العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

الحلفاء والخصوم والشركاء يعيدون النظر في حساباتهم

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي
TT

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

خلال أسبوع واحد، عقد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي «قمة»، وُصفت بالناجحة، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب تناولت العلاقات الثنائية بين البلدين «الشريكين»، وفق العرف العراقي، و«الحليفين»، بالمصطلح الأميركي. ومع أن المباحثات تناولت أطر الحوار الاستراتيجي الذي بدأت جولته الثانية، وهو ما يعوِّل عليه الجانبان في رسم ملامح العلاقة المستقبلية بينهما، فإن أطرافاً أخرى - سواء في الداخل من خصوم الكاظمي أو في المنطقة، ولا سيما إيران - لا تنظر بعين الرضا عن هذا الحوار.
خصوم الكاظمي في الداخل ممن كانوا يمطرون «المنطقة الخضراء» والتاجي والمطار بصواريخ «الكاتيوشا» توقفوا عن إطلاق هذه الصواريخ أثناء زيارة الكاظمي إلى واشنطن وبعدها، من دون معرفة الأسباب. وبينما كان الكاظمي يحزم حقائبه للعودة إلى بغداد طلب منه الديمقراطيون، خصوم الجمهوريين في «الكونغرس» الأميركي، تمديد زيارته يوماً واحداً. وحقاً، التقى رئيس الوزراء العراقي رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وإن لم يسمع منها كلاماً يختلف في الإطار العام عما سمعه من خصمها اللدود دونالد ترمب.
في الرحلة من واشنطن إلى بغداد، عاد مصطفى الكاظمي مطمئناً إلى أن الولايات المتحدة الأميركية «دولة مؤسسات». وبالتالي، لن تتأثر كثيراً بتغيير الإدارة... جمهورية كانت أم ديمقراطية في الملفات الاستراتيجية. وفي أسبوع الزيارة نفسه، وبينما كانت طائرة الكاظمي فوق المحيط الأطلسي سلم الأميركيون معسكر التاجي حيث يتمركزون في جزء من تلك القاعدة إلى العراقيين، كجزء من إثبات حسن النية بشأن جدوَلة الانسحاب الأميركي من العراق، على مدى 3 سنوات، التي بحثها مع ترمب.
- معاناة البصرة
ولكن، قبل أن تحط الطائرة في مطار بغداد من رحلتها الطويلة، كانت البصرة كبرى مدن الجنوب العراقي تحترق، وكانت الطبيبة الشابة رهام يعقوب قد قتلت. من مطار بغداد حيث حطت الطائرة الآتية من واشنطن. لم يتغير شيء سوى أعضاء الوفد المرافق للكاظمي. فالوفد العائد من واشنطن توجّه إلى بغداد، بينما كان وفد آخر ينتظر عند باب الطائرة يضم وزير الداخلية ومستشار جهاز الأمن الوطني ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، من أجل مهمة أخرى لن تستغرق هذه المرة سوى 45 دقيقة، بينما استغرقت الرحلة من واشنطن إلى بغداد 12 ساعة. كانت هذه الرحلة إلى البصرة التي وصل إليها الكاظمي متعهداً بتحقيق الأمن والعدالة معاً.
- القمة الثلاثية في عمّان
في الأسبوع نفسه، كان على الكاظمي أن يحزم حقائبه مرة أخرى، لكن للمشاركة في قمة لفتت الأنظار بقوة هي «قمة عمّان»، في العاصمة الأردنية، التي جمعته مع الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. أما الهدف فهو ما أطلق عليه رئيس الوزراء العراقي مشروع «المشرق الجديد». وبالتزامن، أعلنت إيران عزمها إجراء «حوار استراتيجي» مع العراق. لا أحد يعرف طبيعة هذه الخطوة الإيرانية، وما المقصود بهذا الحوار الاستراتيجي، وما إذا كان على غرار الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية. بين كل هذا وذاك وعلى مدى الأسبوع الحاسم المكلل بالقمم واللقاءات والزيارات والتحولات، بقيت جبهة الصواريخ هادئة.
- هدنة «الكاتيوشا»
في أي حال، رغم البيان الشديد اللهجة الذي أصدرته الفصائل المسلحة بشأن النتائج التي انتهت إليها زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، كانت المفارقة اللافتة أن الفصائل التي كانت أعلنت في بيان لها أنها «سترفع مستوى المواجهة مع الأميركيين في العراق» توقفت عن إطلاق الكاتيوشا، وهو ما جعل عملية تسليم الأميركيين لقاعدة التاجي (شمال بغداد) وإنسحابهم الذي أخذ صيغة إعادة الانتشار عملية هادئة تماماً.
