«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

أول تشكيلة وزارية من دون أحزاب أو «ثوريين»

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس
TT

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

نجح الرئيس التونسي قيس سعيّد والمقربون منه في خلط المشهد السياسي والمساهمة في تغييره بقوة لصالحهم، وكذلك استبعاد كل الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية و«الثوريين»، عند اختيار رئيس الحكومة الجديد هشام المشيشي وفريقه. وفي حين اعتبرت بعض قيادات الأحزاب هذه الخطوة «انقلاباً على البرلمان (مجلس النواب) والشرعية الانتخابية»، اعتبر كثير من المراقبين أن حكومة «الكفاءات المستقلة»، برئاسة وزير الداخلية في الحكومة المستقيلة، ستكون حقاً «حكومة الرئيس»، رغم أنه لا وجود هذه التسمية في الدستور والقانون.
وإذ تباينت ردود الفعل على التشكيلة الوزارية المعلنة، التي ضمّت شخصيات من المقرّبين من الرئيس سعيّد ومستشاريه في قصر قرطاج، فإن كل المؤشرات ترجح أن يمنحها البرلمان الثقة كي يتجنب «سيناريو» حلّه، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة.
ويبقى أن التحدي الكبير اليوم هو: هل ستنجح هذه الحكومة في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والإقلاع الاقتصادي... أم يحصل العكس فتفشل بسبب افتقارها لحزام برلماني وحزبي يدعمها واستفحال الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية؟
كشفت تصريحات غالبية قيادات الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية التونسية ورود فعلها الأولية انتقادات بالجملة لتشكيلة حكومة هشام المشيشي الجديدة. واعتبرت غالبية هذه القيادات الحكومة «تابعة لقيس سعيّد ومستشاريه»، وانتقدت ما وصفته بـ«تضخّم دور قصر قرطاج (الرئاسي)»، في بلد اختار منذ المصادقة على دستور يناير (كانون الثاني) 2014 «النظام البرلماني المعدل». أيضاً رأت هذه القيادات أن «النظام الرئاسي» سيؤدي بالضرورة إلى الحكم الفردي والاستبداد والقمع، على غرار ما حصل في تونس إبان عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، بين 1957 ونهاية 2010.
- حملة ضد قصري قرطاج والقصبة
في سياق متصل، شنّ العديد من مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً حملة إعلامية عنيفة ضد سعيّد والمشيشي بسبب «إصرارهما على استبعاد» مرشحي قيادات الأحزاب والكتل البرلمانية من التشكيلة الجديدة، ومسايرة التقييمات السائدة عن اتهام قيادات بعض الأحزاب بالفساد ونقص الخبرة والكفاءة. فقد اتهم قياديون من أحزاب «التيار الديمقراطي» و«الشعب» و«حركة النهضة» و«ائتلاف الكرامة» مقرّبين من قيس سعيد بـ«تجاهل نتائج الانتخابات البرلمانية» و«الانقلاب على إرادة ملايين الناخبين».
وتوقّع الكاتب عبد اللطيف العلوي، النائب عن «ائتلاف الكرامة»، الفشل لهذه التشكيلة الحكومية في حال فوزها بالثقة «مؤقتاً». في حين وصف زعيم حزب «الشعب» القومي زهير المغزاوي التشكيلة التي أقصت الأحزاب بـ«حكومة الخوف»، قاصداً أنها الحكومة التي سيصادق عليها النواب «خوفاً من حل البرلمان وإحداث فراغ سياسي كبير على مستوى السلطتين التشريعية والتنفيذية».
كذلك، أخذ نواب وساسة آخرون على التشكيلة تأكيدها تجاهل كل من سعيّد والمشيشي قيادات الأحزاب والكتل البرلمانية التي عُقدت معها عدة «جلسات تشاور صورية» طوال الأسابيع الماضية. وهو ما قاله هشام العجبوني رئيس كتلة حزب «التيار الديمقراطي» اليساري في البرلمان، والصادق جبنون الناطق الرسمي باسم حزب «قلب تونس»، ومحمد القوماني البرلماني وعضو المكتب السياسي لحزب «حركة النهضة».
أيضاً اتهم بعض الساسة، بينهم سيد الفرجاني، عضو البرلمان عن «حركة النهضة»، الرئيس قيس سعيّد ومستشاريه في قصر قرطاج بتعيين مزيد من زملائهم السابقين في الجامعة وفي كليات الحقوق على رأس عدة وزارات، فكانت الحصيلة الأولية «انقلاباً على البرلمان وعلى الحياة الحزبية، وإسناد نحو ثلث الحقائب الحكومية إلى خبراء قانون وشخصيات، بعضهم كانوا من بين طلبة سعيّد وزملائه في أسرة التدريس والبحث في الجامعة».
