رداً على «مذكرات» مضر بدران: براءة في ثوب إدانة!

دبابة تابعة للجيش العراقي متروكة بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت عام 1991 (أ.ف.ب)
دبابة تابعة للجيش العراقي متروكة بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت عام 1991 (أ.ف.ب)
TT

رداً على «مذكرات» مضر بدران: براءة في ثوب إدانة!

دبابة تابعة للجيش العراقي متروكة بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت عام 1991 (أ.ف.ب)
دبابة تابعة للجيش العراقي متروكة بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت عام 1991 (أ.ف.ب)

استدعت مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران عن حرب الخليج الثانية، التي تنفرد «الشرق الأوسط» بنشرها، قبل نشرها في كتاب بعنوان «القرار»، سوف يحتفل بصدوره في 17 الشهر الحالي في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في عمان، ردوداً من سياسيين وكتاب خليجيين عاصروا تلك المرحلة بكل تفاصيلها، وتابعوا مجرياتها كل من موقعه.
فتداعيات تلك الحرب التي غزا فيها العراق بقيادة صدام حسين الكويت قبل 30 عاماً، كانت كبيرة على المنطقة وخلفّت آثاراً سلبية على دولها، خصوصاً الكويت التي تكبدت خسائر كبيرة نتيجة للغزو وعملية تحريرها التي شارك فيها تحالف دولي بقرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع.
وبحسب بدران فإن مذكراته تذخر بالأحداث والمواقف التي يكشف عنها للمرة الأولى، وتوثق لمراحل مهمة مر بها الأردن خلال النصف الأخير من القرن الماضي، إضافة إلى تفاصيل عن الجهود التي بذلها الأردن لمنع العمل العسكري العراقي ضد الكويت، ويقول إن المساعي الأردنية كانت تهدف إلى إيجاد حل عربي - عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت.
لكن رواية بدران لتلك الأحداث والوقائع والمفاوضات التي أجريت مع النظام العراقي لينسحب من الكويت، إضافة إلى الظروف السياسية والاقتصادية في تلك الحقبة والأسباب التي ساقها العراق لاحتلاله الكويت وما إلى ذلك، لم تلق قبولاً لدى بعض الكتاب الخليجيين فأرادوا أن يحاججوه بالوقائع والأدلة، خصوصاً أن بعضهم رأى فيها «نكأً للجراح»، وبعضهم الآخر اعتبر أن أقوالاً كثيرة «غير دقيقة» وأنها تعتمد على الذاكرة وليس على الوثائق.