بشأن عملية إعادة الإنتشار يقول الخبير الاستراتيجي العراقي الدكتور معتز محيي الدين، رئيس المركز الجمهوري للدراسات السياسية والمتخصص بالشؤون الأمنية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب ربط موضوع انسحاب القوات الأميركية من العراق بموضوع آخر، حين قال إن الحكومة العراقية تصبح قادرة على حماية أمنها الداخلي. وحدد الإعداد لذلك على ضوء هذه الحالة، التي تُعتبر حالةً غير طبيعية في الوقت الحاضر، فضلاً عن وجود (داعش) وما يشكله من مخاطر». وأضاف أن «ترمب ووزير خارجيته مايك بومبيو حين التقيا الكاظمي كانت رؤيتهم متطابقة في موضوع الانسحاب الأميركي، وقد تم تحديده بتوقيتات، حسب رأي الخبراء الأمنيين بقدرة العراق وقدرة الأطراف السنّية التي تطالب بإبقاء الوجود الأميركي لحماية أمن مناطقها حالياً». وأردف أن «أكثر من طرف سياسي أوصل رسالة للجانب الأميركي بضرورة بقائهم؛ لأنهم لا يستطيعون توفير الحماية لمناطقهم بأنفسهم في ضوء قدرة الفصائل المقرّبة من إيران على ضرب وزعزعة المدن السنّية». ثم أوضح الأمور في ضوء هذه الرؤى فإننا حيال وضع جديد، إذ إن الأميركيين يحاولون حالياً إعادة الانتشار مرة ثانية، وهو ما يعني أن القوات الأميركية تناور هنا وهناك، حسب حاجة القوات العراقية في التدريب والتأهيل وإدارة هذه القوات في مرحلة لاحقة طبقاً للاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن انسحابهم من التاجي، وقبل شهر من موقع آخر، هو بسماية، يدل أن القوات الأميركية تأخذ أسلوب المناورة والتكتيك بوضع خطط جديدة في هذا المجال.
لكن الفصائل الرافضة أعلنت، في بيانها الذي حمل اسم «فصائل المقاومة الإسلامية»، وهي المصنّفة بقربها من إيران، أنها كانت تنتظر النتائج، مثلما وعد الكاظمي قبيل زيارته بشأن جدولة الانسحاب الأميركي من العراق. وبيّنت أنها كانت تتوقع أن «يجعل على رأس أولوياته تنفيذ قرار الشعب العراقي الذي خرج بتظاهرات مليونية. واتخذ قراره بأن وجود الاحتلال الأميركي وخرابه ودماره وتمويله للإرهاب وصناعة الأزمات، وخلق الفوضى، ليعيث في اقتصاد العراق وأرضه فساداً وينهب خيراته (حسب البيان)، يجب أن ينتهي». وأضاف البيان أن المفاجأة كانت أن «زيارة رئيس الوزراء لم تتضمن تنفيذ قرار إخراج القوات المحتلة الأميركية بشكل كامل، ونعد ذلك التفافاً على سيادة العراق». وعليه، حذّرت هذه الفصائل من أن «عودة رئيس الوزراء من غير تحقيق قرار الشعب والبرلمان والحكومة، وما قطعه من وعد على نفسه بإنهاء الاحتلال» سيجعلها تنتقل «من مرحلة العمل المقاوم التدريجي السابق، ومنح فرصة للحوار السياسي إلى مرحلة التصعيد واستهداف كل المصالح الأميركية».
- تأسيس جديد للعلاقات
إيقاع عمل مصطفى الكاظمي المتسارع - بالقياس إلى أسلافه رؤساء الحكومات السابقة في العراق - جعلت الحلفاء والخصوم، وبينهم الشركاء يعيدون النظر بحساباتهم حيال هذه الخطوات، بما في ذلك إعلانه موعداً مبكراً للانتخابات لم تكن تتوقعه القوى السياسية... سواء تلك التي تحمّست لمجيئه إلى السلطة أو التي وجدت نفسها مرغَمة على القبول به. ومع أن الكاظمي رمى الكرة في ملعب القوى السياسية التي لم تتمكن بعد من حسم قانون الانتخابات الجديد، فإنه أخذ على عاتقه صياغة توجهات السياسة الخارجية للعراق على أسس جديدة. فمن لقاءات مكثفة ومثمرة في البيت الأبيض، انتقل فور عودته إلى بغداد إلى الأردن لحضور القمة الثلاثية مع الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي طارحاً مشروع «المشرق الجديد»، الذي بدأ يثير مخاوف القوى السياسية التي جاءت به إلى السلطة، وعلى رأسها الكتل الشيعية.
وحول المدى الذي يمكن أن تصل إليه العلاقات الخارجية للعراق، وبالذات زيارة الكاظمي إلى واشنطن، يقول الدكتور ظافر العاني، عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي لـ«الشرق الأوسط» إنه «بغضّ النظر عن التهويل غير المبرّر في نتائج زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، أو التهوين المقصود من إنجازاتها، فإن هذه الزيارة تبقى بداية ناجحة بكل المقاييس». وأضاف أن «اكتمال نتائجها يبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على إجراء إصلاحات فعالة، ومن دون توقف، لكسب ثقة المجتمع الدولي من جهة، ودعم العراقيين لها من جهة أخرى».
