أزمة «كورونا» ترفع «أبل» إلى عتبة تريليوني دولار

الأسواق فوجئت بالنتائج القوية للشركة العملاقة

أسهمت جائحة كورونا في مبيعات هائلة لـ«أبل» دفعت قيمتها السوقية للاقتراب من تريليوني دولار (أ.ف.ب)
أسهمت جائحة كورونا في مبيعات هائلة لـ«أبل» دفعت قيمتها السوقية للاقتراب من تريليوني دولار (أ.ف.ب)
TT

أزمة «كورونا» ترفع «أبل» إلى عتبة تريليوني دولار

أسهمت جائحة كورونا في مبيعات هائلة لـ«أبل» دفعت قيمتها السوقية للاقتراب من تريليوني دولار (أ.ف.ب)
أسهمت جائحة كورونا في مبيعات هائلة لـ«أبل» دفعت قيمتها السوقية للاقتراب من تريليوني دولار (أ.ف.ب)

تستعد أبل لأن تصبح أول شركة أميركية تتجاوز قيمتها عتبة تريليوني دولار في أعقاب مبيعات هائلة كشفت أهمية نظام هاتف أيفون خلال أزمة وباء كوفيد - 19 في العالم.
وارتفعت أسهم أبل بنحو الضعف بعد انخفاض في مارس (آذار)، في أداء مدهش رفع صافي عائدات المدير التنفيذي تيم كوك إلى المليار دولار للمرة الأولى، بحسب أرقام مؤشر بلومبرغ لأصحاب المليارات. وبلغت القيمة السوقية لأبل الثلاثاء نحو 1.87 تريليون دولار، متقدمة على أقرانها في قطاع التكنولوجيا أمازون ومايكروسوفت (كلاهما 1.54 تريليون دولار)، وألفابيت الشركة الأم لـ«غوغل» (1.0 تريليون دولار). وإذا ما وصلت قيمتها إلى تريليوني دولار، فإن أبل ستكون الشركة الوحيدة إلى جانب أرامكو التي تبلغ تلك العتبة.
ورغم أن شركات تكنولوجيا كبيرة أخرى سجلت ارتفاعا كبيرا في الطلب خلال فترات الإغلاق، فإن أبل تخطت منافسيها بتحقيق مبيعات كبيرة في الأكسسوارات القابلة للوضع والأجهزة اللوحية، إلى جانب تطبيقات وخدمات شهدت أداء قوياً خلال الأزمة الصحية. وبرأي المحلل لدى «تكسبوننشال» للاستشارات، آفي غرينغارت فإن «أبل حققت نجاحا كبيرا في بناء منصاتها وردت على ارتفاع مبيعات أيفون بابتكار منتجات تحيط بها وخدمات تقويها». ويضيف أن كل ذلك «يعود ويصب في مصلحة أبل».
في الربع الماضي من العام المنتهي في يونيو (حزيران)، أفادت أبل عن ارتفاع أرباحها بمقدار 8 في المائة، وصولاً إلى 11.2 مليار دولار، فيما ارتفعت العائدات بنسبة 11 في المائة عند 59.7 مليار دولار.
وأظهرت نتائج تلك الفترة ارتفاعاً طفيفاً في عائدات الهاتف الذكي، مدعومة من مبيعات أيفون إس إي الجديد، والزيادة القوية في مبيعات أجهزة أيباد اللوحية وحواسيب ماك، لتلبية الطلب للتعليم عن بعد والعمل من المنزل.
وشكلت الخدمات أكثر من خمس عائدات أبل، مع توسع قطاعات الموسيقى والدفعات الرقمية والبث التدفقي ما عزز مداخيل أبل ستور. وتتقدم أبل سوق الساعة الذكية وسط زيادة الاهتمام بتطبيقات الصحة واللياقة البدنية. ويرى جين مونستر، من مؤسسة لوب فنتشورز، في مذكرة بحثية أن «أبل دخلت أزمة الوباء بقوة وباتت منتجات الشركة أكثر أهمية في حياتنا خلال العمل والترفيه من المنزل». وقال المحلل في غولدمان ساكس رود هول إن الأسواق فوجئت على ما يبدو بالنتائج القوية لأبل، مشيراً إلى أنه «من الواضح أن المستهلكين والمؤسسات تنفق أكثر مما توقعنا لدعم العمل والدراسة من المنزل».
أحد العوامل الرئيسية لنجاح أبل يتعلق بقيادة كوك الذي تولى إدارة المجموعة العملاقة قبيل وفاة ستيف غوبز في 2011. وتقول المحللة لدى نيدهام وشركاه لورا مارتن: «هو لم يبتكر شيئا، لكن ما فعله هو مواصلة إمساك المقود بثبات، وقيادة السفينة والحفاظ على التقاليد». واعتبرت أن كوك «يستحق أن ينسب له فضل كبير في استخدام ابتكارات ستيف غوبز بأفضل طريقة». وكوك لم يكن من مؤسسي أبل، وراتبه البالغ ثلاثة ملايين دولار في 2019 إضافة إلى مكافآت بقيمة 7.6 ملايين دولار، يعد متواضعاً بحسب معايير سيليكون فالي. لكن ارتفاع قيمة أسهمه أدخله نادي أصحاب المليارات، للمرة الأولى بحسب بلومبرغ.