- احترام الدستور
غير أن مقرّبين من الرئيس قيس سعيّد ومناصرين لتشكيلة حكومة هشام المشيشي، رفضوا هذه الاتهامات، ونوّهوا بكفاءة جلّ أعضائها وبـ«حرص رئيس الجمهورية على احترام نص الدستور، في الوقت الذي أراد فيه تدارك الثغرات التي برزت العام الماضي بسبب الصراعات الهامشية بين الأحزاب داخل البرلمان والحكومة»، على حد تعبير نوفل سعيّد المحامي والخبير الدولي في القانون الدستوري وشقيق الرئيس التونسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
أيضاً، أثنى أمين محفوظ، أستاذ القانون الدستوري، على اختيار المشيشي غالبية الوزراء من بين المستقلين عن كل الأحزاب، وبممارسة رئيس الجمهورية حقه في اختيار وزيري الخارجية والدفاع، وفي إعطاء رأي بكامل التشكيلة، قبل توجيه مراسلته إلى البرلمان للمصادقة عليها.
ورفض الأميرال المتقاعد محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمرك)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يعني تعيين «كفاءات مستقلة في الحكومة الجديدة ترذيلاً للأحزاب وللانتخابات». وتابع المؤدب أن البلاد في حاجة فورية إلى «هدنة سياسية وأمنية واجتماعية، لإعادة هيبة الدولة، وفرض تطبيق القانون في كامل البلاد، ومنع تعطيل إنتاج (الفوسفاط) والمحروقات والسير العادي لمؤسسات الإنتاج والتصدير والخدمات العمومية».
وفي الاتجاه نفسه، نوه الأميرال كمال العكروت، المستشار العسكري والأمني السابق للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، بـ«انحياز» سعيّد والمشيشي «إلى الكفاءات المستقلة بعدما فشلت الأحزاب والنخب السياسية التقليدية في إنقاذ البلاد من أزماتها المتراكمة منذ 10 سنوات».
- حكومة الفرصة الأخيرة؟
من جهة ثانية، رأى عدد من المراقبين والخبراء عن أن الحكومة الجديدة قد تكون «حكومة الفرصة الأخيرة»، لأن رئيسها وعدداً كبيراً من أعضائها من خريجي كليات القانون والمدرسة العليا للإدارة، ولديهم خبرة في الوظيفة العمومية. وحول هذه النقطة رحب الأكاديمي والديلوماسي سعيد بحيرة باختيار «شخصيات لها وزنها ورصيدها في الإدارة والبحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية الوطنية والدولية»، بينهم فتحي السلاوتي الذي أُسندت له حقيبة التربية، وألفة بن عودة التي أسندت إليها حقيبة التعليم العالي، ومعزّ شقشوق الذي أُسندت إليه حقيبة النقل واللوجيستيات، والحبيب عمار الذي أسندت إليه حقيبة السياحة.
كذلك، رحب الكاتب والإعلامي أحمد القابسي بإرجاع الزعيم النقابي محمد الطرابلسي إلى حقيبة الشؤون الاجتماعية «التي سيّرها بنجاح طوال 3 سنوات ونصف السنة»، واستفاد من رصيده النقابي ومن علاقاته مع أعضاء المركزية النقابية العمالية، التي كان عضواً فيها قبل «ثورة 2011»، ومع قيادات نقابات رجال الأعمال الصناعيين والتجار والفلاحين. ولقد كشف قرار إرجاع النقابي الطرابلسي إلى الحكومة - التي غادرها في مارس (آذار) الماضي عند تشكيل حكومة إلياس الفخفاخ - رهاناً جديداً من سعيّد والمشيشي على «التحالف بين بين المركزية النقابية العمالية ورئيس الجمهورية والمقرّبين منه في قصري قرطاج والقصبة، رداً على الانتقادات التي وجهها إليه قياديون في (النهضة) والبرلمان».
- نَفَس جديد للعلاقات الدولية
أما على صعيد العلاقات الخارجية، فقد رحّب عدد من المراقبين والدبلوماسيين بالشخصيات التي اختيرت على رأس وزارات السيادة في الحكومة الجديدة، وبالأخص، تعيين عثمان الجارندي، المستشار الدبلوماسي في قصر قرطاج ووزير الخارجية المستقل عن كل الأحزاب مجدداً على رأس الديلوماسية التونسية، وهو الذي سبق له أن أشرف عليها في 2013 بعد خبرة طويلة في عدد من سفارات تونس في الخارج. وكذلك تعيين محمد علي النفطي كاتب دولة للخارجية - وكيل وزير - وهو سفير ودبلوماسي له خبرة في عدة عواصم عربية وآسيوية وأوروبية، وسبق أن أشرف على عدة إدارات عامة في الخارجية من بينها الشؤون القنصلية والعلاقات الدولية.
