ماكرون لا يريد أن يحصد «فشلاً» في زيارته الثانية إلى بيروت

يشارك في احتفالية «لبنان الكبير» ويلتقي فيروز ويزرع أرزة في أهمج

ماكرون في مرفأ بيروت غداة انفجار 4 أغسطس (تويتر ماكرون)
ماكرون في مرفأ بيروت غداة انفجار 4 أغسطس (تويتر ماكرون)
TT

ماكرون لا يريد أن يحصد «فشلاً» في زيارته الثانية إلى بيروت

ماكرون في مرفأ بيروت غداة انفجار 4 أغسطس (تويتر ماكرون)
ماكرون في مرفأ بيروت غداة انفجار 4 أغسطس (تويتر ماكرون)

مروحة واسعة من الاتصالات سيجريها الرئيس الفرنسي في زيارته الثانية إلى بيروت مساء الاثنين المقبل، إلى جانب المشاركة في احتفالات المئوية الأولى لإعلان لبنان الكبير من قصر الصنوبر في الأول من سبتمبر (أيلول) عام 1920.
ولأن للاحتفالية رمزية خاصة، فإن إيمانويل ماكرون، حسب مصادر الإليزيه، سيغرس أرزة عمرها خمس سنوات سيأتي بها من فرنسا، في غابة جاج الواقعة في قضاء جبيل (جبل لبنان الشمالي) التي تحتضن العديد من شجرات الأرز، لأنها ترمز إلى الاستمرار والديمومة وسيكون إلى جانبه، بهذه المناسبة، مجموعة من أطفال المدارس اللبنانية وتلك التي تحظى بدعم فرنسي. يضاف إلى ذلك أن التشكيلة الجوية الفرنسية التي تقوم بعروض في المناسبات الرسمية وتحديداً في العيد الوطني الفرنسي ستتوجه إلى لبنان، حيث ستقدم عرضاً جوياً يُبرز ألوان العلم الوطني اللبناني الذي تتوسطه الأرزة.
كذلك، فإن الرئيس الفرنسي الذي سيصل إلى لبنان مساء الاثنين القادم، سيلتقي السيدة فيروز لما تمثله بالنسبة إلى لبنان والعالم العربي من رمزية، وأن اللقاء معها يعكس «إعجاب وتقدير» الرئيس الفرنسي لها. ومن البادرات الرمزية أن القطعة الحربية الفرنسية المسماة «لا تونير»، وصلت إلى مرفأ بيروت بالتزامن مع وجود ماكرون في العاصمة اللبنانية، حاملةً أطناناً من المساعدات والآليات التي ستُستخدم من أجل التعجيل بإعادة تأهيل المرفأ المتضرر بفعل الانفجارات الكبيرة التي ضربته في 4 الجاري.
ويتضمن برنامج ماكرون، بعد غرس الأرزة صباح الثلاثاء، زيارة المرفأ ولقاء ممثلي الجمعيات غير الحكومية الناشطة في المرفأ والمناطق المتضررة وكذلك ممثلين عن وكالات الأمم المتحدة لتفتح بعدها الصفحة السياسية للقاء مع عون يعقبه غداء رسمي تتمنى باريس أن يكون جامعاً لكل القوى السياسية ولممثلين عن المجتمع المدني. ويرصد البرنامج لقاءً مع الرئيس بري وزيارة مستشفى الحريري الذي كان الأكثر نشاطاً في معالجة المصابين بوباء «كوفيد - 19»، وفي قصر الصنوبر، سيجتمع ماكرون بالبطريرك الماروني بشارة الراعي.

