«الصحة العالمية» توصي بعقاقير كورتيزون لإصابات «كورونا» الخطرة

فرنسيون يسجلون أنفسهم لدى «الصليب الأحمر» لاختبارات فحص بمدينة مونبيلييه أمس في إطار حملة ضد «كوفيد - 19» (أ.ف.ب)
فرنسيون يسجلون أنفسهم لدى «الصليب الأحمر» لاختبارات فحص بمدينة مونبيلييه أمس في إطار حملة ضد «كوفيد - 19» (أ.ف.ب)
TT

«الصحة العالمية» توصي بعقاقير كورتيزون لإصابات «كورونا» الخطرة

فرنسيون يسجلون أنفسهم لدى «الصليب الأحمر» لاختبارات فحص بمدينة مونبيلييه أمس في إطار حملة ضد «كوفيد - 19» (أ.ف.ب)
فرنسيون يسجلون أنفسهم لدى «الصليب الأحمر» لاختبارات فحص بمدينة مونبيلييه أمس في إطار حملة ضد «كوفيد - 19» (أ.ف.ب)

للمرة الأولى منذ ظهور وباء كوفيد - 19 أواخر العام الماضي وتسارع الجهود العلمية التي تبذل بكثافة غير مسبوقة على جبهات عدة من أجل إيجاد علاج له أو لقاح ضده، أوصت منظمة الصحة العالمية صراحة باستخدام العقاقير الكورتيزونية المضادة للالتهابات في علاج الحالات المرضية الخطرة الناجمة عن فيروس كورونا المستجد.
وجاءت هذه التوصية المشفوعة بتحذير من استخدام هذه العقاقير، في أي حال من الأحوال، لمعالجة الإصابات الطفيفة، بعد الاطلاع على نتائج مجموعة من الدراسات السريرية والبيانات المخبرية لتجارب شملت 1700 حالة كوفيد19 خطرة في اثني عشر بلداً، وبينت أن العلاج بهذه العقاقير هو حالياً الأكثر فعالية في الحالات التي تستدعي العناية الفائقة.
وتفيد نتائج هذه الدراسات التي خضعت لعدة مقارنات بين النظراء ونُشرت في أبرز الدوريات العلمية أن ثمة ثلاثة أنواع من هذه العقاقير تبين أنها تخفض معدل الوفيات إلى الثلث بين المرضى الذين يحتاجون إلى الأوكسيجين أو إلى أجهزة التنفس الاصطناعي، أي أولئك الذين بلغوا المرحلة الأخطر من المرض حيث لا يعود الالتهاب في القصبات الهوائية هو التهديد الأساسي على حياة المريض، بل رد فعل نظام المناعة واستجابته في مواجهة الالتهاب الفيروسي.
ويقول خبراء المنظمة إن نتائج هذه الدراسات تؤكد وتوسع بمزيد من التفاصيل تلك التي تمخضت عنها التجارب السريرية التي أجريت في يونيو (حزيران) الماضي ومفادها أن عقار «ديكساميتازون» هو الأول القادر على إنقاذ مرضى كوفيد19 المصابين بحالات خطرة. وتضيف النتائج الجديدة إلى هذا العقار مركبين آخرين، هما «هايدروكورتيزون» و«ميثيلبريدنيزولون» اللذين يخفضان نسبة وفيات الحالات الخطرة بمقدار 31 في المائة. والعقاقير الثلاثة مستخدمة على نطاق واسع في معالجة الحالات الالتهابية الحادة والمزمنة، وهي متوفرة بسهولة وأسعار منخفضة.
وفيما تجاوبت منظمة الصحة العالمية مع طلب الأخصائيين الذين أجروا هذه الدراسات لجعل العقاقير الكورتيزونية بمثابة «خط العلاج الأول» على جبهة العناية بالحالات الخطرة، حذر خبراؤها من أن هذه العقاقير «رغم كونها الأكثر فعالية في الوقت الحاضر لمعالجة الإصابات الخطرة بكوفيد19، ما زالت بعيدة جداً عن اعتبارها انتصاراً كاملاً ونهائياً على الوباء». ودعا الخبراء إلى مواصلة البحث حول فعالية هذه المركبات والجرعات الأنسب لاستخدامها.
وامتنع أمس (الخميس) خبراء المنظمة عن التعليق على الخبر الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» حول البدء بتوزيع اللقاح الأميركي اعتباراً من نهاية الشهر المقبل، واكتفوا بالتذكير بموقف المنظمة الذي أعلنه مدير برنامج الطوارئ مايك رايان مؤخراً بأن قرار استخدام اللقاح يقع ضمن سيادة الدول، وما صرحت به منسقة البحوث اللقاحية في المنظمة إلى «الشرق الأوسط» أول من أمس عندما قالت إن «التسارع في استخدام اللقاح من شأنه أن يفاقم كوفيد19».

