الرئيس الجيبوتي: لن أترشح لولاية جديدة.. ونحن في مأمن من ثورات الربيع

إسماعيل عمر جيلة أكد لـ «الشرق الأوسط» الوقوف مع اليمن في وجه التهديدات الخارجية

الرئيس الجيبوتي: لن أترشح لولاية جديدة.. ونحن في مأمن من ثورات الربيع
TT

الرئيس الجيبوتي: لن أترشح لولاية جديدة.. ونحن في مأمن من ثورات الربيع

الرئيس الجيبوتي: لن أترشح لولاية جديدة.. ونحن في مأمن من ثورات الربيع

> ستشاركون باسم بلادكم في مؤتمر لندن حول الصومال.. ما المتوقع منه.. وكيف ترون إسهامات بلادكم فيه؟
- هذا المؤتمر هو بالقطع مؤتمر مهم سيعزز العملية السلمية والانتقال السلس لعودة الدولة المركزية التي غابت عن الصومال منذ فترة طويلة وهو الغياب الذي تسبب في كثير من المشكلات للصومال وجيرانه، أيضا هذا هو المؤتمر الثاني حول الصومال، وهو يعكس بشكل جلي الأهمية المتزايدة التي يعطيها المجتمع الدولي لحل أزمة الصومال التي طالت كثيرا.. ونعتقد أن هذه المشاركة المتميزة لممثلي أكثر من 50 دولة ومنظمة عالمية في هذا المؤتمر بمن فيهم زعماء دول منظمة «إيقاد» (وهي 7 دول أفريقية في الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا وتعمل على إحلال السلام في الصومال)، تعكس بشكل جلي أن المجتمع الدولي قرر بوضوح أن الدولة في الصومال يجب أن تعود بأسرع ما يمكن.
وفي رأينا أن المؤتمر كان فرصة لتبادل وجهات النظر بشأن خارطة الطريق التي وضعتها الحكومة الصومالية لإعادة بناء الدولة والبلاد وتم التأمين عليها، أما فيما يتعلق بإسهامنا في جيبوتي في هذا المؤتمر فنحن نعتبر أنفسنا طرفا أصيلا في مساعي الحل وإعادة بناء الصومال من الخراب الذي لحق به وتأهيله وكذلك إعادة الاستقرار إليه.
> استضافت بلادكم مرارا مؤتمرات للفصائل الصومالية.. نتج عنه حكومات انتقالية سابقة، لم يصمد بعضها.. ما رؤيتكم الحالية للأوضاع في الصومال.. وكيف ترون سير العملية السياسية فيه.
- اهتمامنا في جيبوتي بالشأن الصومالي ينطلق من مبدأ ثابت ومن رؤية استراتيجية، وقد تسابقنا مع الزمن منذ اليوم الأول لانهيار الدولة لإدراكنا بأهمية الوفاق الوطني وضرورة إقالة الصومال من عثرته.. ونحن لم نقبل أبدا حوار البندقية بين الأشقاء الصوماليين الذين تربطنا معهم روابط عميقة. كما ندرك أن الصومال دولة مهمة في القرن الأفريقي ونعتقد أنه لن يكون هناك سلام أو استقرار في المنطقة من دون السلام في الصومال لذلك استضفنا أول مؤتمر للفرقاء الصوماليين في جيبوتي عام 1991 والذي تمخض عن تشكيل أول حكومة في الصومال بعد الرئيس الصومالي الأسبق محمد سياد بري، وذلك في وقت تخلى فيه العالم عن الصومال ووقع أسيرا لأمراء الحرب، ولأن الدماء في الصومال كانت تنزف من وريد جيبوتي استضفنا مؤتمر «عرتة» الذي أحدث ما يمكن وصفه بالانقلاب في أساليب معالجة النزاع في الصومال، لأن هذا المؤتمر تجاوز أمراء الحرب لأول مرة وأشرك زعماء القبائل وممثلي الجاليات بالخارج والنساء وكل الفعاليات الصومالية، وقد أفضى المؤتمر إلى ميثاق «عرتة» الذي يصح وصفه بأنه أرسى الأساس الصحيح لمعالجة جذور الأزمة في الصومال.
ومن عرتة تم انتخاب سلطة تشريعية وتنفيذية عام 2000 في أول عملية ديمقراطية تجري في الصومال منذ انهيار الدولة هناك. وفي عام 2008 تم انتخاب الشيخ شريف شيخ أحمد رئيسا للصومال في جيبوتي، الذي تحمل هو وحكومته عبء نقل الدولة إلى مقديشو ومواجهة المتشددين على الأرض.. ونستطيع أن نقول إن أول عملية تداول سلمي للسلطة جرت في الصومال تمت على يد الشيخ شريف وكان كل ذلك نتاجا للجهد الجيبوتي المستمر والدؤوب. وبالتالي فإننا نشعر الآن بأن الفرصة تبدو سانحة والمؤشرات تبعث على التفاؤل بشأن انفراج وشيك وجذري لمشكلة الصومال خصوصا أن الحكومات الصومالية التي تشكلت في الماضي كانت تتخذ من الخارج مقرا لها ولم يكن لها وجود فعلي على الأرض. الآن الحكومة الصومالية هي حكومة منتخبة وموجودة في مقديشو، ولها حضور على الأرض وبالتالي فإن الدولة موجودة بالفعل كما أن نشاط المعارضين المتطرفين للحكومة تقلص إلى الأطراف كما أننا نلاحظ أن المنظمات الأممية المعنية بالشأن الصومالي انتقلت من كينيا إلى الصومال، كما بدأت البعثات الدبلوماسية تعود إلى مقديشو.
