«البروليتاريا المتمردة»... صراع الطبقة العاملة مع الحزب الشيوعي الحاكم باسمها

كتاب روسي يكشف عن علاقات متوترة بينهما منذ بداية ثورة أكتوبر 1917

ثورة أكتوبر... صدامات مع الطبقة العاملة منذ الأيام الأولى
ثورة أكتوبر... صدامات مع الطبقة العاملة منذ الأيام الأولى
TT

«البروليتاريا المتمردة»... صراع الطبقة العاملة مع الحزب الشيوعي الحاكم باسمها

ثورة أكتوبر... صدامات مع الطبقة العاملة منذ الأيام الأولى
ثورة أكتوبر... صدامات مع الطبقة العاملة منذ الأيام الأولى

يسلط الباحث الروسي ديمتري تشوراكوف في كتابه «البروليتاريا المتمردة على البلاشفة بعد ثورة أكتوبر 1917» الضوء على الحركة العمالية الروسية، وما قامت به من مواقف مضادة لمحاولات البلاشفة السيطرة على مقاليد الحكم في الاتحاد السوفياتي بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917.
ويأتي الكتاب في إطار ما يعرف في روسيا حالياً بتيار «الماركسية الناقدة»، الذي انتشر في صفوف بعض الأكاديميين الروس مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وهو تيار أخذ في التبلور من خلال أعمال تشوراكوف ومؤلفاته في العشرين عاماً الأخيرة، فضلاً عن دراسات وأبحاث قدمها زملاء له، ويقدم هذا التيار نقداً للتجربة السوفياتية، وما يجري في روسيا المعاصرة أيضاً، انطلاقاً من منظور الماركسية العلمية.
على مدى تسعة فصول نُشرت دراساتٍ منفصلة في مجلات روسية عدة عامي 2011، و2012، وصدرت في كتاب عام 2015، بالعاصمة موسكو، يؤرخ تشوراكوف، الحاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ، للانتفاضات العمالية التي ناهضت السلطة البلشفية، ويلفت إلى أنها ارتبطت بشكل وثيق بمطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية لطبقة البروليتاريا، وكان الهدف منها توسيع القاعدة الاجتماعية للحكومة الثورية، وليس الإطاحة بها، وهو نهج سعى العمال من خلاله للحفاظ على حقوقهم المكتسبة، وتعزيز قدرتهم في التأثير على سياسة الحكومة التي نظمها السوفيات. لكن يبدو أن الأمر في بعض المناطق الروسية خرج من بين أيديهم، وذلك في الفترة من 1918 وحتى عام 1921، التي أطلق عليها الباحثون مرحلة «شيوعية الحرب»، وهي التي اندفع فيها العمال إلى حمل السلاح لمواجهة عنف البلاشفة، ورغبتهم في إقصاء غيرهم من القوى الحزبية، والاستئثار بالسلطة.
ويشير تشوراكوف في كتابه الذي صدرت نسخته العربية في القاهرة حديثاً عن دار روافد، وقدم لها الدكتور هاني شادي المتخصص في الشؤون الروسية، إلى أن محاولات البلاشفة رسم صورة وردية لعلاقتهم مع الطبقة العاملة كانت نوعاً من الدعاية، فلم تكن العلاقة بينهما منذ الأيام الأولى لاستيلائهم على مقاليد السلطة، خالية من المشكلات والأزمات، وقد ظلت الكتابة عنها خاضعة للمنع والحظر لفترة طويلة خاصة بعد استيلاء ستالين على السلطة. وقد أثبتت الدراسات التاريخية الحديثة في روسيا بعد تفكك وانهيار الاتحاد السوفياتي بما لا يدع مجالاً للشك أن العلاقة بين البلاشفة والعمال سادها التوتر والصدامات التي وصلت إلى حدود إطلاق النار على مسيراتهم الاحتجاجية، ومقتل وإصابة الكثير منهم.
ويتناول المؤلف دراساته المراحل التي مرت بها المنظمات العمالية في تعاطيها مع الأحداث، وقد بدأها بمرحلة نشأة السلطة البلشفية، وتمتد من خريف 1917 وحتى صيف 1918، ومرحلة سياسة «شيوعية الحرب» والحرب الأهلية التي بدأت منذ عام 1918، وحتى 1921، ثم مرحلة السياسة الاقتصادية الجديدة التي بدأت عام 1921، وامتدت لسبع سنوات، ثم مرحلة تأسيس الاقتصاد التعبوي واقتصاد الأوامر من 1929 وحتى منتصف الخمسينات من القرن الماضي، ومرحلة استقرار النظام السوفياتي من منتصف الخمسينات وحتى مطلع الثمانينات، ومرحلة سقوط النظام السوفياتي، وتبدأ من النصف الثاني للثمانينات، وأخيراً مرحلة نشأة وتطور النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي المعاصر في روسيا في فترة ما بعد المرحلة السوفياتية وتمتد من مطلع التسعينات وحتى يومنا الحاضر.
