عودة «كوفيد ـ 19» إلى أوروبا الغربية

بعد انفلاته مع السياحة الصيفية... شبح الفيروس يهدد الموسم الدراسي

عودة «كوفيد ـ 19» إلى أوروبا الغربية
TT

عودة «كوفيد ـ 19» إلى أوروبا الغربية

عودة «كوفيد ـ 19» إلى أوروبا الغربية

عاد القلق يخيّم على البلدان الأوروبية من موجة ثانية لجائحة «كوفيد - 19»، بعدما خابت جميع التوقعات التي كانت تتحدث عن انحسارها مع قدوم فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وواصل فيروس الجائحة انتشاره على نطاق واسع في بؤر القارة الأميركية من الولايات المتحدة إلى البرازيل والمكسيك والبيرو، وتفاقمت إصاباته في الهند والاتحاد الروسي وبعض البلدان الأفريقية.
إذ سجّلت عودة قويّة للفيروس من فرنسا إلى إسبانيا وإيطاليا ودول البلقان، تهدّد بفصل جديد من العزل تجهد الحكومات لتحاشيه بأي ثمن، في أعقاب الخسائر الاقتصادية الفادحة التي نجمت عن تدابير الفصل الأول التي شلّت الحركة في بلدان الاتحاد الأوروبي ومحيطها لما يقارب الثلاثة أشهر.
تسعى المفوضية الأوروبية إلى استعادة المبادرة في إدارة الجهود الوطنية لاحتواء عودة «كوفيد - 19». ومن ثم ضبط هذه الأزمة الصحية غير المسبوقة التي تحوّلت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية امتدت تداعياتها في عمق المشهد السياسي، وغيّرت بشكل جذري أوجهاً عديدة من الحياة اليومية.
في أواخر مايو (أيار) الماضي، كانت أرقام الإصابات الجديدة والوفيّات في معظم البلدان الأوروبية تبشّر بانحسار شبه تام للجائحة، وتمهّد لعودة تدريجية إلى الحياة الطبيعية والمباشرة بمرحلة النهوض من الانهيار الذي أحدثته أسوأ أزمة صحية واقتصادية في التاريخ الأوروبي منذ الحرب العالمية. ومع بداية يونيو (حزيران) كانت دول الاتحاد تتنافس بعضها مع بعض على فتح الحدود واستعادة الحركة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي وإنقاذ ما أمكن من الموسم السياحي الذي يشكّل العماد الأساسي للعديد من الاقتصادات الأوروبية، والذي كان القطاع الأكثر تضرراً جرّاء تدابير العزل وقطع التواصل داخل الاتحاد وخارجه.
إلا أنه ما إن عادت الحركة إلى الأوصال الأوروبية، وخرج الملايين من عزلتهم الطويلة، حتى بدأت تظهر المؤشرات على أن الفيروس ما زال نشطاً ويتفشّى، بعكس التوقعات، منذراً بموجة ثانية أوسع امتداداً وبمواصفات مختلفة عن الأولى.
وما كادت القمة التي عقدها الاتحاد الأوروبي، بحضور مباشر للمرة الأولى منذ بداية الأزمة، تعلن إنجاز الاتفاق التاريخي حول صندوق الإنقاذ من تداعيات الوباء بقيمة 750 مليار يورو، حتى بدأت الحكومات بالعودة إلى تشديد تدابير الوقاية، وفرض إجراءات الحجر الصحي على التنقلات عبر الحدود الداخلية، وتوصية مواطنيها بتحاشي السفر إلى أماكن وبلدان معيّنة داخل الاتحاد.

