«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

أول تشكيلة وزارية من دون أحزاب أو «ثوريين»

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس
TT

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

نجح الرئيس التونسي قيس سعيّد والمقربون منه في خلط المشهد السياسي والمساهمة في تغييره بقوة لصالحهم، وكذلك استبعاد كل الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية و«الثوريين»، عند اختيار رئيس الحكومة الجديد هشام المشيشي وفريقه. وفي حين اعتبرت بعض قيادات الأحزاب هذه الخطوة «انقلاباً على البرلمان (مجلس النواب) والشرعية الانتخابية»، اعتبر كثير من المراقبين أن حكومة «الكفاءات المستقلة»، برئاسة وزير الداخلية في الحكومة المستقيلة، ستكون حقاً «حكومة الرئيس»، رغم أنه لا وجود هذه التسمية في الدستور والقانون.
وإذ تباينت ردود الفعل على التشكيلة الوزارية المعلنة، التي ضمّت شخصيات من المقرّبين من الرئيس سعيّد ومستشاريه في قصر قرطاج، فإن كل المؤشرات ترجح أن يمنحها البرلمان الثقة كي يتجنب «سيناريو» حلّه، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة.
ويبقى أن التحدي الكبير اليوم هو: هل ستنجح هذه الحكومة في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والإقلاع الاقتصادي... أم يحصل العكس فتفشل بسبب افتقارها لحزام برلماني وحزبي يدعمها واستفحال الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية؟
كشفت تصريحات غالبية قيادات الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية التونسية ورود فعلها الأولية انتقادات بالجملة لتشكيلة حكومة هشام المشيشي الجديدة. واعتبرت غالبية هذه القيادات الحكومة «تابعة لقيس سعيّد ومستشاريه»، وانتقدت ما وصفته بـ«تضخّم دور قصر قرطاج (الرئاسي)»، في بلد اختار منذ المصادقة على دستور يناير (كانون الثاني) 2014 «النظام البرلماني المعدل». أيضاً رأت هذه القيادات أن «النظام الرئاسي» سيؤدي بالضرورة إلى الحكم الفردي والاستبداد والقمع، على غرار ما حصل في تونس إبان عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، بين 1957 ونهاية 2010.
- حملة ضد قصري قرطاج والقصبة
في سياق متصل، شنّ العديد من مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً حملة إعلامية عنيفة ضد سعيّد والمشيشي بسبب «إصرارهما على استبعاد» مرشحي قيادات الأحزاب والكتل البرلمانية من التشكيلة الجديدة، ومسايرة التقييمات السائدة عن اتهام قيادات بعض الأحزاب بالفساد ونقص الخبرة والكفاءة. فقد اتهم قياديون من أحزاب «التيار الديمقراطي» و«الشعب» و«حركة النهضة» و«ائتلاف الكرامة» مقرّبين من قيس سعيد بـ«تجاهل نتائج الانتخابات البرلمانية» و«الانقلاب على إرادة ملايين الناخبين».
وتوقّع الكاتب عبد اللطيف العلوي، النائب عن «ائتلاف الكرامة»، الفشل لهذه التشكيلة الحكومية في حال فوزها بالثقة «مؤقتاً». في حين وصف زعيم حزب «الشعب» القومي زهير المغزاوي التشكيلة التي أقصت الأحزاب بـ«حكومة الخوف»، قاصداً أنها الحكومة التي سيصادق عليها النواب «خوفاً من حل البرلمان وإحداث فراغ سياسي كبير على مستوى السلطتين التشريعية والتنفيذية».
كذلك، أخذ نواب وساسة آخرون على التشكيلة تأكيدها تجاهل كل من سعيّد والمشيشي قيادات الأحزاب والكتل البرلمانية التي عُقدت معها عدة «جلسات تشاور صورية» طوال الأسابيع الماضية. وهو ما قاله هشام العجبوني رئيس كتلة حزب «التيار الديمقراطي» اليساري في البرلمان، والصادق جبنون الناطق الرسمي باسم حزب «قلب تونس»، ومحمد القوماني البرلماني وعضو المكتب السياسي لحزب «حركة النهضة».
أيضاً اتهم بعض الساسة، بينهم سيد الفرجاني، عضو البرلمان عن «حركة النهضة»، الرئيس قيس سعيّد ومستشاريه في قصر قرطاج بتعيين مزيد من زملائهم السابقين في الجامعة وفي كليات الحقوق على رأس عدة وزارات، فكانت الحصيلة الأولية «انقلاباً على البرلمان وعلى الحياة الحزبية، وإسناد نحو ثلث الحقائب الحكومية إلى خبراء قانون وشخصيات، بعضهم كانوا من بين طلبة سعيّد وزملائه في أسرة التدريس والبحث في الجامعة».
