«الميدان» يحتشد بمؤيدي الجيش المصري

على وقع مواجهات وقتلى في الذكرى الثالثة لـ 25 يناير

مروحية للجيش المصري تحلق فوق مظاهرة تأييد للجيش والفريق أول عبد الفتاح السيسي في ميدان التحرير بالقاهرة في الذكرى الثالثة لـ«ثورة يناير» أمس (إ.ب.أ)
مروحية للجيش المصري تحلق فوق مظاهرة تأييد للجيش والفريق أول عبد الفتاح السيسي في ميدان التحرير بالقاهرة في الذكرى الثالثة لـ«ثورة يناير» أمس (إ.ب.أ)
TT

«الميدان» يحتشد بمؤيدي الجيش المصري

مروحية للجيش المصري تحلق فوق مظاهرة تأييد للجيش والفريق أول عبد الفتاح السيسي في ميدان التحرير بالقاهرة في الذكرى الثالثة لـ«ثورة يناير» أمس (إ.ب.أ)
مروحية للجيش المصري تحلق فوق مظاهرة تأييد للجيش والفريق أول عبد الفتاح السيسي في ميدان التحرير بالقاهرة في الذكرى الثالثة لـ«ثورة يناير» أمس (إ.ب.أ)

في مشهد يعكس على ما يبدو عمق الانقسام في الشارع المصري احتفل ألوف المواطنين من مؤيدي الجيش في ميادين عدة مدن بالذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، بينما تظاهر الألوف أيضا ضد ما عدوه «عودة ممارسات الدولة القمعية»، وسط أنباء عن سقوط عشرات القتلى والمصابين.
وفي تغير لافت شاركت قوى وحركات احتجاجية مدنية في مسيرات لجماعة الإخوان المسلمين أمس، تصدت لها قوات من الجيش والشرطة بالرصاص للحيلولة دون تقدمها باتجاه ميدان التحرير، مما دفع تلك القوى لإعلان انسحابها رسميا «حفاظا على أرواح أعضائها»، بعد أن تحولت عدة شوارع في القاهرة لساحات قتل سمع خلالها دوي إطلاق كثيف للنيران.
وعقب يوم دام، شهد سلسلة تفجيرات ضد مواقع شرطية في قلب العاصمة أسفرت عن مقتل ستة أشخاص، وسقط خلاله أيضا نحو 15 قتيلا في مواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين ينتمون لجماعة الإخوان، استيقظت القاهرة على تفجير هو الخامس خلال اليومين الماضيين شمال القاهرة، لم يسفر عن خسائر في الأرواح، بحسب مصادر أمنية.
وبدا الصراع هو سيد الموقف في مصر بعد ثلاثة أعوام من الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. وفي ميدان التحرير وكبرى ميادين المحافظات تحدى مواطنون العمليات الإرهابية، وشاركوا في إحياء ذكرى الثورة وسط إجراءات أمنية مشددة. لكن الصراع الرمزي بالوجود في الميادين المؤمنة، بدا أكثر سخونة في الشوارع المؤدية لتلك الميادين، حيث زحفت مظاهرات معارضة للنظام القائم ورفعت مجددا شعار «الشعب يريد إسقاط النظام».
المشهد الرسمي الذي بثته قنوات تابعة للدولة وإعلام خاص ركز على احتفالات ميدان التحرير وميادين في الإسكندرية، وبورسعيد والسويس (شرق القاهرة) والمنصورة والمنوفية والغربية والشرقية (دلتا مصر)، والمنيا وأسيوط وقنا (صعيد مصر).
وفي دعم قوي للمحتفلين زار الدكتور حازم الببلاوي، رئيس مجلس الوزراء ميدان التحرير أمس وأشاد بما اعتبره «روح الإصرار التي دفعت جماهير الشعب المصري إلى الاحتشاد في الميادين والاحتفال بثورته، وتحدي كل ما تمارسه قوى الإرهاب من أعمال إجرامية تسعى لإرهاب هذا الشعب والتأثير على عزيمته».
وقال الببلاوي إن نزول الجماهير بكثافة إلى الميادين سيكون ضامنا لنجاح هذه الاحتفالات، مشددا على أن الدولة بجميع أجهزتها قوية وحريصة على حماية الوطن وقادرة على التصدي لكل المخططات الإرهابية، التي تهدف إلى هدم الدولة وعرقلة سيرها على «خارطة المستقبل».
ووضع قادة الجيش بالتوافق مع قوى سياسية خارطة للمستقبل تضمنت وضع دستور جديد، وهي الخطوة الأولى التي أنجزت منتصف الشهر الحالي، فيما لا يزال المصريون ينتظرون إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ووجه الجيش أمس تهنئة للشعب المصري بالعيد الثالث لثورة 25 يناير، وقال في بيان له إن «هذا اليوم سيبقى رمزا لعظمة الشعب وصلابة إرادته الوطنية ورفضه العنف والإرهاب».
وقاد وزير الثقافة صابر عرب مسيرة من دار الأوبرا المصرية إلى ميدان التحرير رافقه فيها وفد من الفنانين والمثقفين، وقدمت فرق الموسيقات العسكرية عروضا في الميدان، الذي هيمن عليه الطابع الرسمي.
وهيمن مشهد مغاير على عدة مناطق في القاهرة تحولت لساحات قتال بين قوات الأمن ومعارضين. وفي تحول نوعي عقب نحو 6 شهور من مظاهرات أنصار جماعة الإخوان وقوى إسلامية داعمة لها، شارك في مظاهرات يوم أمس قوى وحركات احتجاجية يسارية وشبابية على رأسها حركة شباب 6 أبريل، والاشتراكيين الثوريين.
وأظهر المحتجون إصرارا على التقدم باتجاه ميادين رئيسة في العاصمة القاهرة، أبرزها ميدان مصطفى محمود بحي المهندسين (غرب القاهرة). وقال شهود عيان إن قوات الأمن تصدت بقوة لتلك المحاولات واستخدمت قنابل الغاز وطلقات الخرطوش والرصاص الحي لمنع عدة مسيرات من التقدم إلى الميدان.
وتكررت مشاهد المواجهات العنيفة بين قوات الأمن المعززة بقوات من الجيش والمتظاهرين المعارضين، أمام نقابة الصحافيين، وفي ميدان رمسيس بوسط القاهرة، وفي أحياء حلوان والمعادي (جنوب القاهرة)، وعين شمس والألف مسكن ومدينة نصر (شرق القاهرة)، والسادس من أكتوبر (غرب القاهرة).
وناشدت جبهة طريق الثورة التي تضم قوى اشتراكية وحركات احتجاجية أعضاءها وكل من لبى دعوتها بالنزول لإحياء ذكرى الثورة الانسحاب الكامل من كافة الفاعليات. وقالت الجبهة في بيان لها أمس إن ما شهدته ذكرى الثورة من عنف مفرط من قبل قوات الشرطة في كافة الميادين ضد كل من يحاول التعبير عن رأيه يعد جريمة كبرى تضاف لجرائم السلطة الحالية، في وسط تأمينها لأنصارها بميدان التحرير. وأضافت أن «الحفاظ على أرواح القابضين على الجمر الآن هو مهمة ثورية بامتياز، والمعارك مع السلطة الحالية مستمرة ولن تنتهي، ولكن أرواحكم وحريتكم والحفاظ عليها هي الأمل الأهم لبقاء الثورة».
وقالت وزارة الصحة المصرية إن أربعة قتلوا خلال المواجهات بين الشرطة والمحتجين. وقالت مصادر أمنية إن قواتها ألقت القبض على عشرات من المنتمين لجماعة الإخوان خلال مظاهراتهم. ويبدو أعداد القتلى مرشحة للزيادة مع احتدام العنف في المواجهات. وتعيد مظاهرات يوم أمس (السبت) إلى الأذهان احتفال القاهرة بذكرى حرب السادس من أكتوبر، حيث احتفل الألوف حينذاك في ميدان التحرير أيضا بينما قتل 57 من أنصار الإخوان في الطرق المؤدية إلى الميدان.