وكانت المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض، وهي الهيئات التي تشرف على إدارة شؤون الصحة العامة في الولايات المتحدة، قد أبلغت السلطات الصحية في الولايات ورؤساء بلديات خمسٍ من المدن الكبرى بالاستعداد لتوزيع اللقاح ضد كوفيد19 على أفراد الطواقم الصحية والجماعات الأكثر تعرضاً للوباء اعتباراً من نهاية الشهر المقبل ومطالع نوفمبر (تشرين الثاني).
وأحجمت إدارة المنظمة عن التعليق على ما أعلنته الإدارة الأميركية أمس بأنها ستمتنع عن سداد المستحقات المتوجبة عليها، وأنها قررت إحالتها إلى الأمم المتحدة لتغطية جزء من المستحقات المتراكمة لديها منذ سنوات. وقال ناطق بلسان المنظمة إن الأمانة في انتظار الاطلاع على تفاصيل قرار الإدارة الأميركية، معرباً عن الأمل في أن تعيد واشنطن النظر في موقفها من المنظمة الدولية وتستأنف تعاونها القيم معها لمواجهة التحديات الصحية الراهنة والمقبلة.
وفي سياق متصل لم يخفِ المسؤولون في منظمة الصحة أمس ارتياحهم للتصريحات التي أدلت بها الممثلة الأسترالية المعروفة كيت بلانتشيت التي ترأس الهيئة التحكيمية في مهرجان البندقية السينمائي خلال افتتاح دورته السابعة والسبعين مساء الخميس، وهو المهرجان الأول الذي ينعقد في زمن كوفيد19 ضمن تدابير وقائية صارمة. وقالت بلانتشيت: «استغرب كيف أنه لم يُسمَح لمنظمة الصحة العالمية بقيادة جهود التصدي لهذا التحدي العالمي. نحن جنس غريب من الكائنات، لا نتعلم شيئا مما حصل في البلدان التي تعرضت في البداية للجائحة. لا أفهم كيف لا نزال نصر على التصرف بهذا الأسلوب العنيد والمشتت والمدمر».
- إصابة برلسكوني
ومن ميلانو أكد رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني الأنباء التي تحدثت عن إصابته بكوفيد19، وقال من مقر إقامته بالقرب من عاصمة الشمال الإيطالي إنه يتعافى في المنزل ولم تظهر عليه عوارض، وأنه يرجح تعرضه للإصابة خلال العطلة القصيرة التي أمضاها مؤخراً في جزيرة سردينيا التي تحولت منذ أسبوعين إلى البؤرة الرئيسية لانتشار الفيروس في إيطاليا. وقال برلسكوني، البالغ من العمر 83 عاماً، إن اثنين من أولاده قد أصيبا أيضا بالفيروس.


مقالات ذات صلة

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
صحتك مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (الشرق الأوسط)

السعودية تحقق تقدماً نوعياً في علاج السرطان

دخلت السعودية قائمة أعلى عشر دول في مجموعة العشرين من حيث معدلات النجاة من أكثر أنواع السرطان شيوعاً، في مؤشر يعكس التحولات النوعية التي يشهدها القطاع الصحي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ يساعد مسؤولو منظمة الصحة العالمية في إجلاء المرضى الفلسطينيين وجرحى الحرب من قطاع غزة لتلقي العلاج بالخارج عبر معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر (أ.ف.ب)

منظمة الصحة تخفض طلب التمويل لحالات الطوارئ في 2026

دعت منظمة الصحة ​العالمية إلى تقديم مليار دولار لحالات الطوارئ الصحية هذا العام، أي أقل بنحو الثلث عن ‌العام الماضي

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم مدير «منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسو (أ.ف.ب)

مدير «الصحة العالمية» يقول إن خفض التمويل أتاح تطوير عملها

رأى «مدير منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسو الاثنين أنّ خفض التمويل الذي عانته المنظمة خلال عام 2025 أتاح فرصة لتطوير عملها وجعله أكثر مرونة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا موظفون يثبتون لافتة كتب عليها «جناح عزل نيباه - الدخول محظور تماماً» في المستشفى بمنطقة كوزيكود - ولاية كيرالا بالهند (رويترز)

منظمة الصحة تقلل من احتمال انتشار فيروس «‍نيباه» خارج الهند

قللت منظمة الصحة ‌العالمية، اليوم ‌الجمعة، ⁠من ​احتمال ‌انتشار فيروس نيباه القاتل من الهند، مضيفة ⁠أنها ‌لا ‍توصي ‍بفرض قيود ‍على السفر أو التجارة.

«الشرق الأوسط» (حيدر آباد)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