- احترام الدستور
غير أن مقرّبين من الرئيس قيس سعيّد ومناصرين لتشكيلة حكومة هشام المشيشي، رفضوا هذه الاتهامات، ونوّهوا بكفاءة جلّ أعضائها وبـ«حرص رئيس الجمهورية على احترام نص الدستور، في الوقت الذي أراد فيه تدارك الثغرات التي برزت العام الماضي بسبب الصراعات الهامشية بين الأحزاب داخل البرلمان والحكومة»، على حد تعبير نوفل سعيّد المحامي والخبير الدولي في القانون الدستوري وشقيق الرئيس التونسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
أيضاً، أثنى أمين محفوظ، أستاذ القانون الدستوري، على اختيار المشيشي غالبية الوزراء من بين المستقلين عن كل الأحزاب، وبممارسة رئيس الجمهورية حقه في اختيار وزيري الخارجية والدفاع، وفي إعطاء رأي بكامل التشكيلة، قبل توجيه مراسلته إلى البرلمان للمصادقة عليها.
ورفض الأميرال المتقاعد محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمرك)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يعني تعيين «كفاءات مستقلة في الحكومة الجديدة ترذيلاً للأحزاب وللانتخابات». وتابع المؤدب أن البلاد في حاجة فورية إلى «هدنة سياسية وأمنية واجتماعية، لإعادة هيبة الدولة، وفرض تطبيق القانون في كامل البلاد، ومنع تعطيل إنتاج (الفوسفاط) والمحروقات والسير العادي لمؤسسات الإنتاج والتصدير والخدمات العمومية».
وفي الاتجاه نفسه، نوه الأميرال كمال العكروت، المستشار العسكري والأمني السابق للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، بـ«انحياز» سعيّد والمشيشي «إلى الكفاءات المستقلة بعدما فشلت الأحزاب والنخب السياسية التقليدية في إنقاذ البلاد من أزماتها المتراكمة منذ 10 سنوات».
- حكومة الفرصة الأخيرة؟
من جهة ثانية، رأى عدد من المراقبين والخبراء عن أن الحكومة الجديدة قد تكون «حكومة الفرصة الأخيرة»، لأن رئيسها وعدداً كبيراً من أعضائها من خريجي كليات القانون والمدرسة العليا للإدارة، ولديهم خبرة في الوظيفة العمومية. وحول هذه النقطة رحب الأكاديمي والديلوماسي سعيد بحيرة باختيار «شخصيات لها وزنها ورصيدها في الإدارة والبحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية الوطنية والدولية»، بينهم فتحي السلاوتي الذي أُسندت له حقيبة التربية، وألفة بن عودة التي أسندت إليها حقيبة التعليم العالي، ومعزّ شقشوق الذي أُسندت إليه حقيبة النقل واللوجيستيات، والحبيب عمار الذي أسندت إليه حقيبة السياحة.
كذلك، رحب الكاتب والإعلامي أحمد القابسي بإرجاع الزعيم النقابي محمد الطرابلسي إلى حقيبة الشؤون الاجتماعية «التي سيّرها بنجاح طوال 3 سنوات ونصف السنة»، واستفاد من رصيده النقابي ومن علاقاته مع أعضاء المركزية النقابية العمالية، التي كان عضواً فيها قبل «ثورة 2011»، ومع قيادات نقابات رجال الأعمال الصناعيين والتجار والفلاحين. ولقد كشف قرار إرجاع النقابي الطرابلسي إلى الحكومة - التي غادرها في مارس (آذار) الماضي عند تشكيل حكومة إلياس الفخفاخ - رهاناً جديداً من سعيّد والمشيشي على «التحالف بين بين المركزية النقابية العمالية ورئيس الجمهورية والمقرّبين منه في قصري قرطاج والقصبة، رداً على الانتقادات التي وجهها إليه قياديون في (النهضة) والبرلمان».
- نَفَس جديد للعلاقات الدولية
أما على صعيد العلاقات الخارجية، فقد رحّب عدد من المراقبين والدبلوماسيين بالشخصيات التي اختيرت على رأس وزارات السيادة في الحكومة الجديدة، وبالأخص، تعيين عثمان الجارندي، المستشار الدبلوماسي في قصر قرطاج ووزير الخارجية المستقل عن كل الأحزاب مجدداً على رأس الديلوماسية التونسية، وهو الذي سبق له أن أشرف عليها في 2013 بعد خبرة طويلة في عدد من سفارات تونس في الخارج. وكذلك تعيين محمد علي النفطي كاتب دولة للخارجية - وكيل وزير - وهو سفير ودبلوماسي له خبرة في عدة عواصم عربية وآسيوية وأوروبية، وسبق أن أشرف على عدة إدارات عامة في الخارجية من بينها الشؤون القنصلية والعلاقات الدولية.