- «حكومة مهمات»
يعود ماكرون إلى لبنان وهو عازم على «الحصول على نتائج» وفق مصادر الإليزيه أمس، في معرض تقديمها للزيارة، معتبرة أنها تندرج في «إطار الضغوط» التي تمارسها فرنسا لدفع الطبقة السياسية اللبنانية للتجاوب مع المطالب المحلية والدولية الدافعة باتجاه ملء الفراغ المؤسساتي والوصول إلى تشكيل «حكومة مهمات». ويبدو أن اقتراب موعد الزيارة قد أثمر تحديد رئاسة الجمهورية موعد الاستشارات النيابية يوم الاثنين، أي يوم وصول ماكرون إلى بيروت. ورأى الإليزيه أن الذين روجوا لتراجع ماكرون عن زيارته الثانية، فإنما «لرغبتهم بعد احترام التزاماتهم». ولذا، يريد أن يتأكد من «مدى العمل بالالتزامات» التي تعهد بها الفرقاء السياسيون اللبنانيون إزاءه بعد مرور 25 يوماً على لقائه معهم المرة الأولى. وقال مصدر فرنسي رفيع المستوى إن «خطة» ماكرون تقوم على «تجميد النزاعات السياسية لإتاحة المجال، في العام أو العامين القادمين، وحتى موعد الانتخابات النيابية، لقيام حكومة نظيفة وفاعلة وقادرة على وضع الإصلاحات المعروفة موضع التنفيذ وأن تُمكن عبرها الأطراف (الخارجية) الراغبة بتوفير الدعم للبنان من القيام بذلك». وحسب باريس، يتعين أن تكون التزامات الإصلاح الضرورية هي أساس البيان الوزاري الذي يفترض أن تتقدم به الحكومة لنيل الثقة من المجلس النيابي. وستكون من بين مهمات الرئيس الفرنسي معرفة الجهات التي تود أن تكون جزءاً من هذه الحكومة أو مستعدة لدعمها في البرلمان.
إزاء المعلومات المتداولة عن استعداد فرنسي لاستضافة السياسيين اللبنانيين، رأت المصادر الرئاسية أن التركيز اليوم على الحكومة العتيدة، و«كل شيء في أوانه»، تاركة الأبواب مفتوحة لبادرة من هذا النوع. وتضيف هذه المصادر أنه في «حال قيام حكومة مهمات، سوف نعمل مع آخرين على توفير الدعم الدولي الضروري ليس فقط من أجل معالجة الأوضاع الطارئة المترتبة على انفجار المرفأ، بل لمعالجة الوضع الاقتصادي والمالي والقيام بالإصلاحات البنيوية التي أُجّلت لأسباب سياسية»، في إشارة لما جاء به مؤتمر «سيدر» ربيع عام 2018، والتعهدات التي تقدم بها الوفد اللبناني وقتها ولم يتحقق منها شيء.
وقبل وصوله إلى بيروت، سيقوم ماكرون بمجموعة من الاتصالات «اللبنانية» أهمها برئيسي الجمهورية والبرلمان (ميشال عون ونبيه بري) وبرئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وبآخرين، تمهيداً للزيارة. لكنه منذ زيارته الأولى لبيروت، عمد إلى التواصل مع الجهات المؤثرة في لبنان وقد شملت، حسب مصادره، الرئيس الأميركي ورئيس المجلس الأوروبي والمستشارة الألمانية وولي العهد السعودي وولي عهد أبوظبي والرئيس الإيراني وأمير قطر وآخرين، وذلك في إطار المشاورات من أجل توفير نوع من التوافق الدولي حول لبنان ودعم المهمة التي يقوم بها. وحسب الإليزيه، فإن «هناك رؤى مختلفة بين الأطراف» ولكن ثمة «توافق على تجميد الحرب السياسية والتركيز على معالجة الأزمات الملحة وقبول مبدأ أنه، من غير ذلك، لا أحد سيكون رابحاً والجميع سيكونون خاسرين». وتشدد باريس علن أن التواصل مع واشنطن غرضه «التأكد من أننا نسير في الاتجاه نفسه رغم اختلاف الرؤى» ومن بينها وجود «حزب الله» في الحكومة فيما تسعى واشنطن لفرض مزيد من العقوبات عليه وعزله في إطار عملية ليّ الذراع القائمة بينها وبين إيران.

- تجنب لعبة الأسماء
لا تريد باريس، أقله رسمياً، أن تدخل في لعبة الأسماء المرشحة لرئاسة الحكومة أو الدخول إلى الوزارة. لكن ثمة مسائل «إشكالية» في المقاربات، ومنها وجود «حزب الله» في الحكومة. وبهذا الخصوص لم يتغير الموقف الفرنسي وفحواه أن باريس «تتعامل مع الواقع السياسي الموجود» ومنه «حزب الله» الذي تدعوه باريس إلى أن «يمتنع عن القيام بأي عمل من شأنه التصعيد مع إسرائيل مثلما حصل في عام 2006». ويُفهم أن فرنسا لا تعارض وجود «حزب الله» أو من هو قريب منه في الحكومة القادمة التي ستكون بحاجة «لدعم» سعد الحريري الذي أعلن أنه ليس مرشحاً بمعنى أن «يغطيها» سُنياً بحيث لا تستنسخ حالة رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب. وعملياً، تريد باريس حكومة جامعة من الأطراف الراغبة في السير في العملية الإصلاحية، وفي التنكب لإعادة بناء المرفأ وما تهدم بسبب الانفجارات، ومحاربة وباء «كوفيد - 19»، ومعالجة الوضعين الاقتصادي والمالي وما يتطلبه من إصلاحات ضرورية، والتحضير للانتخابات التي من شأنها أن «تفتح أفقاً سياسياً جديداً». بيد أن المصادر الرئاسية لم تبيّن ما إذا كانت تراها مبكرة أو في مواعيدها. وبالنسبة للبنك المركزي، ترى فرنسا أنه «جزء من منظومة استُهلكت وثمة حاجة للتغيير بسبب مجموعة من العوامل». وفي تناولها لهذا الملف الشائك، ترى ضرورة القيام بالتدقيق المالي والجنائي، كما أنها تشدد على الحاجة إلى تغيير الممارسات المالية ومنها: استخدام المال العام لمصلحة جميع اللبنانيين، وإجراء إصلاحات عميقة لقطاع الطاقة والكهرباء والجمارك، والتأكد من تحصيل ما يتوجب للدولة، كاشفةً أن البنك المركزي الفرنسي يتعاون مع نظيره اللبناني لتقديم المساعدة... وعزت الفشل في توصل لبنان إلى تفاهم مع صندوق النقد الدولي «لأسباب سياسية».
هكذا تبدو الرؤية السياسية الفرنسية للواقع السياسي اللبناني اليوم ولما تريد فرنسا القيام به. ولخصت المصادر الفرنسية نهج ماكرون بقولها إنه «لن يترك اللبنانيين يعملون على هواهم»، والأرجح أنه يستلهم التجارب السابقة المخيبة للآمال وهو لا يريد أن يحصد فشلاً في ملف استثمر فيه الوقت والجهد ليس رغبةً في الشؤون اللبنانية بل لأن اللبنانيين هم من يطلب المساعدة.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.