قرأت «ذكريات» السيد مضر بدران، رئيس الوزراء الأردني إبان الغزو العراقي للكويت، وتمنيت ألا ينكأ الجراح، فتلك الفترة كانت فترة عصيبة للكويتيين والكثير من العرب، بل والعالم. ولقد نشر السيد مضر تقريباً مثل هذه الذكريات في الصحف الأردنية سابقاً، بعض قصصها مطول هنا، وبعضها الآخر مختصر. من الطبيعي أنه بعد فترة من الزمن، أن يجري على ذاكرة الفرد شيء من النسيان، خصوصاً إن لم يكن معتمداً في روايته على وثائق مكتوبة.
بعد ثلاثين عاماً، لم يعد الكثير من الأسرار مخبّأ، فقد نشر الكثير حول تلك الفترة، منها وثائق خاصة بمجلس قيادة الثورة في العراق، التي نشرت بالصوت والصورة والكلام الموثق، ومنها شهادات من حضر تلك الفترة، وهي بالمئات. حتى أضرب مثالاً على عدم الدقة في تلك الذكريات، الإشارة إلى ضابط عراقي كبير، كما قال اسمه «خلدون سلطان»، والمعروف أن ذلك الضابط المقرّب من صدام حسين هو سلطان أحمد هاشم الذي فاوض في خيمة صفوان، ومن ثم أصبح بعد فترة وزير دفاع، وتوفي أخيراً في السجن. أقوال كثيرة جاءت على لسان السيد مضر غير دقيقة، على الأقل، في الشكل الأول لما كتب سابقاً في الصحف الأردنية (وكثيراً منه متقاطع مع الحلقات الثلاث)، ورد عليها في حينها الأستاذ عبد الله بشارة، الأمين السابق لمجلس التعاون، وأرسلها إلى تلك الصحيفة، ولكنها لم تنشر كل ما ذكر الأستاذ عبد الله. ثم أذيع الرد كاملاً من «قناة سكوب» التلفزيونية الكويتية.
من المتوقع أن يصر السيد مضر على تأكيد روايته، وليس من المتوقع أن يقول إنهم في الإدارة الأردنية وقتذاك، قد قرأوا المشهد السياسي قراءة خاطئة، لكن أن يبرر بعض الأحداث هنا، فليسمح لنا أن نختلف معه. فقد قال إن سعدون حمادي قد بقي في الكويت ثلاثة أيام (قبل أسابيع من الغزو) لم يقابله إلا بعدها الأمير الشيخ جابر الأحمد (رحمه الله)، وذلك بعيد عن الحقيقة، كما قال إن الشيخ صباح الأحمد قد قال له (في زيارة سريعة للملك المرحوم حسين إلى الكويت) إن الأول اعترف أن الكويت قد «سرقت» نفط العراق! وقد كانت وقتها الدعاية العراقية تؤكد أن الكويتيين سرقوا النفط العراقي عن طريق «الحفر الأفقي»!! وأي خبير في النفط سوف يؤكد فحش تلك الأكذوبة. كما أنه من الصعب القول إن الشيخ صباح يعترف بهكذا عمل للسيد مضر أو لغيره، لأنه ليس الحقيقة.
في مكان آخر يقول إن صدام حسين لم يكن ينوي احتلال كل الكويت، إنما عندما أخبره قائد الكتيبة ألا مقاومة أمامه، سمح له بأن يحتل الكويت! عند قراءتي لهذا النص، لم أتمالك نفسي من الابتسام، لأن من يصدّق ذلك لا بد أن يعاد اختبار قواه العقلية! حيث من المعروف، وفق من روى من القياديين العسكريين العراقيين في شهاداتهم، وهي موثقة على «يوتيوب»، ومن الوثائق، أن أمر الاحتلال كان كاملاً، والشواهد بالعين تؤكد ذلك من حوامات ودبابات في اليوم الأول من الغزو.
ثم يروي السيد مضر أنه نصح طه ياسين رمضان أن يمنع صدام حسين من «التهور»، وهي كلمة، أخذاً بغرور المجموعة الحاكمة وقتها في العراق، لا يمكن القبول بها، ولا حتى بسماعها! يتحدث عن حال الوضع في العراق عندنا زاره بعد يومين من القصف الجوي، أن الجيش العراقي الذي قابله على الطريق «لم يكن لديه خبز»، وعلق «كيف لم يحسب الجيش العراقي حساب جنوده للطعام»، وأن الأوضاع في بغداد كانت متردية معيشياً إلى درجة فقدان الوقود، أي سياسي فطن يستطيع أن يصل إلى قناعة، وهو يرى بأم عينه تلك المشاهد، وأن يعرف كيف تدار الأمور!!
أما القصة التي يعود إليها مراراً في هذه الذكريات، وما سبق أن نشر، فهي أن هناك حلاً عربياً: «خروج صدام من الكويت بالوقت نفسه خروج إسرائيل من الضفة الغربية»! طبعاً عندما يقرأ الجيل القادم هذه المعادلة، سوف يصاب بالصدمة الكبرى! كان ذلك تسولاً ساذجاً للعواطف الشعبية، حتى أسوأ من الحل الإيراني الذي يقول إن العراق وافق عليه: «خروج صدام من الكويت مع خروج القوات الأميركية من الخليج»! كيف لرجل سياسي أن يفكر وليس يصدق مثل تلك المعادلات التي هي أكثر سذاجة من السذاجة نفسها؟!! تنبئ المواقف المسبقة للسيد مضر عند قوله «صدمنا من انسحاب العراق من الكويت»! ويبدو أن السيد مضر لم يحقق ما يرغب في تحقيقه حتى ذلك الوقت! المفردات التي استخدمها السيد مضر تنم أيضاً عن رأي مسبق، فهو يشير إلى الغزو العراقي بأنه «دخول» الكويت! هو في الحقيقة غزو واحتلال ونقطة على السطر.
ولكن الدرس الأهم فيما يتذكره السيد مضر، هو العودة إلى مناقشة العقلية السياسية التي كانت ولا تزال عند البعض، وهي القراءة الخاطئة للأحداث السياسية والقائمة على العاطفة والتمني، فالعالم بعد الحرب العالمية الثانية أصبح متفقاً على عدم تغيير الحدود بالقوة بين الدول، ومن يفعل ذلك فهو مخترق للقانون الدولي!
إنها فترة عربية حزينة، والعودة إليها لا من أجل تضميد الجراح، بل من أجل نكئها، هو المؤلم، فقد كان موقف الإدارة الأردنية وقتها خاطئاً ومعتمداً على تمنيات، وجزء منها اعتقاد خاطئ (لهضم ما يتصور من حقوق)، وبه الكثير من التشفّي! المؤسف الإصرار حتى اليوم على تبرير الخطأ وقتها يصبح خطيئة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.