتناول الباب الثاني، ميلاد الملك عبد العزيز في مدينة الرياض، (1876) ثمّ رحيله منها إلى «يبرين» على الطرف الشمالي الغربي من الربع الخالي، حيث سكنوا البادية مع قبيلة (آل مرة)... (ص 34)، ثمّ وصول الملك عبد العزيز إلى البحرين، بحثاً عن مكان آمن لأسرته، وكان يرى أن إقامته في الأحساء أفضل، فأرسل عبد العزيز إلى متصرف الدولة العثمانية في الأحساء عاكف باشا، لمفاوضته في هذا الشأن... لكنّه كان لمتصرف الأحساء هدفٌ آخر، فقد أراد الضغط على الإمام عبد الرحمن لقبول الطلب العثماني بتعيينه حاكماً على الرياض من الدولة العثمانية وأن يكون تابعاً للدولة العثمانية... وفي أثناء اجتماع عبد العزيز مع هذا المتصرف استمع منه لهذا العرض وأن الدولة العثمانية ستصرف له خراجاً سنوياً بمقدار ألف ليرة إذا قَبِل الطلب، لكن عبد العزيز ردّ عليه قائلاً: «لن يقبل والدي الإمام عبد الرحمن هذا الطلب، وأنا لن أقبل أيضاً بهذا الطلب، وإننا لن نتنازل عن حقنا في حكم أرض آبائنا وأجدادنا، وإن شاء الله سنستردّ الرياض» (ص 40).
بعدها أرسل الإمام عبد الرحمن ابنه عبد العزيز إلى أمير الكويت الشيخ محمد بن صباح الصباح (حاكم الكويت خلال الفترة 1892 حتى 1896م) طالباً منه إقامته بالكويت مع أسرته ومرافقيه (1892)، ولكنّ الشيخ محمد الصباح اعتذر عن ذلك، لأنه لم يجرؤ على الجمع بين مناوءة محمد بن الرشيدن ومخالفة سياسة العثمانيين (ص 41).
المحطة التالية كانت قطر التي رحّب شيخها جاسم آل ثاني بإقامة الأسرة هناك، حيث انتقلت في 1892م وأقاموا فيها أربعة أشهر (ص 42).

الاستقرار في الكويت
في الباب الثالث تسهب المؤلفة في تفصيل انتقال الإمام عبد الرحمن، وولده عبد العزيز، إلى الكويت، حيث استقبل أمير الكويت الشيخ محمد الصباح، سفن عبد العزيز بن سعود وأسرته في ميناء الكويت، وأوكل إلى زوجته الشيخة مريم حمد الصباح مهمة استقبال زوجة الإمام عبد الرحمن (والدة الملك عبد العزيز) سارة السديري، منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 1892 (ص 48).
وقد استقرّ عبد العزيز في بيت عائلة «العامر» بالكويت، وصاحب البيت هو علي العامر، من تجار الخيول في الكويت، وقد فتك به وعائلته الطاعون عام 1831م، مثلما قضى على عوائل كثيرة في الكويت، وبقي البيت مهملاً حتى تمّ تجهيزه لسكن عائلة الإمام ابن سعود، ويقع البيت في منطقة المباركية إلى جانب براحة السبعان (ص 49).
في هذا الفصل يتعرف القارئ على حياة الملك عبد العزيز في الكويت، حيث تلقى فيها شطراً من التعليم، كما تعرف على الدواوين الكويتية وتوطدت علاقته مع الشيخ مبارك الصباح: «تعاهد الشيخ مبارك والإمام عبد الرحمن على أن يكونا يداً واحدة في استرداد الرياض والوقوف في وجه أطماع أمير حائل، ابن الرشيد... لذلك دعا الشيخ مبارك الإمام عبد الرحمن في أثناء إقامته في الكويت وأدخله خزائن مملوءة بالبنادق والبارود والسلاح والنقود» (ص 56). في هذا الباب تعرض المؤلفة لزواج الملك عبد العزيز الأول من شريفة صقر الفجري من قبيلة ابن خالد، وتمّ الزواج عام 1894م، ولكن وافتها المنية بعد 6 أشهر من زواجهما. كما تتناول المؤلفة علاقة عبد العزيز المميزة مع أخته الأميرة نورة بنت عبد الرحمن (وُلدت في الرياض علم 1875م) والتي كانت مصدر إلهام وتشجيع له، ثمّ زواج عبد العزيز الثاني عام 1899م من وضحى بنت محمد آل عريعر، من قبيلة ابن خالد أيضاً، والتي أنجبت له تركي (الأول) وسعود (الملك) ومنيرة.

معركة الصريف
خصصت المؤلفة الباب الرابع من كتابها للحديث عن استرداد الرياض، فقد خرج الإمام عبد الرحمن وابنه عبد العزيز من الكويت مع مقاتليهم في النصف الأول من عام 1900م، إلى إقليم «سدير» في نجد، وأغار على قبيلة قحطان الموالية لأمير حائل عبد العزيز بن رشيد، ثم توجه عبد العزيز إلى الرياض بهدف استردادها، حيث اجتاز ما بين الشوكى والرياض في يومين، وكان حاكم الرياض من قِبَل ابن الرشيد هو عجلان بن محمد.
وشارك الملك عبد العزيز في معركة الصريف بين إمارة الكويت وإمارة جبل شمر، وانتهت المعركة شمال شرقي مدينة بريدة في القصيم في 17 مارس (آذار) 1901م.
وبعد المعركة التي حُسمت لصالح ابن الرشيد عاد عبد العزيز ومقاتليه إلى الكويت...
وفي الباب الخامس، تبدأ المؤلفة عرض نتائج معركة الصريف، حيث عسكر ابن الرشيد بقواته شمال الكويت لكنه تراجع بطلب من الدولة العثمانية «كي لا تنجرّ لصراع مع بريطانيا» (ص 77).
وقد تركت هزيمة الصريف أثرها في نفس مبارك الصباح، الذي آثر عدم المجازفة في حرب أخرى في الصحراء (حسب رواية عبد الله فيلبي)، لولا أن مؤرخ الكويت عبد العزيز الرشيد يضع تردد مبارك الصباح على أنه «خطة محكمة» لـ«تشتيت انتباه الخصم» (ص 77).
على أي حال، أصرّ عبد العزيز على استرداد الرياض، حيث خرج من الكويت بقوة صغيرة قوامها 40 مقاتلاً. حيث يذكر الريحاني أن الشيخ مبارك قدّم له «أربعين ذلولاً وثلاثين بندقية ومائتي ريال وبعض الزاد» (ص 79).
وخروج الملك عبد العزيز بهذا العدد من المقاتلين «يوحي بأنه دبّر الأمر ورتّبه من كل النواحي، بل يوحي بأنه فضّل الخروج بتلك القلة القليلة، لكي يكون سريع الحركة والوثب والكر والفر، فيما لو واجهته قوات ابن رشيد، وأنها ستكون أخفّ عبئاً في التمويل» (ص 82).
ثم تعرض المؤلفة بكثير من التفصيل لليلة استرداد الرياض بعد طول انتظار ومعاناة وقد تمّ ذلك فجر يوم الخامس من شهر شوال 1319هـ، 15 يناير (كانون الثاني) 1902.
 



كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».