وفي نفس السياق هيمنت صور قائد الجيش المصري عبد الفتاح السيسي على احتفالات المصريين بالذكرى الثالثة لثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، مطالبين إياه بالإعلان عن ترشحه لرئاسة البلاد التي تعاني من مشاكل اقتصادية عميقة. لكن قيادات في حملات شعبية داعمة للسيسي قالت إن الشعب لديه استعداد لتقبل أي سياسات تقشفية لاجتياز مرحلة عنق الزجاجة التي تمر بها مصر ليس على الصعيد الاقتصادي فقط، ولكن أيضا على مستوى الوضع السياسي والأمني والاجتماعي. وقال عبد النبي عبد الستار، المتحدث باسم حملة «كمل جميلك» الداعمة لترشح قائد الجيش لـ«الشرق الأوسط» إن ميادين مصر شهدت ثورة جديدة أمس وفي القلب منها مطالبة السيسي رئيسا للبلاد.
وخرج الآلاف من الأسر المصرية استجابة لدعوات من الحملات والتكتلات السياسية الداعمة لقيادة السيسي للبلاد من خلال ترشحه في انتخابات الرئاسة المقرر أن تجرى في أبريل (نيسان) المقبل، على الرغم من أن السيسي لم يحسم أمره بعد فيما إذا كان سيترشح أم لا. إلا أن حملة تمرد التي قادت ملايين المصريين للثورة على حكم جماعة الإخوان المسلمين في 30 يونيو (حزيران) الماضي، أكدت أن السيسي سيعلن قريبا عن ترشحه «لأنه لا خيار أمامه غير الاستجابة للمطالب الشعبية الداعية لتوليه رئاسة مصر»، وفقا لما قالته لـ«الشرق الأوسط» إيمان المهدي عضو المكتب السياسي للحركة.
وتزينت شوارع وميادين القاهرة والمدن المصرية بصور السيسي وهو يضع القبعة العسكرية على رأسه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامه. وهتفت امرأة وهي تتوجه مع أطفالها الأربعة لدخول ميدان التحرير، وهم يرتدون زي الجيش: السيسي رئيسي. ثم رفعت لافتة عليها صورة لقائد الجيش، بينما كان أطفالها يضعون على صدورهم صورا مماثلة لكنها أصغر، ويرفعون علامة النصر.
ومن بين الحملات الداعمة لترشح السيسي التي ظهرت في العديد من الميادين أمس حملة «كمل جميلك» وحملة «كمل جميلك يا شعب» و«جبهة إرادة شعب مصر» و«حركة مستقبل وطن» و«حركة السيساوية» و«حركة صحوة السائقين»، و«حملة مصر بلدنا»، وتكتل المجلس الأعلى لشورى القبائل العربية بمصر، بالإضافة إلى نحو أربعين حزبا سياسيا.
وأكد عبد النبي عبد الستار، وهو يقود مجموعات من أنصاره الداعمين للسيسي، أن احتشاد المصريين بميدان التحرير للاحتفال بذكرى مرور ثلاث سنوات على ثورة 25 يناير وكذلك للضغط على السيسي لإعلان الترشح للرئاسة. وفي الخلفية كانت الهتافات تدعو السيسي لاتخاذ القرار الذي ينتظره الشعب، وهو الترشح للرئاسة.



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)