الحالة الإسبانية
الحالة الإسبانية هي التي تثير الآن أكبر قدر من القلق، لأسباب عدة يتداخل فيها الصحي مع الاقتصادي والسياسي بالإداري، بعدما تجاوز عدد الإصابات المؤكدة فيها 480 ألفاً من أصل ما يزيد على 4 ملايين إصابة في القارة الأوروبية، منها مليون في الاتحاد الروسي وحده.
والواقع أنه بعدما تمكّنت إسبانيا من احتواء الجائحة بشكل شبه تام مطلع يونيو الماضي، نتيجة التدابير المشدّدة التي فرضتها منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، وبعدما فتحت حدودها الخارجية والداخلية أمام الحركة السياحية والنشاط الاقتصادي والاجتماعي، عاد الفيروس إلى الانتشار في معظم المناطق. وبالفعل، تكاثرت بؤر ظهوره، وأخذ عدد الإصابات الجديدة يرتفع بسرعة إلى أن وصل في الأيام الأخيرة إلى المستويات التي بلغها خلال فترة الذروة خلال الربيع الماضي.
ومع تفاقم معدلات الانتشار واتساع نطاقه، عمدت السلطات الإقليمية، التي كانت قد استعادت صلاحيات إدارة الأزمة الصحية من الحكومة المركزية في مدريد، إلى عزل بعض المناطق بشكل تام، وفرض تدابير شديدة نجحت نسبيّاً في احتواء الفيروس وحصر انتشاره. بيد أن استئناف الحركة السياحية والانفلات إزاء التقيّد بتدابير الوقاية ونقص التنسيق بين الأقاليم أدى إلى الاستمرار استمرار التفشي. وهذا ما دفع عدداً كبيراً من الحكومات الأوروبية إلى فرض الحجر الصحي على الوافدين من إسبانيا، وتوصية مجموعة منها مواطنيها بتحاشي السفر إلى معظم الأقاليم الإسبانية إلّا في حالات الضرورة. وكانت ألمانيا وبلجيكا آخر البلدان الأوروبية التي فرضت تدابير الحجر الصحي على الوافدين من إسبانيا التي غدت شبه معزولة عن محيطها الأوروبي.

الوضع الاقتصادي... والعام الدراسي
ومن العوامل الأخرى التي تزيد من خطورة الحالة الإسبانية ومن تعقيدات معالجتها، الوضع الاقتصادي الذي كان مترديّاً قبل ظهور الجائحة وتدهور أكثر من أي اقتصاد أوروبي آخر بسببها، والارتفاع الكبير في نسبة البطالة التي عادت لتتجاوز 20 في المائة.
يضاف إلى ذلك المناخ السياسي المشحون بسبب الأزمة الانفصالية في إقليم كتالونيا (قطالونية) وهشاشة القاعدة البرلمانية للحكومة المهدّدة بالسقوط في كل تصويت أو أي مبادرة لطرح الثقة.
كل هذه العوامل تزداد خطورتها اليوم على أبواب الامتحان الكبير الذي تتهيّبه كل الدول الأوروبية مع استئناف العام الدراسي، وما ينتظر أن ينشأ عنه من تداعيات على المشهد الوبائي الذي كان الجميع يتوقع أن يكون أقل سوءاً بكثير مما هو عليه الآن.
ويُذكر أنه بعد مرحلة طويلة من التجاذبات بين الحكومة المركزية والسلطات الإقليمية، تمّ الاتفاق على خطة استئناف النشاط الدراسي في أكثر من 30 ألف مركز تعليمي، وترك الباب مفتوحاً أمام الأقاليم الراغبة في تأجيل بداية العام الدراسي بسبب الوضع الوبائي فيها.
ونبّهت وزارة التربية إلى أنه رغم إعطاء أهمية كبرى للعودة إلى المدارس، يبقى الوضع الصحي الأولوية المطلقة للحكومة في هذه المرحلة. وبالتالي، فإنها لن تتردّد في اتخاذ التدابير اللازمة في حال تفاقم المشهد الوبائي أو تعذّر التقيّد بالإجراءات الواجبة في المدارس والجامعات.
هذا، وفي حين أكّد فرناندو سيمون، مدير مركز الطوارئ في وزارة الصحة الإسبانية، استحالة ضمان ألا يتفشى الفيروس في المدارس، ودعا الأهل إلى أقصى درجات التعاون ريثما يتمّ التوصل إلى لقاح ضد الفيروس، كانت أرقام الإصابات اليومية الجديدة تواصل ارتفاعها إلى أن بلغت آخر الشهر الماضي خمسة أضعاف ما كانت عليه في يوليو (تموز) الماضي.
ومع الإعلان عن 23572 إصابة جديدة و83 حالة وفاة نهاية الأسبوع الماضي، قال وزير الصحة: «هذه الزيادة أكبر مما كنّا نتمنّى، لكنها ضمن التوقعات.
عدد الإصابات اليوم يوازي ما كان عليه خلال فترة الذروة خلال الربيع، إلا إصابات تختلف بشكل كلّي عن تلك السابقة، ولا داعي للهلع لكن لا بد من الحذر والانتباه».