اعتمد تشوراكوف في سبيل توثيق الصراع بين العمال والبلاشفة على طائفة واسعة من مواد الأرشيف الروسي الرسمي، وجهاز الأمن، ووثائق الأرشيف المركزي لمنطقة الأورال، التي كانت محظورة في العهد السوفياتي. كما استند إلى مؤلفات بعض المؤرخين، سواء التابعين للسلطة السوفياتية أو المعارضين لها، فضلاً عن عدد كبير من صحف السنوات الأولى بعد ثورة أكتوبر. وقد جعل الكم الهائل من المواد الأرشيفية، ما جاء في الكتاب من آراء يتسم بقدر كبير من الموضوعية.
وحسبما يشير تشوراكوف، برزت الخلافات والنزاعات بين القيادات العمالية والبلاشفة، في أثناء انتقال السلطة إلى مجلس السوفياتات الأعلى، وتركز النزاع السياسي الأول حول شعار «تشكيل حكومة اشتراكية موحدة تجمع القوى الاشتراكية كافة»، واستبق العمال في حالات غير قليلة خطوات السلطة في مجال الاقتصاد والإدارة العمالية الذاتية، وليس أدل على ذلك من احتجاجاتهم ذات الطابع السياسي والاقتصادي التي اندلعت في أكتوبر 1917 في منطقة الأورال ومدينتي بتروجراد وموسكو، ومهدت التربة لمرحلة أكثر عمقاً وراديكالية في تاريخ الثورة، وأجبرت البلاشفة على تأييد الشعارات المطروحة في صفوف البروليتاريا.
وذكر تشوراكوف، أن الاحتجاجات العمالية المتزايدة في 1917 هددت متانة النظام الثوري الوليد، ووجوده أحياناً، كما رفض قطاع من البروليتاريا الروسية احتكار حزب واحد للسلطة، أما البلاشفة فقد كان قلقهم الأساسي على نظامهم الجديد نابعاً من تأييد الكثير من العمال لمطلب تشكيل حكومة اشتراكية موحدة، أي أن تكون مختارة ومشكلة من أطراف الثورة كافة، ومسؤولة أمام هيئة مفوضة من قبل الأحزاب الديمقراطية كافة التي دعمتها وشاركت فيها.
واجه البلاشفة من جانبهم كل هذه المطالب والرغبات العمالية بالمضي قدماً في ترسيخ سلطتهم، والانفراد بصناعة القرار؛ ما دفع القوى العمالية إلى رفض ممارساتهم، ووصل الصراع إلى حدود إعلان اتحاد نقابات وعمال ومستخدمي السكك الحديدية أنهم لن ينفذوا إلا الأوامر والقرارات التي تصدر عنها، وذلك حتى تشكيل وتنظيم السلطة في البلاد، وقد أعلنوا ذلك في الجلسة الختامية للمؤتمر الثاني لسوفياتات نواب العمال والجنود الذي أقيم في مدينة بتروجراد في 27 أكتوبر عام 1917 على لسان مندوب العمال.
وقال تشوراكوف، إنه بعد تجاوز أزمة الحكومة الاشتراكية الموحدة، التي تضم الأحزاب الاشتراكية كافة، ظهرت أزمة جديدة نتجت من حل البلاشفة الجمعية التأسيسية مطلع يناير (كانون الثاني) 1918، وقد كان قسم من الطبقة العاملة الروسية يؤيد بدرجة أو بأخرى الإبقاء عليها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل زادت الخلافات بين الجانبين مع إغلاق البلاشفة لوسائل الإعلام المعارضة، كما تفاقمت النزاعات بين العمال والقائمين على المصانع والمعامل، وبلغ التوتر بين البروليتاريا والبلاشفة ذروته باشتعال تمردات عمالية مسلحة في مواجهة السلطة في بعض المناطق الروسية.
ويفرد تشوراكوف في كتابه قسماً مهماً للحديث عن تطورات خضعت لها احتجاجات النقابات العمالية في مرحلة متقدمة من الصراع، ونجاح البلاشفة في تحويلها إلى منظمات مستأنسة، بعد أن قدموا لقادتها وعوداً بتقاسم الثروة والسلطة، ودفعوهم لمناشدة قواعدهم العمالية بوضع كل ما لديهم من قوة وجهد تحت أمر السلطة الجديدة، حتى تنتصر على أعداء الثورة، لكن نفاد صبر العمال وعدم صدق وعود البلاشفة جعلهم يقومون بمحاولات كثيرة لتشكيل منظمات بديلة مستقلة عن السلطة، خاصة بعد أن هيمن البلاشفة على تلك النقابات التي صارت متكلسة، وشعرت القوى العاملة بعدم جدوى الانتساب إليها.
الأفكار ووجهات النظر التي يقدمها تشوراكوف في كتابه هذا، هي الأولى من نوعها في ساحة السياسة الروسية؛ إذ تميط اللثام عن العلاقة المعقدة بين البروليتاريا والبلاشفة بعد ثورة أكتوبر، تلك العلاقة التي حاولت السلطة السوفياتية على الدوام حظر النشر فيها ومنع الدراسات العلمية عنها. وكانت تهدف من وراء ذلك إلى جعل رؤيتها لهذه العلاقة هي السائدة والمهيمنة والحاكمة لتاريخ الطبقة العاملة الروسية في مرحلة ما بعد الثورة، وقد راحت تنسب أي احتجاجات إلى أنصار الثورة المضادة، وهو ما فعلته بالضبط مع حركة هيئات مفوضي عمال المصانع والمعامل في بتروجراد والتي قام السوفيات بحلها استنادا إلى المزاعم نفسها، في يونيو (حزيران) 1918، أي بعد ثمانية أشهر من قيام الثورة.


مقالات ذات صلة

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».