وتوقع وزير الخارجية السابق أحمد ونيس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يثمر هذان التعيينان وبحقّ للحكومة الجديدة نقلة نوعية في علاقات تونس الخارجية، لأن الوزير ونائبه دبلوماسيان ناجحان معروفان. ولأنه سبق لوزير الخارجية الجديد تولي منصب المستشار الدبلوماسي للرئيس سعيّد خلال الأشهر الماضية. أي أنه يحظى بثقته خلافاً لوزير الخارجية السابق، وهو ما يمكنه من «التحرك بسرعة لتدارك بعض الثغرات، وبينها توظيف علاقات تونس الخارجية في خدمة مصالح البلاد الاقتصادية، والتعجيل بتسمية سفراء جدد في عواصم عدة مهمة لم يُعيَّن فيها سفير منذ مدة، من بينها باريس وبروكسل والرياض».
- ماذا عن الاستقلالية؟
في هذه الأثناء، يطرح مراقبون، منهم زياد كريشان رئيس تحرير صحيفة «المغرب» اليومية، علامات استفهام على «استقلالية بعض الوزراء»، ومن ثم، فرص نجاحهم في مهماتهم، ومن هؤلاء الوزراء المحامي توفيق شرف الدين الذي عُيّن وزيراً للداخلية، والقاضي محمد بوستة الذي عُيّن وزيراً للعدل، وأستاذ القانون إبراهيم البرتاجي الذي عُيّن وزيراً للدفاع. وتساءل البعض، بصفة خاصة، عن مدى استقلالية وزير الداخلية الجديد توفيق شرف الدين «بسبب تزعمه فريق حملة مساندة قيس سعيّد في الانتخابات الرئاسية الماضية في محافظة سوسة على الساحل التونسي»، كما جاء على لسان الإعلامية منية العرفاوي.
كما انتقد معارضون سياسيون مثل المنذر ثابت «تسمية مزيد من خبراء القانون وخريجي كليات الحقوق في الحكومة الجديدة، ما قد يجعل من رئيس الحكومة مجرّد وزير أول لدى رئيس الدولة، بينما يُفترض أنه يتمتع بـ90 في المائة من صلاحيات السلطة التنفيذية».
أما محسن مرزوق، رئيس حزب «مشروع تونس» اليساري والوزير المستشار سابقاً في عهد الرئيس الباجي قائد السبسي، فانتقد ما وصفه بـ«غياب الاستقرار في قمة وزارات السيادة، وخاصة في حقيبتي الخارجية والدفاع، رغم أن رئيس الجمهورية كان قد اختار الوزراء السابقين في حكومة إلياس الفخفاح مطلع العام الحالي».
- أقطاب وأقليات؟
مع كل ما سبق ذكره، ثمة مَن هو مقتنع بأن نقطة «القوة الأساسية في حكومة الرئيس الجديدة» أن رئيسها هشام المشيشي وغالبية وزرائها اختارهم الرئيس سعيّد والمقرّبون منه، خلافاً لحكومة الفخفاح الذي اختاره رئيس الجمهورية، لكنه سمح له بأن يعين الوزراء بالتشاور مع قيادات الأحزاب والبرلمان. في الاتجاه المقابل، يرى متابعون وذوو علاقة، مثل وزير الشؤون الاجتماعية العائد محمد الطرابلسي أن «من بين نقاط القوة في الحكومة الجديدة اعتماد سياسة الأقطاب الحكومية، وذلك عبر تجميع عدة وزارات في وزارة واحدة من بينها وزارة تشرف على أبرز الوزارات الاقتصادية والمالية، ولقد أسندت إلى رجل الأعمال والمسؤول البنكي الدولي علي الكعلي، الذي سبق له أن تولى مسؤوليات على رأس بنوك عربية ودولية في الخليج».
- السند السياسي والبرلماني
في مطلق الأحوال، وبصرف النظر عن المتفائلين بـ«حكومة الرئيس الثانية» والمتحفّظين عن «تضخّم دور مؤسسة رئاسة الجمهورية على حساب دور البرلمان والأحزاب» يُتوقع أن تواجه حكومة هشام المشيشي تحديات بالجملة، لعل أهمها حاجتها إلى دعم سياسي برلماني لضمان تمرير مشاريع القوانين والموازنة.
البعض يقلل من أهمية هذه التحديات، ويتوقع أن يستخدم الرئيس سعيّد صلاحيات منحها له الدستور، من بينها تفعيل «الفصل 80»، الذي يوسّع صلاحياته على حساب رئيس الحكومة ويسمح له باستصدار مراسيم لا توحد ضرورة لعرض على البرلمان في وقت لاحق بحجة «وجود البلاد أمام خطر داهم وفي حالة طوارئ».
