قيود أميركية جديدة على «هواوي» لاستخدامها «رقائق تكنولوجية»

الولايات المتحدة تقيّد وصول شركة «هواوي» الصينية إلى تكنولوجيا تصنيع الرقائق والشرائح الصغيرة (رويترز)
الولايات المتحدة تقيّد وصول شركة «هواوي» الصينية إلى تكنولوجيا تصنيع الرقائق والشرائح الصغيرة (رويترز)
TT

قيود أميركية جديدة على «هواوي» لاستخدامها «رقائق تكنولوجية»

الولايات المتحدة تقيّد وصول شركة «هواوي» الصينية إلى تكنولوجيا تصنيع الرقائق والشرائح الصغيرة (رويترز)
الولايات المتحدة تقيّد وصول شركة «هواوي» الصينية إلى تكنولوجيا تصنيع الرقائق والشرائح الصغيرة (رويترز)

أصدرت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات جديدة على شركة التقنية الصينية العملاقة «هواوي»، تتضمن وضع المزيد من القيود على قدرة الشركة في صناعة الرقائق الصغيرة التقنية في أجهزتها ومعداتها المنتشرة حول العالم.
واتهمت الولايات المتحدة، الشركة الصينية، بتطوير هذه التكنولوجيا في الأساس من الصناعة الأميركية، وتمنع بعقوباتها الجديدة بكين من الحصول على المكونات الأساسية لهذه الصناعة.
يأتي ذلك ضمن النزاع القائم السياسي والتجاري بين البلدين، الذي اشتد خلال الفترة الأخيرة بين القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، أدّى إلى حرب إغلاق قنصليات، وفرض عقوبات على شخصيات سياسية، وشركات تجارية، بالإضافة إلى حملة الضغط القصوى بالاستيلاء على تطبيقات الهواتف الذكية مثل تطبيقي «تيك توك»، «ووي تشات» الصينيين.
وفي أحدث الإجراءات التصعيدية، أصدرت وزارة التجارة الأميركية، اليوم، قواعد جديدة تقيّد وصول شركة «هواوي» الصينية إلى تكنولوجيا تصنيع الرقائق والشرائح الصغيرة؛ هي في الأساس من تطوير الصناعة الأميركية، واستندت وزارة التجارة الأميركية في قواعدها الجديدة إلى القيود التي تم الإعلان عنها في مايو (أيار) الماضي، والتي منعت شركة «هواوي» من الحصول على رقائق صممتها بنفسها، وصُنعت باستخدام التكنولوجيا الأميركية.
وأدرجت الوزارة، في بيان صحافي، أمس، أيضاً، 38 شركة أخرى تابعة لشركة «هواوي» في 21 دولة إلى «قائمة الكيانات» المفروض عليها العقوبات، ما يمنع الشركات من تصدير التكنولوجيا الأميركية إلى تلك الكيانات دون ترخيص، التي تعتبر أنها تقوّض من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية الاقتصادية، وتضر بالأمن القومي.
وقال ويلبر روس وزير التجارة الأميركي، في البيان، إنه «نظراً لتقييد وصول شركة (هواوي) الصينية إلى التكنولوجيا الأميركية، عملت (هواوي) والشركات التابعة لها من خلال أطراف ثالثة لتسخير التكنولوجيا الأميركية بطريقة تقوض الأمن القومي للولايات المتحدة، ومصالح السياسة الخارجية، وهذا الإجراء متعدد الجوانب يوضح التزامنا المستمر بإعاقة قدرة (هواوي) على القيام بذلك».
وفي مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز بيزنس» الأميركية، أوضح روس أن القيود الجديدة توضح أن أي استخدام للبرامج الأميركية أو معدات التصنيع الأميركية لإنتاج تقنيات من خلال شركة «هواوي» هو «أمر محظور ويتطلب ترخيصاً أميركياً، لذا فإن الأمر يتعلق حقاً بسد الثغرات لمنع جهة فاعلة سيئة من الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية».
وتعد هذه القيود الجديدة هي أحدث إجراء في حملة إدارة الرئيس ترمب لكبح جماح شركة «هواوي»، أكبر صانع لمعدات الاتصالات السلكية واللاسلكية في العالم والمورد الأول للهواتف الذكية في العالم، بالإضافة إلى كبح وصولها إلى الرقائق التي تحتوي على التكنولوجيا الأميركية، إذ منعت الولايات المتحدة «هواوي» من الحصول على رقائق مصممة في مختبراتها، وصُنعت باستخدام معدات أو برامج أميركية.
كما ضغط مسؤولو إدارة ترمب على الحكومات الحليفة لتقييد شركة «هواوي» من بناء شبكات الجيل الخامس الخاصة بهم، في وقت سابق من هذا العام، مثل المملكة المتحدة البريطانية، وهي عميل قديم لشركة «هواوي»، إذ أعلنت موقفها الشهر الماضي من «هواوي»، ووقفت مع الولايات المتحدة ضدها، ومنعت الشركة من طرح خدمة الجيل الخامس (5G ) في بريطانيا.
بدوره، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إن إدارة الرئيس ترمب ترى شركة «هواوي» على حقيقتها بأنها ذراع دولة المراقبة التابعة للحزب الشيوعي الصيني، وهو ما يفسر الإجراءات التي اتخذتها البلاد وفقاً لذلك، لحماية الأمن القومي للولايات المتحدة، وخصوصية مواطنينا، وسلامة البنية التحتية للجيل الخامس من نفوذ بكين الذي وصفه بـ«الخبيث».
وأشار في بيان صحافي، إلى دعم وزارة الخارجية بقوة توسع وزارة التجارة بفرض قيود على المنتجات الأجنبية المباشرة من «هواوي»، التي ستمنعها من التحايل على القانون الأميركي من خلال إنتاج بديل للرقائق وتوفير رقائق جاهزة (OTS) منتجة بأدوات تم الحصول عليها من الولايات المتحدة، مؤكداً أن هذا الإجراء يأتي في أعقاب التوسع المحدود لقاعدة المنتجات الأجنبية المباشرة في مايو (أيار)، التي حاولت «هواوي» باستمرار تجنبها.
وأضاف: «نحن ندعم أقوالنا بأفعال عبر الحكومة الأميركية، إذ اتهمت وزارة العدل شركة (هواوي) بسرقة التكنولوجيا الأميركية، والتآمر والاحتيال الإلكتروني والاحتيال المصرفي والابتزاز، ومساعدة إيران على التهرب من العقوبات، من بين تهم أخرى، وقد انخرطت وزارة الخارجية في دبلوماسية نشطة لأكثر من عام لمشاركة ما نعرفه عن (هواوي) وغيرها من البائعين غير الموثوق بهم مع الحلفاء والشركاء حول العالم».