ومن جهته، يرى الدكتور خالد عبد الإله، عميد كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ببغداد لـ«الشرق الأوسط» أن «الملف العراقي مهم على صعيد الانتخابات الأميركية التي باتت على الأبواب، خصوصاً أن زيارة الكاظمي جاءت في وقت حساس على صعيد الصراعات الإقليمية الحالية. وبالتالي، فإن ترمب سيسعى إلى استثمار هذه الزيارة، لا سيما بعد حسم الديمقراطيين ترشيح جو بايدن رسمياً للانتخابات الرئاسية». أيضاً يرى الدكتور عبد الإله إن «اختلاف الأولويات والمفاهيم هو الذي يهيمن على الزيارة، سواءً لجهة عدم حسم توصيف العراق أميركياً الآن لجهة كونه صديقاً أم حليفاً أم شريكاً حتى يمكن البناء عليه. والأمر نفسه في بغداد، حيث كل طرف يريد للكاظمي أن يحقق ما يريده هو لا ما يفرضه سياق العلاقات الدولية وجو المفاوضات. وتابع: «هناك أطراف عراقية طالبت الكاظمي بضمانات على صعيد إخراج القوات الأميركية من العراق، بينما أميركا تتحدث عن محاربة داعش». وبشأن أولويات الكاظمي، يقول عبد الإله إن «الكاظمي يسعى إلى الاتفاقيات الثنائية عبر تفعيل بنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين لجهة الاقتصاد والطاقة والنفط والاستثمار والكهرباء والمساعدات، ومجمل أبعاد الدعم الذي يحتاج إليه الآن لحكومته». ويضيف أن «توقيع اتفاقية مع شركة أميركية كبرى على صعيد الكهرباء بأكثر من مليار دولار إنما هو مفتاح عودة الشركات الأميركية إلى العراق».
إلى ذلك أكد فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الإستشاري العراقي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن يبقى هو المحور الأهم في هذه الزيارة، رغم أهمية الجوانب الأخرى في جو المباحثات، مثل النفط والاقتصاد وجائحة (كورونا)، وبخاصة أن هذه الزيارة تأتي من أجل استكمال الجولة الثانية من هذا الحوار الذي بدأت جولته الأولى في شهر يونيو (حزيران) الماضي، والذي يراهن على مخرجاته كثيرون داخل العراق».
وبحسب علاء الدين، فإن «الولايات المتحدة الأميركية شددت كثيراً على الحوار الاستراتيجي، لجهة كون الحكومة العراقية بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة لمواجهة تحدياتها المالية والاقتصادية المستمرة، فضلاً عن المساعدة في محاربة تنظيم داعش». ولفت إلى أن «هذا الدعم لن يأتي من دون شروط، لا سيما بعد قرار إخراج القوات الأميركية من العراق الذي أصدره البرلمان العراقي أوائل هذا العام».
ويرى علاء الدين أن «الكاظمي يخضع في كل حواراته في واشنطن تحت ضغط سياسي هائل من قوى الداخل العراقي الرافضة للعلاقة مع الولايات المتحدة». وبشأن الرؤية التي تحكم سياق العلاقة بين الجانبين، يعتقد علاء الدين أنه «رغم المصلحة المشتركة التي تحققها المشاركة في الحوار، يتضح وجود فجوة بين المطالب والتوقّعات الأميركية والعراقية... مع أن الجهتين تحافظان على التفاؤل الحذر بشأن إمكانية التوصل إلى صفقة يتفق عليها الطرفان». ويمضي علاء الدين قائلاً إنه «رغم أن الأميركيين يركزون باستمرار على أن هدفهم هو تحقيق شراكة ثنائية دائمة ومستدامة سياسياً مع العراق، فإن الشيطان يكمن في تفاصيل هذه الرؤية؛ إذ تتجاوز المطالب الأميركية هذه النقاط العامة، وتشمل شروطاً محددة قد تجد الحكومة العراقية صعوبة في الوفاء بها».
- قمة «المشرق الجديد»... معانيها وأبعادها
> «قمة عمّان» الأخيرة جاءت امتداداً لقمتين سابقتين بين العراق ومصر والأردن على عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وبالتالي، لا جديد فيها من هذه الزاوية. إلا أن المصطلح الجديد الذي صاغه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وهو «المشرق الجديد» بدا جديداً، بل ومفاجئاً لكل قادة العملية السياسية في العراق.