مدريد البؤرة الأخطر
وفي هذا السياق، نشير إلى أن الوضع الوبائي في العاصمة مدريد هو مصدر القلق الرئيسي حالياً بالنسبة للسلطات الصحية الإسبانية، إذ بلغ عدد الإصابات الجديدة في العاصمة ثلث الإصابات الإجمالية في عموم البلاد، وتلك التي تستدعي العلاج في المستشفى 40 في المائة من الحالات الوطنية.
وكان عدد الإصابات الجديدة المؤكدة في إسبانيا خلال الأسبوع الماضي قد تجاوز 49 الفاً، منها 14871 في مدريد، التي يعيش فيها 14 في المائة من مجموع السكّان.
ويعزو الاختصاصيون هذه الأرقام المرتفعة في مدريد إلى عدة أسباب، منها: الكثافة السكانية العالية في العاصمة، وكونها المركز الرئيسي للمواصلات، إضافة إلى نقص تدابير الوقاية والفحص ومتابعة الإصابات. ويحذّر الخبراء من أن استمرار تدهور الوضع الوبائي في مدريد سيؤدي إلى انتشار واسع للفيروس في بقيّة الأقاليم، والاضطرار للعودة إلى تدابير العزل التام الذي سيدفع البلاد إلى كارثة اقتصادية وخيمة العواقب.
وكان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانتشيز قد أعرب أخيراً عن قلقه الشديد من الوضع الصحي في مدريد، التي كانت السلطات الإقليمية قد ناشدت سكانها ألا يغادروا منازلهم إلا في حالات الضرورة.
وقال إن «الحكومة المركزية على استعداد لتقديم كل المساعدة اللازمة للسلطات الإقليمية، والجيش جاهز أيضاً للمساهمة، لكننا لن نتردد في اتخاذ القرارات اللازمة إذا لم تُتخذ التدابير الكفيلة بتحسين الوضع، لأن نجاح خطة مكافحة الجائحة على الصعيد الوطني يتوقف اليوم بنسبة كبيرة على تحسن الوضع الوبائي في العاصمة». وتجدر الإشارة إلى أن بلدية مدريد وحكومتها الإقليمية هي حالياً بيد المعارضة اليمينية.
من جانب آخر، ذكر ناطق باسم وزارة الصحة الإسبانية أن التدابير التي ستتخذ خلال الأيام القليلة المقبلة في مدريد ستكون حاسمة بالنسبة للوضع الوبائي في العاصمة وفي بقية الأقاليم.
وأوضح أن العامل الأساسي الذي سيحدّد مصير هذه التدابير هو معدّل ارتفاع حركة التنقّل والمواصلات بعد العودة من العطلة واستئناف النشاط المدرسي.
وكان خبراء الوزارة قد اقترحوا على السلطات الإقليمية السعي إلى رفع نسبة الذين يعملون عن بُعد إلى 30 في المائة، مع بعض تدابير العزل التام لفترة معيّنة في بعض أرباض المدينة حيث الكثافة السكانية العالية، منعاً لانتشار الفيروس فيها على نطاق كثيف وواسع وانتقاله إلى الأقاليم الأخرى.
في المقابل، رغم الارتفاع المطرد الذي يسجّله عدد الإصابات الجديدة في جميع الأقاليم الإسبانية تقريباً، والذي يعيد إلى الأذهان المشهد المخيف الذي عاشته إسبانيا ومستشفياتها في ذروة الجائحة خلال المرحلة الأولى، أفادت وزارة الصحة بأن الوضع في المستشفيات لا يدعو إلى القلق.
وأوردت أنه يوجد حالياً 6924 مريضاً يُعالجون من «كوفيد - 19». أي ما يعادل 6 في المائة من عدد الإجمالي للأسرة، ويخضع 874 منهم للعناية الفائقة. ويشكّل عدد الذين يُعالجون في مستشفيات مدريد وكتالونيا (عاصمتها مدينة برشلونة) وإقليم الأندلس أكثر من نصف الحالات الإجمالية.