مقالات ذات صلة

«هواوي» الصينية تكشف عن اختراق مهم في تصميم الرقائق

الاقتصاد شعار شركة «هواوي» الصينية على جناحها بمعرض في باريس العام الماضي (رويترز)

«هواوي» الصينية تكشف عن اختراق مهم في تصميم الرقائق

أعلنت شركة «هواوي تكنولوجيز»، الاثنين، أنها ستصنع أشباه موصلات رائدة في الصناعة باستخدام تقنية جديدة خلال خمس سنوات

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد نموذج مصغر لعامل موضوع بين لوحات دوائر مطبوعة تحتوي على شرائح أشباه الموصلات (رويترز)

100 % رسوماً على أشباه الموصلات... ترمب يضغط على الشركات لـ«الصناعة في أميركا»

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن الولايات المتحدة ستفرض رسوماً جمركية بنسبة 100 في المائة تقريباً على واردات أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد زوار لجناح شركة «هواوي» الصينية في معرض الذكاء الاصطناعي بمدينة شنغهاي العام الماضي (أ.ب)

«هواوي» تفصح عن «حلول بديلة» لتعويض التأخر عن نظيراتها الأميركية

قال رين تشنغ، الرئيس التنفيذي لشركة «هواوي تكنولوجيز»، إن رقائق هواوي متأخرة بجيل عن نظيراتها الأميركية، لكن الشركة تجد طرقاً لتحسين الأداء.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تكنولوجيا شعار شركة هواوي الصينية (رويترز)

«هواوي» تطور شريحة ذكاء اصطناعي جديدة لمنافسة «إنفيديا»

يبدو أن الصين قررت أن تنافس الولايات المتحدة بقوة في مجال شرائح الذكاء الاصطناعي الذي تتفوق فيه الشركات الأميركية حتى الآن.