وتوقع وزير الخارجية السابق أحمد ونيس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يثمر هذان التعيينان وبحقّ للحكومة الجديدة نقلة نوعية في علاقات تونس الخارجية، لأن الوزير ونائبه دبلوماسيان ناجحان معروفان. ولأنه سبق لوزير الخارجية الجديد تولي منصب المستشار الدبلوماسي للرئيس سعيّد خلال الأشهر الماضية. أي أنه يحظى بثقته خلافاً لوزير الخارجية السابق، وهو ما يمكنه من «التحرك بسرعة لتدارك بعض الثغرات، وبينها توظيف علاقات تونس الخارجية في خدمة مصالح البلاد الاقتصادية، والتعجيل بتسمية سفراء جدد في عواصم عدة مهمة لم يُعيَّن فيها سفير منذ مدة، من بينها باريس وبروكسل والرياض».
- ماذا عن الاستقلالية؟
في هذه الأثناء، يطرح مراقبون، منهم زياد كريشان رئيس تحرير صحيفة «المغرب» اليومية، علامات استفهام على «استقلالية بعض الوزراء»، ومن ثم، فرص نجاحهم في مهماتهم، ومن هؤلاء الوزراء المحامي توفيق شرف الدين الذي عُيّن وزيراً للداخلية، والقاضي محمد بوستة الذي عُيّن وزيراً للعدل، وأستاذ القانون إبراهيم البرتاجي الذي عُيّن وزيراً للدفاع. وتساءل البعض، بصفة خاصة، عن مدى استقلالية وزير الداخلية الجديد توفيق شرف الدين «بسبب تزعمه فريق حملة مساندة قيس سعيّد في الانتخابات الرئاسية الماضية في محافظة سوسة على الساحل التونسي»، كما جاء على لسان الإعلامية منية العرفاوي.
كما انتقد معارضون سياسيون مثل المنذر ثابت «تسمية مزيد من خبراء القانون وخريجي كليات الحقوق في الحكومة الجديدة، ما قد يجعل من رئيس الحكومة مجرّد وزير أول لدى رئيس الدولة، بينما يُفترض أنه يتمتع بـ90 في المائة من صلاحيات السلطة التنفيذية».
أما محسن مرزوق، رئيس حزب «مشروع تونس» اليساري والوزير المستشار سابقاً في عهد الرئيس الباجي قائد السبسي، فانتقد ما وصفه بـ«غياب الاستقرار في قمة وزارات السيادة، وخاصة في حقيبتي الخارجية والدفاع، رغم أن رئيس الجمهورية كان قد اختار الوزراء السابقين في حكومة إلياس الفخفاح مطلع العام الحالي».
- أقطاب وأقليات؟
مع كل ما سبق ذكره، ثمة مَن هو مقتنع بأن نقطة «القوة الأساسية في حكومة الرئيس الجديدة» أن رئيسها هشام المشيشي وغالبية وزرائها اختارهم الرئيس سعيّد والمقرّبون منه، خلافاً لحكومة الفخفاح الذي اختاره رئيس الجمهورية، لكنه سمح له بأن يعين الوزراء بالتشاور مع قيادات الأحزاب والبرلمان. في الاتجاه المقابل، يرى متابعون وذوو علاقة، مثل وزير الشؤون الاجتماعية العائد محمد الطرابلسي أن «من بين نقاط القوة في الحكومة الجديدة اعتماد سياسة الأقطاب الحكومية، وذلك عبر تجميع عدة وزارات في وزارة واحدة من بينها وزارة تشرف على أبرز الوزارات الاقتصادية والمالية، ولقد أسندت إلى رجل الأعمال والمسؤول البنكي الدولي علي الكعلي، الذي سبق له أن تولى مسؤوليات على رأس بنوك عربية ودولية في الخليج».
- السند السياسي والبرلماني
في مطلق الأحوال، وبصرف النظر عن المتفائلين بـ«حكومة الرئيس الثانية» والمتحفّظين عن «تضخّم دور مؤسسة رئاسة الجمهورية على حساب دور البرلمان والأحزاب» يُتوقع أن تواجه حكومة هشام المشيشي تحديات بالجملة، لعل أهمها حاجتها إلى دعم سياسي برلماني لضمان تمرير مشاريع القوانين والموازنة.
البعض يقلل من أهمية هذه التحديات، ويتوقع أن يستخدم الرئيس سعيّد صلاحيات منحها له الدستور، من بينها تفعيل «الفصل 80»، الذي يوسّع صلاحياته على حساب رئيس الحكومة ويسمح له باستصدار مراسيم لا توحد ضرورة لعرض على البرلمان في وقت لاحق بحجة «وجود البلاد أمام خطر داهم وفي حالة طوارئ».