إيطاليا وفرنسا... في الصورة القاتمة من جديد
> إلى جانب «الجبهة الإسبانية»، وتلك التي تشكّلها دول البلقان التي تكاد تكون جميع مواصلاتها مقيّدة مع الدول الأوروبية الأخرى، يزداد القلق من تطور المشهد الوبائي في فرنسا وإيطاليا.
فرنسا أعلنت أخيراً عاصمتها باريس «منطقة حمراء»، وفرض استخدام الكمامات الواقية حتى في شوارعها بعد الارتفاع الكبير في عدد الإصابات اليومية الجديدة، وتكاثر بؤر الانتشار في معظم المناطق السياحية على الساحل.
ورغم تأكيدات الحكومة الفرنسية أنها ستبذل ما يلزم من جهد لمنع العودة إلى العزل التام، يخشى الخبراء من أن استئناف النشاط الدراسي سيؤدي إلى قفزة إضافية كبيرة في انتشار الفيروس ستضطر معها الحكومة لإعادة النظر في موقفها، ولا يستبعدون أن تلجأ إلى تدابير عزل مؤقتة ومحصورة في المناطق التي تتفشّى فيها الجائحة بكثافة.
ومن الدلائل على خطورة المنحى الذي فيه المشهد الوبائي الفرنسي إعلان السلطات السويسرية أنها باتت قاب قوسين من وضع فرنسا على «اللائحة الحمراء»، بعدما تجاوز معدل الإصابات فيها عتبة الستين إصابة لكل مائة ألف مواطن. ومن شأن إدراج فرنسا على هذه اللائحة إخضاع جميع التنقلات على الحدود بين البلدين إلى تدابير الحجر الصحي وفرض الفحوص على الوافدين منها إلى سويسرا.
أما فيما يخص إيطاليا، فتتجه الأنظار الأوروبية أيضاً بشكل خاص منذ أيام، وهي التي كانت البؤرة الرئيسية للجائحة خلال المرحلة الأولى، و«المختبر الأوروبي» بامتياز لمواجهتها الجائحة. والحقيقة أنه بعدما كانت إيطاليا طوال أشهر البلد الأوروبي الأكثر تضرراً على الصعيد الصحي من «كوفيد - 19».
قبل أن تتجاوزها بريطانيا بعدد الوفيّات، تمكّنت إيطاليا مطالع الشهر الماضي من احتواء انتشار الفيروس بنسبة عالية، وباتت بالنسبة لبلدان كثيرة وجِهات علمية عديدة مثالاً يُحتذى في مكافحة الفيروس الذي أوقع فيها أكثر من 35 ألف ضحية.