«الشرق الأوسط» (بكين)
عالم الاعمال «هواوي ميت باد 11.5» يقدم إنتاجية عالية وتصميماً يلائم الطلاب والمحترفين

«هواوي ميت باد 11.5» يقدم إنتاجية عالية وتصميماً يلائم الطلاب والمحترفين

أعلنت شركة «هواوي» إطلاق جهازها اللوحي «هواوي ميت باد 11.5» في السعودية.


الرسوم على المسيَّرات تفتح جبهة توتر تجاري جديدة بين أميركا والصين

أعلام أميركا والصين (رويترز)
أعلام أميركا والصين (رويترز)
TT

الرسوم على المسيَّرات تفتح جبهة توتر تجاري جديدة بين أميركا والصين

أعلام أميركا والصين (رويترز)
أعلام أميركا والصين (رويترز)

فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة في التوتر التجاري والتكنولوجي مع الصين، بعدما قررت فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على واردات الطائرات المسيَّرة ومكوناتها، في خطوة بررتها واشنطن باعتبارات الأمن القومي وتقليص الاعتماد على الواردات في سوق تتمتع فيها الشركات الصينية بهيمنة عالمية واضحة.

وردت بكين، الخميس، بموقف حاد، مطالبة الإدارة الأميركية بسحب الرسوم فوراً، ومحذّرة من أنها ستضر بالشركات الصينية وتعطل سلاسل توريد الطائرات المسيَّرة عالمياً، في أحدث مؤشر على اتساع نطاق الخلاف الاقتصادي بين أكبر اقتصادين في العالم إلى صناعات التكنولوجيا المتقدمة.

ومن المقرر أن تدخل معظم الرسوم الجديدة حيز التنفيذ في 3 سبتمبر (أيلول) المقبل، بعدما أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي. وتستند الإجراءات إلى المادة 232 التي تتيح فرض قيود تجارية عندما ترى السلطات الأميركية أن بعض الواردات تشكل تهديداً للأمن القومي.

وقال المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، هي يادونغ، إن الإجراءات الأميركية «توسع مفهوم الأمن القومي» وتعامل المنتجات الصينية ذات الصلة بصورة تمييزية، مؤكداً أن بكين «تعارض ذلك بشدة».

وأضاف أن الرسوم ستؤدي إلى اضطراب سلسلة التوريد العالمية للطائرات المسيّرة، وستلحق مزيداً من الضرر ببيئة السوق العادلة والتنافسية، فضلاً عن إلحاق أضرار كبيرة بمصالح الشركات الصينية.

وتكتسب الخطوة الأميركية أهمية تتجاوز حجم تجارة الطائرات المسيّرة نفسها؛ إذ تمثل هذه الصناعة نقطة تقاطع بين التكنولوجيا المدنية والتطبيقات الأمنية والعسكرية. كما تستخدم الطائرات المسيّرة على نطاق واسع في التصوير والزراعة والمسح الهندسي والبنية التحتية وخدمات الطوارئ؛ ما يجعل أي اضطراب في إمداداتها أو مكوناتها ذات تداعيات على قطاعات متعددة.

وتأتي شركة «دي جيه آي» في قلب هذه المنافسة. فالشركة الصينية، التي تأسست عام 2006، استحوذت خلال السنوات الأخيرة على أكثر من ثلثي السوق العالمية للطائرات المسيّرة، وفق دراسات عدة؛ ما جعلها نموذجاً واضحاً للتفوق الصناعي الصيني في قطاع تكنولوجي سريع النمو.