وعلى الضفة الأخرى، لا يستبعد نفر من المعارضين، مثل عياض اللومي، رئيس لجنة المالية في البرلمان والقيادي في حزب «قلب تونس»، أن يمنح البرلمان الثقة للحكومة الجديدة ثم يسقطها بعد مدة وجيزة، عبر «لائحة سحب ثقة يوقعها 109 نواب أو أكثر، مع تعيين خليفة له من قبل البرلمان في اليوم نفسه». وبالتالي، فإن كل السيناريوهات واردة.
- مبادرات سياسية لإنقاذ «حكومة الخوف»؟
> حذّرت غالبية الأحزاب والكتل البرلمانية التونسية مبدئياً من إقصائها، ومن عواقب جعل البرلمان مجبراً على أن يصادق على «حكومة الخوف»، أي على تشكيلة وزارية لا يرحب بها ولا يوافق عليها، ليرى أنه سيُضطَر إلى تمريرها بسبب تخوف غالبية النواب والأحزاب على مواقعها، إذا ما قرر رئيس الجمهورية حل البرلمان.
مع هذا، انطلق ساسة بارزون من معظم الأحزاب في الدعوة إلى «مبادرات سياسية» تهدف إلى المصادقة على «حكومة الخوف» بشروط، مع اقتراح عدة آليات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتأزمة في تونس. وفي هذا السياق، رحّب عدد من قادة الأحزاب السياسية بينهم وزير الصحة السابق والقيادي في حزب «حركة النهضة»، عبد اللطيف المكّي، بمبادرة سياسية أطلقها زهير المغزاوي، الأمين العام لحزب «الشعب»، الذي أعلن أن نواب حزبه سيمنحون الثقة لحكومة المشيشي الجديدة، رغم انتقاداتهم السابقة له.
ومن بين ما جاء في وثيقة المبادرة التي تقدم بها حزب «الشعب» في تشخيص الوضع العام:
* أولاً، يوجد تباين واضح بين الفاعلين السياسيين بشأن الموقف من حكومة هشام المشيشي، مع التأكيد على وجاهة الحجج التي تقدّمها الأطراف المتباينة ومعقوليتها، فضلاً عن كون هذه الأطراف على اختلاف مقارباتها غير مطمئنة لمآلات الأوضاع، سواء حازت الحكومة ثقة البرلمان أم لم تحز:
- الداعمون: ليست لديهم ضمانات لاستمرار الحكومة أو نجاحها في إنجاز المهام المنتظرة منها أو تمرير مشاريع القوانين التي ستقترحها، إضافة إلى الخِشية من عدم التزام هشام المشيشي بتعهداته والتمسّك بالسلطة دون تحقيق أي إنجاز.
- الرافضون: ليست لديهم ضمانات حول مصير الوضع السياسي ومستقبل مجلس النواب في حال سقوط حكومة السيّد المشيشي.
* ثانياً: هناك أزمة اقتصاديّة وماليّة تزداد عمقاً وتشعّباً، وتُنذِر بالتحوّل إلى أزمة اجتماعية وأمنية لا قِبل لأحدٍ بمواجهتها، فضلاً عن التعقيدات والصعوبات الناجمة عن عودة انتشار فيروس «كورونا».
وعلى هذا الأساس اقترحت وثيقة المبادرة السياسية، بالخصوص:
* دعوة الفاعلين السياسيين إلى التوافق على منح الثِّقة للحكومة وفق الضّوابط التّالية:
- التزام رئيس الحكومة المـُكَلَّف بتقديم تصوّر واضح يضبط الإجراءات الكفيلة بوقف النّزيف الاقتصادي والمالي والاجتماعي، والتزامه كذلك بتسقيف عمل حكومته في أجل أقصاه سنة ونصف السنة يُصَار خلالها إلى التوافق بين الكتل البرلمانية على تركيز المحكمة الدستورية وتعديل النظام الانتخابي، لأن التقليد المعمول به في كل دول العالم أن حكومات الكفاءات تُشَكَّل استثناءً ضمن النّظم الديمقراطية التي تكون فيها الأحزاب السياسيّة هي رافعة الحكومات، ولا يحدث الاستثناء إلاّ في حالات الأزمات السياسيّة والاقتصادية، وتزول الحاجة لمثل هذه الحكومة مع بداية التعافي من الأزمة.
- التزام كل الأطراف بتنفيذ هدنة سياسيّة واجتماعيّة ومجتمعيّة إذا تم القبول بالإجراءات المـُعلَنة. وفي نهاية هذه الفترة يتم التوافق بين الأطراف السياسية على أحد الخيارات التالية:
1 - استمرار حكومة السيد المشيشي إلى نهاية العهدة البرلمانية، وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها الدستوري خريف 2024.
2 - في صورة تعثر حكومة المشيشي يمكن تكوين أغلبية برلمانية تتولى تشكيل حكومة سياسية، والذهاب مباشرة إلى تنظيم انتخاباتٍ تشريعيّة سابقة لأوانها.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.