الخوف من المصطلح حرّك نظريات المؤامرة باتجاهات مختلفة، كونها تتزامن مع الحديث عن التطبيع مع إسرائيل بعد الخطوة الإماراتية. بيد أن الكاظمي، الذي كان قد أعلن رفضه «سياسة المحاور» يتعيّن عليه خلال الفترة المقبلة خوض جولة صعبة من المفاوضات مع الكتل السياسية حول صياغة مصطلحه الجديد، وكيفية تسويقه، وهذا في ظل الوضع الراهن الذي يمر به العراق. وللتذكير، حكومة الكاظمي «انتقالية» مهمتها الأساسية الإعداد للانتخابّات المبكرة.
مع ذلك، ثمة مَن يرى أن هذا المشروع يمكن أن يكون دعامة تعزز مفهومي الأمن والسيادة معاً. وهنا يعلق الدكتور حسين علاوي، أستاذ الأمن الوطني، في حديث لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «العراق يتوجه نحو مصر والأردن لبناء محوَر بديل في المنطقة، يتوازى مع مصالح العراق اقتصادياً وأمنياً وسياسياً عبر ‏مبادرة المشرق الجديد، وهو ما طرحه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في لقائه بصحيفة (واشنطن بوست)». وتابع: «الفكرة جديدة، ومحور في المنطقة يقوم على التعاون الاقتصادي والسياسي من العراق والأردن ومصر، محور فاعل. ونحن نحتاج الآن إلى محور اقتصادي - سياسي لتفكيك تحديات كثيرة في البنى التحتية».
ومن جهته، يرى الدكتور فاضل البدراني، أستاذ الإعلام الدولي، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الزيارة تُعدّ خطوة لدعم حكومة الكاظمي في وجه المعارضين له من اتباع إيران، ولدعم ترمب في الحملة الانتخابية. ولقد جرى إحياء الحوار بإحياء اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق وأميركا عام 2008». ويضيف البدراني: «على ما يبدو، أرادت واشنطن جرّ العراق إليها وربطه معها ومع حلفائها في المنطقة. وهذا يرمي في النهاية إلى تطويق إيران وعزلها عن العراق».
أما الدكتور إحسان الشمّري، أستاذ العلوم السياسية ورئيس «مركز التفكير السياسي في العراق»، فقال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «زيارة الكاظمي للعواصم الثلاث تمثل زيارة توازن في علاقات العراق الخارجية وتوجهات الكاظمي. فهو يريد أن يوجه رسائل إلى هذه العواصم الثلاث بأن العراق يقف على مسافة واحدة ويمتلك علاقات متوازنة معها». وأضاف أن «الكاظمي سيدفع حسب طبيعة نوع العلاقة مع هذه الدول بملفات مشتركة، لكن يبقى الملف الأبرز الذي سيُطرح عراقياً هو أنه ينبغي أن يكون هناك تفهم لحساسية العراق ووضعه الداخلي، وإمكانية أن يكون هناك نأي بالعراق عن ساحة الصراع الأميركي - الإيراني”. وبيّن الشمّري أن «العراق يحاول فرض المزيد من الاستقرار الداخلي، ومحاولة تحييد هذا الصراع بين واشنطن وطهران عن الداخل العراقي». وأوضح أن «الكاظمي خلال هذه الزيارة يقدم نفسه كوسيط ناجح يمكن أن يلعب دوراً أكثر من ناقل الرسائل، لا سيما أنه يمتلك علاقات إيجابية»، مع عدد من الأطراف الإقليمية.
وبشأن ما يمكن أن تسفر عنه الزيارة من نتائج، يقول الشمّري: «لكل دولة خاصية مختلفة سوف تنعكس على طبيعة النتائج التي ستترتب عليها، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى طبيعة الملفات التي تختلف من دولة إلى أخرى». وأوضح أن «الملف الأهم في واشنطن، مثلاً، هو اتفاقية الإطار الاستراتيجي، واستكمال الحوار بين بغداد وواشنطن، ووجود القوات الأميركية، وإمكانية الدعم الأميركي إلى العراق في مختلف المجالات. وفيما يرتبط مع السعودية فإن التركيز على الجانب الاقتصادي، خصوصاً أن الرياض تعد مركزاً اقتصادياً مهماً في المنطقة، وبالتالي أتوقع إنه سيخرج باتفاقات مهمة مع المملكة في مختلف الميادين والمجالات، وبالأخص، في ظل انفتاح السعودية على حكومة الكاظمي». وحول النتائج المرتقبة من زيارة المبرمجة إلى إيران يقول الشمّري إن «الكاظمي سيركز على قضية رسائل التطمين. إذ يحاول الكاظمي أن يعطي رسالة لإيران بأنه ليس أميركياً... بل سيقف في المنتصف، وربما يذهب إلى أكثر من ذلك... باتجاه محاولة التهدئة في الداخل العراقي مع تقديم الضمانات الممكنة بشأن ذلك».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.