لكن هذا النجاح وضع الشركة أيضاً تحت تدقيق متزايد في الولايات المتحدة. فمنذ عام 2022، أدرجت واشنطن «دي جيه آي» على قائمة لشركات صينية تقول إنها مرتبطة بالجيش الصيني؛ وهو ما ترتبت عليه قيود على وصولها إلى التكنولوجيا الأميركية. واعترضت الشركة على هذا التصنيف، مؤكدة أنها ليست مملوكة للجيش الصيني ولا خاضعة لسيطرته.

وبالنسبة إلى واشنطن، تندرج الرسوم الجديدة ضمن استراتيجية أوسع لتقليص الاعتماد على الصين في الصناعات التي تعدّها حساسة للأمن القومي، وتحفيز بناء قدرات إنتاجية محلية أو الاعتماد على موردين من دول حليفة. وقد شهدت السنوات الأخيرة توجهاً أميركياً مماثلاً في أشباه الموصلات والبطاريات والسيارات الكهربائية ومعدات التكنولوجيا المتقدمة.

لكن ارتفاع الرسوم إلى مستويات تصل إلى 100 في المائة يمكن أن يعيد تشكيل اقتصاديات سوق المسيّرات داخل الولايات المتحدة. فمن شأنها رفع تكلفة بعض المنتجات الصينية بصورة كبيرة، بما يمنح المصنعين الأميركيين وغير الصينيين مساحة أكبر للمنافسة، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى زيادة التكاليف على الشركات والمستخدمين الذين يعتمدون على منتجات صينية منخفضة التكلفة نسبياً.

وتزامن الخلاف بشأن المسيّرات مع مواجهة أخرى بين بكين وواشنطن تتعلق بالرسوم الجمركية. فقد رفضت وزارة التجارة الصينية تقريراً أميركياً بشأن عمليات الشحن العابر، والذي قدر أن الولايات المتحدة تخسر سنوياً ما بين 19 و26 مليار دولار من إيرادات الرسوم على سلع، معظمها صينية، يتم شحنها عبر دول ثالثة لتجنب رسوم الاستيراد الأميركية.

ووصف هي يادونغ التقرير بأنه «يتجاهل الحقائق ويشوّه الصواب والخطأ»، عادَّاً أنه يستهدف قمع المنتجات الصينية ومنع وصولها إلى الأسواق، ودعا واشنطن إلى وقف ما وصفه بـ«الاتهامات غير المسؤولة».

ويشير تزامن الملفين إلى أن النزاع التجاري يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيداً، فلم تعد القضية مقتصرة على حجم الرسوم المباشرة المفروضة على المنتجات الصينية، بل باتت تشمل أيضاً منشأ السلع، ومسارات انتقالها عبر الدول الأخرى، وسلاسل التوريد المستخدمة للوصول إلى السوق الأميركية.

وبالنسبة إلى الشركات والمستثمرين، فإن التطورات ترفع مستوى المخاطر في قطاع الطائرات المسيّرة وسلاسل توريد التكنولوجيا المرتبطة بها. وقد تستفيد شركات أميركية أو آسيوية غير صينية من محاولة واشنطن تنويع مصادر الإمداد، في حين تواجه الشركات الصينية ضغوطاً متزايدة لإيجاد أسواق بديلة وتعزيز الإنتاج المحلي للمكونات التي قد تخضع مستقبلاً لمزيد من القيود.وتكشف المواجهة الجديدة أن الطائرات المسيّرة أصبحت أحدث الصناعات التي تنتقل من ساحة المنافسة التجارية إلى حسابات الأمن القومي. ومع اقتراب تطبيق الرسوم في سبتمبر، ستتركز الأنظار على رد بكين المحتمل، ومدى قدرة الشركات الصينية على امتصاص أثر القيود، وما إذا كانت الإجراءات ستنجح في تقليص اعتماد السوق الأميركية على الصين أم ستؤدي في المقابل إلى ارتفاع التكاليف وإعادة رسم سلاسل الإمداد العالمية.