السياحة... والمدارس
ولكن على غرار معظم الدول الأوروبية الأخرى حملت الأسابيع الأخيرة رياحاً معاكسة إلى المشهد الوبائي الإيطالي مع ازدياد حركة التنقلات السياحية، وما رافقها من انفلات وتسيّب في التقيّد بتدابير الوقاية والتباعد. وهذا ما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الإصابات اليومية، ترافق مع انخفاض ملحوظ في المعدّل العمري للمصابين الذي أصبح دون الأربعين سنة.
ولقد توزّعت المصادر الرئيسة للإصابات الجديدة بين الوافدين الذين أمضوا عطلة الصيف في الخارج، خاصة في إسبانيا وكرواتيا واليونان ومالطة، والمراكز السياحية مثل جزيرة سردينيا، التي شهدت أخيراً انتشاراً كثيفاً لمئات الإصابات في بعض المرابع الليلية، إضافة إلى الإصابات التي يحملها المهاجرون غير الشرعيين الذي يتكدسّون بالآلاف في مراكز الاستقبال المكتظة على السواحل الجنوبية المطلّة على أفريقيا.
وما يزيد من تعقيدات الوضع الوبائي في إيطاليا، التي تحبس أنفاسها أمام العودة إلى المقاعد الدراسية في الرابع عشر من هذا الشهر، والتي تليها الانتخابات الإقليمية في عشر محافظات والبلدية في أكثر من ألف مدينة، تنامي الحركات المناهضة لتدابير الوقاية والتباعد. والمعروف أن هذه الحركات تعتبر «كوفيد - 19» بمثابة «ذريعة تآمرية» تلجأ إليها الحكومات لتضييق مساحات الحريّة «وإفقار المواطنين لصالح النخبة المالية».
ومن المنتظر أن تشهد العاصمة روما اليوم، اليوم (السبت)، مظاهرة حاشدة تحت عنوان «(كوفيد) خدعة، هلمّوا نحرّر إيطاليا»، تشارك فيها تنظيمات الفاشيين الجدد والتيّارات السيادية المناهضة للاتحاد الأوروبي و«السترات البرتقالية» (رديفة «السترات الصفراء» الفرنسية) وهيئات نسائية وجمعيّات تجّار وتجمعات لسائقي التاكسي والجماعات العنصرية المتطرفة بين جمهور كرة القدم. ويتولّى تنظيم المظاهرة اليميني المتطرف «القوة الجديدة»، وسيشارك فيها أيضاً الأسقف كارلو ماريّا فيغانو، المعروف بمواقفه المعادية للبابا فرنسيس والمؤيدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ومنهم السياسي المعروف والوزير السابق وأحد أشهر النقّاد الفنيين في إيطاليا فيتّوريو زغاربي الذي اتخذ أخيراً قراراً بمنع استخدام الكمامات الواقية في مدينة سوتري التي يرأس بلديتها. ورغم أنه لن ينضم إلى المظاهرة، قال ماتّيو سالفيني، زعيم المعارضة اليمينية المتطرفة في إيطاليا إنه يتعاطف مع شعاراتها.

خوف من المستقبل
وعلى صعيد متصل، تفيد دراسة صدرت أخيراً عن «مركز الدراسات الاجتماعية» التابع للمصرف المركزي الإيطالي أن 82 في المائة من المواطنين يشعرون بالقلق أو الخوف على مستقبلهم بسبب من «كوفيد - 19»، وأن الخوف الذي يشعرون به اليوم تبدّلت أوصافه الاقتصادية والاجتماعية عن الذي كانوا يشعرون بها خلال المرحلة الأولى من الجائحة.
ووفق الدراسة، كان الخوف في المرحلة الأولى يسود أوساط المسنّين الذين دفعوا ثمناً باهظاً في الإصابات والضحايا، وأيضاً بين أصحاب المهن الحرّة والمتقاعدين. لكن الخوف انتقل اليوم إلى أوساط الشباب الذين أطلقوا العنان لرغباتهم ونزواتهم بعد فترة العزل الطويلة، وأصبح منتشراً في جميع الأوساط المهنية تقريباً بعد اتساع رقعة الانهيار الاقتصادي الذي لم يسلم منه أي قطاع.
أيضاً، انتقل الخوف من مناطق الشمال حيث كانت الجائحة شبه محصورة خلال المرحلة الأولى، إلى مناطق الوسط والجنوب التي تشهد اليوم الانتشار الأوسع للفيروس، الذي تفيد الدراسة أيضاً بأنه بات يثير المخاوف في أوساط اليسار السياسي أكثر منه في أوساط اليمين، وبخاصة الأحزاب المتطرفة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.