وعلى الضفة الأخرى، لا يستبعد نفر من المعارضين، مثل عياض اللومي، رئيس لجنة المالية في البرلمان والقيادي في حزب «قلب تونس»، أن يمنح البرلمان الثقة للحكومة الجديدة ثم يسقطها بعد مدة وجيزة، عبر «لائحة سحب ثقة يوقعها 109 نواب أو أكثر، مع تعيين خليفة له من قبل البرلمان في اليوم نفسه». وبالتالي، فإن كل السيناريوهات واردة.
- مبادرات سياسية لإنقاذ «حكومة الخوف»؟
> حذّرت غالبية الأحزاب والكتل البرلمانية التونسية مبدئياً من إقصائها، ومن عواقب جعل البرلمان مجبراً على أن يصادق على «حكومة الخوف»، أي على تشكيلة وزارية لا يرحب بها ولا يوافق عليها، ليرى أنه سيُضطَر إلى تمريرها بسبب تخوف غالبية النواب والأحزاب على مواقعها، إذا ما قرر رئيس الجمهورية حل البرلمان.
مع هذا، انطلق ساسة بارزون من معظم الأحزاب في الدعوة إلى «مبادرات سياسية» تهدف إلى المصادقة على «حكومة الخوف» بشروط، مع اقتراح عدة آليات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتأزمة في تونس. وفي هذا السياق، رحّب عدد من قادة الأحزاب السياسية بينهم وزير الصحة السابق والقيادي في حزب «حركة النهضة»، عبد اللطيف المكّي، بمبادرة سياسية أطلقها زهير المغزاوي، الأمين العام لحزب «الشعب»، الذي أعلن أن نواب حزبه سيمنحون الثقة لحكومة المشيشي الجديدة، رغم انتقاداتهم السابقة له.
ومن بين ما جاء في وثيقة المبادرة التي تقدم بها حزب «الشعب» في تشخيص الوضع العام:
* أولاً، يوجد تباين واضح بين الفاعلين السياسيين بشأن الموقف من حكومة هشام المشيشي، مع التأكيد على وجاهة الحجج التي تقدّمها الأطراف المتباينة ومعقوليتها، فضلاً عن كون هذه الأطراف على اختلاف مقارباتها غير مطمئنة لمآلات الأوضاع، سواء حازت الحكومة ثقة البرلمان أم لم تحز:
- الداعمون: ليست لديهم ضمانات لاستمرار الحكومة أو نجاحها في إنجاز المهام المنتظرة منها أو تمرير مشاريع القوانين التي ستقترحها، إضافة إلى الخِشية من عدم التزام هشام المشيشي بتعهداته والتمسّك بالسلطة دون تحقيق أي إنجاز.
- الرافضون: ليست لديهم ضمانات حول مصير الوضع السياسي ومستقبل مجلس النواب في حال سقوط حكومة السيّد المشيشي.
* ثانياً: هناك أزمة اقتصاديّة وماليّة تزداد عمقاً وتشعّباً، وتُنذِر بالتحوّل إلى أزمة اجتماعية وأمنية لا قِبل لأحدٍ بمواجهتها، فضلاً عن التعقيدات والصعوبات الناجمة عن عودة انتشار فيروس «كورونا».
وعلى هذا الأساس اقترحت وثيقة المبادرة السياسية، بالخصوص:
* دعوة الفاعلين السياسيين إلى التوافق على منح الثِّقة للحكومة وفق الضّوابط التّالية:
- التزام رئيس الحكومة المـُكَلَّف بتقديم تصوّر واضح يضبط الإجراءات الكفيلة بوقف النّزيف الاقتصادي والمالي والاجتماعي، والتزامه كذلك بتسقيف عمل حكومته في أجل أقصاه سنة ونصف السنة يُصَار خلالها إلى التوافق بين الكتل البرلمانية على تركيز المحكمة الدستورية وتعديل النظام الانتخابي، لأن التقليد المعمول به في كل دول العالم أن حكومات الكفاءات تُشَكَّل استثناءً ضمن النّظم الديمقراطية التي تكون فيها الأحزاب السياسيّة هي رافعة الحكومات، ولا يحدث الاستثناء إلاّ في حالات الأزمات السياسيّة والاقتصادية، وتزول الحاجة لمثل هذه الحكومة مع بداية التعافي من الأزمة.
- التزام كل الأطراف بتنفيذ هدنة سياسيّة واجتماعيّة ومجتمعيّة إذا تم القبول بالإجراءات المـُعلَنة. وفي نهاية هذه الفترة يتم التوافق بين الأطراف السياسية على أحد الخيارات التالية:
1 - استمرار حكومة السيد المشيشي إلى نهاية العهدة البرلمانية، وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها الدستوري خريف 2024.
2 - في صورة تعثر حكومة المشيشي يمكن تكوين أغلبية برلمانية تتولى تشكيل حكومة سياسية، والذهاب مباشرة إلى تنظيم انتخاباتٍ تشريعيّة سابقة لأوانها.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