بيسنت يعزّز دوره بوصفه «متداول السندات الأول» لأميركا

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
TT

بيسنت يعزّز دوره بوصفه «متداول السندات الأول» لأميركا

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

أبدى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت استعداداً متزايداً للتدخل في أسواق السندات، في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية ارتفاعاً غير مريح في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وأعلنت وزارة الخزانة، الأربعاء، أنها ستزيد بصورة كبيرة مشترياتها من السندات الحكومية ضمن برنامجها القائم لإعادة شراء الديون، في خطوة جاءت بعدما تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً مستوى 5.3 في المائة هذا الأسبوع، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عقدين.

وبموجب الخطة الجديدة، سترفع الخزانة، ابتداءً من 9 سبتمبر (أيلول)، الحد الأقصى لمشترياتها من سندات الخزانة التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، مقارنة مع ملياري دولار حالياً، وفق تقرير لصحيفة «وول سترييت جورنال» الأميركية.

وسرعان ما انعكس الإعلان على الأسواق؛ إذ تراجعت عوائد سندات الخزانة، في حين ارتفعت الأسهم الأميركية.

وقال جيم بيانكو، رئيس «بيانكو ريسيرش»، في منشور على منصة «إكس» عقب الإعلان: «كنت أقول إن متداولي السندات يمكنهم التوقف عن الذعر عندما يبدأ الاحتياطي الفيدرالي بالذعر. أعتقد أنني كان يجب أن أقول: عندما يبدأ سكوت بيسنت بالذعر».

ويعزّز التحرك صورة بيسنت، مدير صناديق التحوط السابق، بصفته وزير خزانة يتمتع بخبرة واسعة في الأسواق ولا يتردد في استخدام أدوات غير تقليدية للتأثير في أسعار الأصول والعملات.

وكان بيسنت قد وصف نفسه سابقاً بأنه «أبرز بائع للسندات في البلاد»، وتحدث صراحة عن رغبته في خفض عوائد السندات من أجل تقليل تكاليف الرهن العقاري والاقتراض في الاقتصاد الأميركي.

لكن هذه المساعي لم تسِر وفق المخطط، في وقت تتجه فيه عوائد السندات إلى الارتفاع، وتقترب معدلات الرهن العقاري من 7 في المائة، في حين يستقر عجز الموازنة عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يفوق كثيراً هدف بيسنت البالغ 3 في المائة على المدى الطويل.

محاولة لتهدئة سوق السندات

قدمت وزارة الخزانة برنامج إعادة الشراء بصفته إجراءً فنياً لتحسين سيولة سوق السندات، لكن كثيراً من المستثمرين في «وول ستريت» رأوا فيه محاولة واضحة لتحقيق هدف بيسنت المعلن بخفض تكاليف الاقتراض.

وبالفعل، تراجع عائد السندات لأجل 30 عاماً بنحو عُشر نقطة مئوية في الساعات الأولى التي أعقبت الإعلان، وهو تحرك كبير خلال فترة زمنية قصيرة.

وقال جون بريغز، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى «ناتيكسيس كوربوريت آند إنفستمنت بانكينغ»، إن توقيت الإعلان يشير بوضوح إلى أن «المسؤولين لم يعجبهم ما كان يحدث»، وفق ما كتبت صحيفة «وول ستريت جورنال».

وأضاف أن الخطوة، حتى لو لم تنتهِ الخزانة إلى شراء كميات كبيرة من السندات، تبعث برسالة مفادها أن الحكومة يمكنها دائماً اتخاذ مزيد من الإجراءات للحفاظ على العوائد تحت السيطرة.

وقال ستيف مور، المستشار الاقتصادي الخارجي السابق للرئيس دونالد ترمب، وأحد حلفاء بيسنت: «إنه يتمتع بخبرة مالية كبيرة، ويرى أن هذه الخطوة وسيلة لتخفيف الضغوط على أسعار الفائدة».

وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض (أ.ب)

عوائد السندات في قلب السياسة الاقتصادية

لا يقتصر السعي إلى خفض عوائد السندات على بيسنت. فالرئيس دونالد ترمب نفسه يضغط منذ فترة طويلة من أجل خفض أسعار الفائدة، في ظل ضغوط تكاليف المعيشة التي شكلت أحد أبرز دوافع الناخبين.

وكان ترمب قد انتقد مراراً أسعار الفائدة التي يحددها «الاحتياطي الفيدرالي»، داعياً إلى خفضها.

لكن قدرة وزارة الخزانة على التأثير في العوائد كانت موضع شك لدى كثير من المراقبين؛ إذ تحدد الأسواق أسعار السندات بدرجة كبيرة وفقاً للتوقعات الاقتصادية ومسار التضخم وتقديرات المستثمرين بشأن استجابة «الاحتياطي الفيدرالي» لهذه التطورات.

وفي إحدى خطواته لخفض العوائد، قاد بيسنت جهوداً لتخفيف قواعد مصرفية تعود إلى فترة الأزمة المالية؛ إذ رأى بعض المسؤولين أن تلك القواعد تحدّ من قدرة البنوك على الاحتفاظ بكميات أكبر من سندات الخزانة.

كما امتنعت وزارة الخزانة عن زيادة أحجام مزادات الديون متوسطة وطويلة الأجل، وهي خطوة يرى معظم المحللين أنها ستكون ضرورية في نهاية المطاف لتمويل الإنفاق الحكومي المرتفع.

لكن العوائد واصلت الارتفاع، مدفوعة بدرجة كبيرة بالتضخم المرتفع بصورة مستمرة والنمو الاقتصادي الأقوى من المتوقع. ودفع هذا المزيج المستثمرين إلى المراهنة على أن الخطوة المقبلة لـ«الاحتياطي الفيدرالي» قد تكون رفع أسعار الفائدة.

هل يمكن للخزانة أن تنافس «الفيدرالي»؟

أثارت تحركات بيسنت تساؤلات أوسع حول الدور الذي باتت تلعبه وزارة الخزانة في الأسواق، وما إذا كانت تقترب من التأثير في ظروف الائتمان التي كانت تقليدياً من اختصاص «الاحتياطي الفيدرالي».

وخلال الأزمة المالية العالمية وبعدها، استخدم «الاحتياطي الفيدرالي» عمليات شراء الأصول لتهدئة الأسواق وخفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

لكن بيسنت يختار مساراً مختلفاً. فبدلاً من توسيع الميزانية العمومية لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، تسعى وزارة الخزانة إلى إعادة شراء سندات قائمة، بما يمكن أن يخفف الضغوط في الجزء الطويل من منحنى العائد.

وقد تدخل بيسنت مرتين أيضاً في أسواق العملات، عبر شراء البيزو الأرجنتيني والين الياباني، في تحركات عُدَّت غير معتادة؛ لأنها لم تأتِ بالضرورة ضمن جهود دولية منسقة.

ويقول بعض المستثمرين إن هذه السياسة تثير تساؤلات حول حدود تدخل وزارة الخزانة في الأسواق، خصوصاً في ظل ارتفاع الدين الحكومي الأميركي وتزايد احتياجات الاقتراض.

تأثير محدود في مواجهة حجم الدين

ورغم الضجة التي أحدثها الإعلان، يشكك بعض المستثمرين في قدرة برنامج إعادة الشراء على إحداث تغيير دائم في سوق السندات.

فالخزانة الأميركية تعيد بالفعل شراء سندات قديمة منذ عامين، والهدف الرسمي للبرنامج هو دعم السيولة، وليس خفض عوائد الإصدارات الجديدة، وإنما منع ارتفاع عوائد السندات القديمة بسبب انخفاض تداولها.

وبموجب الخطة الجديدة، سترفع الخزانة الحد الأقصى لمشترياتها من سندات الخزانة لأجل 10 إلى 30 عاماً من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، اعتباراً من 9 سبتمبر (أيلول) وحتى 4 نوفمبر (تشرين الثاني) على الأقل.