يبقى السؤال ما إذا كان بإمكان أبل الحفاظ على وتيرة النمو القوي في البيئة الحالية. ويرجح بعض المحللين أن يتحقق ذلك، ويشيرون إلى الحاجة لبدائل هواتف ذكية وتطوير التطبيقات لشبكة الجيل الخامس. ويقول المحلل في شركة ويدبوش سيكيوريتيز دانيال آيفز إن أبل «لديها (فرصة في عقد) في الأشهر الـ12 إلى 18 المقبلة، إذ نتوقع أن يكون نحو 350 مليون هاتف أيفون من 950 مليون هاتف في أنحاء العالم، أمام فرصة تطوير التطبيقات».
لكن أبل تواجه مخاطر من جراء التوتر المتصاعد مع الصين، حيث لا تكتفي أبل بتصنيع الأيفون ومنتجات أخرى، بل تعتمد أيضاً على ذلك السوق في شريحة كبيرة من المبيعات، وفق غرينغارت.
وأضاف أن «أكبر نقاط المخاطر بالنسبة لأبل تتمثل في كونها تتركز كثيرا في الصين». ومع تهديد إدارة ترمب بحظر تطبيقي «ويتشات» و«تيك توك» الصينيين، قد تواجه أبل رياحاً معاكسة، بحسب المحلل.
وقال غرينغارت: «إذا كانت أبل غير قادرة على توفير ويتشات، سيكون من الصعب لها بيع هواتف أيفون في الصين، لأن ذلك هو أشبه بنظام ثانٍ للتشغيل». واعتبر أن أي رد على واشنطن من قبل بكين يمكن أن يتسبب بمشكلات لأبل.
لكن من جهة أخرى لمح إلى أن أبل يمكن أن تكون في موقع أقوى بسبب عملياتها المكثفة في الصين، حيث توظف مئات آلاف الأشخاص وخصوصا من خلال إبرام عقود من الباطن. وقال: «سيكون من الصعب للصين أن تُخرج أبل من السوق من دون التسبب ببطالة هائلة».
وفي بكين، أظهرت بيانات من الحكومة تراجع شحنات الهواتف الذكية في الصين 35 في المائة في يوليو (تموز) مقارنة بمستواها قبل عام. وتشير الأرقام الصادرة مساء الثلاثاء إلى استمرار ضعف الطلب على الهواتف المحمولة في الصين رغم مؤشرات على تعاف بعد وصول حالات الإصابة بفيروس كورونا إلى ذروتها، وهو ما لا ينبئ بالخير بالنسبة لشركات مثل أبل ومنافسيها المحليين مثل هواوي تكنولوجيز.
وشحن مصنعو الهواتف 21.3 مليون هاتف محمول في يوليو، مقابل 33 مليوناً قبل عام، وفقا للأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهي مؤسسة بحثية مدعومة من الدولة. ويشكل هذا انخفاضاً أكبر من مايو (أيار) ويونيو عندما تراجعت الشحنات 10 و16 في المائة على الترتيب. وكانت الأكاديمية قد أعلنت في أبريل (نيسان) نمو شحنات الهواتف الذكية بنسبة غير متوقعة بلغت 17 في المائة على أساس سنوي بعد تراجع في الشهور السابقة نتيجة للأزمة الصحية. ومثلت هذه القفزة حينها مؤشراً على انتعاش محتمل لمبيعات العلامات التجارية للهواتف الذكية بالصين بعدما شهدت انخفاضا حادا في ذروة انتشار كوفيد - 19.
وفي غضون ذلك أعلنت فوكسكون، أكبر مصنع للإلكترونيات بالتعاقد في العالم، تسجيل ربح فصلي أفضل من المتوقع الأربعاء، حيث عوّض الطلب المتزايد على العمل عن بعد في ظل جائحة فيروس كورونا أثر تباطؤ مبيعات الهواتف المحمولة. وسجلت فوكسكون، التي يشمل عملاؤها شركات تكنولوجية ضخمة مثل أبل، ربحاً صافياً قدره 22.9 مليار دولار تايواني (778.54 مليون دولار) في الربع الثاني الذي انتهي في يونيو. ويزيد هذا نحو 34 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي وفقاً لحسابات «رويترز»، وهو أفضل من توقع أجمع عليه محللون استطلعت رفينيتيف آراءهم بأن تحقق ربحاً قدره 17.95 دولار تايواني.



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.