وإذا استمرت عمليات الشراء بالوتيرة الجديدة، فستعيد الخزانة شراء نحو 128 مليار دولار من هذه السندات سنوياً، وهو ما يعادل قرابة 30 في المائة من الإصدارات المتوقعة لهذه الآجال، لكنه لا يتجاوز 2.4 في المائة من إجمالي الدين القائم لهذه الاستحقاقات، وفق تقديرات «ناتيكسيس».

وقال سورين إريكسون، متداول أدوات الدخل الثابت لدى «بادغلي فيلبس»: «إنها مجرد قطعة أخرى من الضوضاء. إنهم يفعلون ما يستطيعون، لكن ما مدى فاعليتهم فعلاً في ظل جميع العوامل الأخرى الموجودة في السوق؟».

ويرى منتقدون أن زيادة عمليات إعادة الشراء قد تكون ذات دوافع سياسية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وقال إديسون بيزيكا، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «كريدنت ويلث مانجمنت»، إن زيادة عمليات إعادة الشراء تبدو سياسية وتهدف إلى خفض أسعار الفائدة قبل انتخابات التجديد النصفي، مضيفاً أن ذلك «يثير تساؤلات حول مصداقية سوق السندات الأميركية»، وقد يدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل مثل الأسهم ذات التوزيعات النقدية.

الخلاصة: تحرك بيسنت لا يمثل مجرد عملية فنية لتحسين سيولة سوق السندات؛ فهو يعكس استعداد وزارة الخزانة لاستخدام ميزانيتها وأدواتها للتأثير في تكاليف الاقتراض، في وقت تتزايد فيه الضغوط الناجمة عن التضخم والدين والعجز. لكن السؤال الأكبر هو ما إذا كانت هذه التدخلات قادرة على عكس الاتجاه طويل الأجل للعوائد، أم أنها ستمنح السوق هدنة مؤقتة فقط.


صادرات اليابان تقفز والوقود يرفع فاتورة الواردات

سفينة حاويات في ميناء العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
سفينة حاويات في ميناء العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

صادرات اليابان تقفز والوقود يرفع فاتورة الواردات

سفينة حاويات في ميناء العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
سفينة حاويات في ميناء العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

سجلت التجارة الخارجية اليابانية مستويات قياسية في يوليو (تموز) الماضي، مع قفزة قوية في الصادرات مدفوعة بالطلب العالمي على أشباه الموصلات ومعدات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في مقابل ارتفاع غير مسبوق في قيمة الواردات بفعل أسعار النفط وتكاليف تأمين إمدادات بديلة للطاقة.

تضع هذه المعادلة الاقتصاد الياباني أمام مشهد مزدوج؛ بين قطاع تصديري قوي، وضغوط تضخمية متصاعدة قد تدفع «بنك اليابان المركزي» إلى مواصلة تشديد سياسته النقدية.

وأظهرت البيانات ارتفاع قيمة الواردات 27.8 في المائة على أساس سنوي خلال يوليو الماضي، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 12.1 تريليون ين (76.39 مليار دولار)، متجاوزة توقعات الأسواق التي أشارت إلى نمو قدره 26.5 في المائة. ويعد هذا ثاني مستوى قياسي شهري على التوالي للواردات.

وجاءت الطاقة في قلب هذه الزيادة؛ إذ ارتفعت أحجام واردات النفط الخام 5.5 في المائة على أساس سنوي، في أول زيادة خلال 4 أشهر، بينما قفزت قيمتها 87.8 في المائة. وتعكس هذه الفجوةُ الكبيرة بين نمو الكميات والقيمة حجمَ الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة. كما اضطرت اليابان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد احتياجاتها من الطاقة، إلى البحث عن إمدادات بديلة بعد تعطل شحنات من الشرق الأوسط بسبب الصراع في المنطقة، وكانت الولايات المتحدة من أبرز المصادر البديلة.

وقال كوكي أكيموتو، الخبير الاقتصادي في معهد «دايوا» للأبحاث، إن تعافي أحجام واردات الخام، بالتزامن مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، وزيادة شحنات الخام الأميركي الأعلى سعراً، عوامل دفعت قيمة الواردات إلى الصعود بقوة.

وعلى الجانب الآخر من الميزان التجاري، قدمت الصادرات صورة أعلى إيجابية للاقتصاد. فقد قفزت 23.2 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 11.5 تريليون ين، متجاوزة توقعات السوق البالغة 19.9 في المائة، وبعد نمو نسبته 19.3 في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي.

وكان الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات هذه القفزة، مع استمرار الاستثمارات العالمية في مراكز البيانات وما يصاحبها من طلب على أشباه الموصلات والمعدات والمكونات الإلكترونية التي تتمتع الشركات اليابانية بموقع قوي في سلاسل توريدها.

كما منح ضعف الين الشركات المصدرة ميزة إضافية؛ إذ جعل المنتجات اليابانية أعلى تنافسية في الأسواق الخارجية، وعزز قيمة الإيرادات المحققة في الخارج عند تحويلها إلى العملة المحلية.

وتظهر الوجهات الرئيسية للصادرات استمرار قوة الطلب الخارجي. فقد ارتفعت الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة 22 في المائة على أساس سنوي في يوليو الماضي، بينما قفزت الصادرات إلى الصين 25.8 في المائة.

ومع ذلك، فإن الزيادة القياسية في الصادرات لم تكن كافية لتعويض فاتورة الواردات، لتسجل اليابان عجزاً تجارياً بقيمة 634.5 مليار ين، وإن جاء أقل من توقعات الأسواق التي أشارت إلى عجز قدره 680 مليار ين. وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية في ضوء اعتماد الاقتصاد الياباني بصورة متنامية على الطلب الخارجي لتعويض الضعف في الداخل. وكانت بيانات منفصلة قد أظهرت نمو الاقتصاد للربع الثالث على التوالي خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو الماضيين، لكن الصادرات القوية لعبت دوراً أساسياً في تعويض ضعف الاستهلاك الخاص والاستثمار التجاري.

في المقابل، تمثل فاتورة الطاقة المرتفعة خطراً على هذا التعافي. فقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والبتروكيماويات وسلع أخرى؛ مما انعكس بصورة مباشرة على اقتصاد يعتمد بشدة على الطاقة المستوردة.

ورغم تراجع أسعار النفط في يونيو الماضي بعد استئناف جزئي لحركة الشحن، فإن انعكاس ذلك على بيانات التجارة يحتاج إلى وقت، نظراً إلى أن أسعار الواردات المسجلة جمركياً ترتبط بعقود أُبرمت قبل أسابيع.

وبدأت زيادة تكاليف الطاقة والسلع تمتد بالفعل عبر سلاسل التوريد المحلية؛ إذ ارتفعت أسعار المنتجين 7.2 في المائة على أساس سنوي خلال يوليو؛ مما يزيد احتمالات انتقال جانب أكبر من التكلفة إلى المستهلك النهائي.

وهنا تظهر المعضلة أمام «بنك اليابان»؛ فمن ناحية، تكشف قوة الصادرات عن قدرة الاقتصاد على تحمل قدر من تشديد السياسة النقدية، ومن ناحية أخرى، تزيد أسعار الطاقة وضعف الين من الضغوط التضخمية. ومن شأن استمرار هذه الظروف أن يعزز المبررات أمام «البنك» للمضي في تطبيع السياسة النقدية، وسط توقعات بإمكان رفع أسعار الفائدة في أقرب وقت خلال سبتمبر (أيلول) المقبل.

وبذلك، تقدم بيانات يوليو صورة لاقتصاد يستفيد بقوة من طفرة الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، لكنه يدفع في الوقت نفسه فاتورة مرتفعة لاعتماده على الطاقة الخارجية. وستتوقف قوة هذا النموذج خلال الأشهر المقبلة على قدرة مكاسب الصادرات على تجاوز أثر ارتفاع تكاليف الواردات، من دون أن تتحول ضغوط الطاقة موجةَ تضخم جديدة تُضعف الاستهلاك المحلي.