> تتوقعون أن يجتاز الصومال عنق الزجاجة.. وهل تشعرون بقلق حاليا من انعكاسات الوضع في الصومال على بلادكم؟
- أستطيع أن أقول بملء الفم إن الصومال بدأ بالفعل في الخروج من عنق الزجاجة ويتجه رويدا رويدا نحو الاستقرار، لكن الأمر - كي لا نكون حالمين - يحتاج البلد إلى الدعم الدولي وتضافر جهود الأشقاء الصوماليين لإعادة بناء الدولة والبلاد بالاستفادة من قوة الزخم الحالي.
أما عن انعكاسات الأزمة الصومالية على جيبوتي فهي لم تقتصر علينا فقط بل على المنطقة ككل، والعالم أيضا، من خلال اللاجئين المنتشرين في بقاع العالم، وانعكاسات قضية القرصنة، على التجارة الدولية. فعلى مدى عقدين من الزمان كنا نتعامل مع بلد بلا حكومة مركزية، ولكن عندما تصاعدت عمليات القرصنة في البحار فإن كثيرا من الدول قامت بنشر أساطيلها في عرض البحر من دون أن يجدي ذلك نفعا لأننا مهما جمعنا من أساطيل العالم فإن ذلك لن ينفع ما لم تعالج جذور المشكلة على الأرض وهو ما نشعر أن المجتمع الدولي أدركه أخيرا وبشكل متأخر، وبدأ يتحرك لإعادة الاستقرار على الأرض ودعم الدولة في الصومال.
> هناك تقاطع مصالح بين بلادكم ودول في القرن الأفريقي خاصة إريتريا وإثيوبيا.. بشأن الأوضاع في الصومال.. كيف تأثرت علاقاتكم مع هذه الدول بسبب الأزمة في الصومال؟
- على مدى السنوات الماضية كانت هناك خلافات مع بعض الدول وكانت هناك تباينات مع البعض الآخر، لأننا كنا نرفض أن تتحول الصومال إلى ساحة لتسوية الخلافات بين الدول، وفي النهاية نحن توصلنا وبعد سنوات من التحركات إلى تفاهمات لحل المشكلة عبر آلية منظمة «إيقاد» وهي الدول التي لديها حدود مع الصومال وتعاني من تداعيات المشكلة. وقد اتفقنا في «إيقاد» على أهمية إعادة الدولة والاستقرار إلى الصومال.
بالنسبة لإثيوبيا فإن بيننا تعاون وتفاهم كبير بشأن الصومال، ولكن بالنسبة للإريتريين فنحن اختلفنا معهم بشأن سياستهم في الصومال وتطور هذا الاختلاف إلى الاعتداء والعدوان علينا.. لأن الرئيس الإريتري حاول استخدام الصومال لتصفية خلافاته مع إثيوبيا واستضاف المحاكم الشرعية التي شنت حربا بالوكالة نيابة عن إريتريا ضد إثيوبيا في الصومال وقد تمكنا بعد جهود كبيرة من إقناع الفرقاء الصوماليين وجمعتهم في جيبوتي وتم التأكيد على مبدأ الحوار بين حكومة الرئيس عبد الله يوسف والشيخ شريف وكذلك إجراء الحوار بين الإثيوبيين والمعارضة، وقد نجحنا في جيبوتي في منع تدويل حرب الصومال وإيقاف الحروب بالوكالة لكننا دفعنا الثمن عبر العدوان الإريتري الذي لازلنا نعاني منه منذ عام 2008، وما زالت حالة اللاسلم مع إريتريا مستمرة.
وهذه فاتورة الالتزام القومي نحو الصومال الذي نعتبره على الدوام خطا أحمر لأننا نعتقد أن أمن الصومال هو أساسي لجيبوتي وللأمن القومي العربي.
> أين وصلت مساعي حل النزاع بين جيبوتي وإريتريا
- اندلع الخلاف الحدودي مع إريتريا إثر الاعتداء الإريتري على بلادنا حيث قام النظام الإريتري باحتلال جزء من أراضينا (جبل دوميرا وجزيرة دوميرا) في عام 2008، وعلى الرغم من المساعي الحميدة التي بذلتها بلادنا لنزع فتيل الأزمة، فإن أسمرة أصرت على إدامة هذا الاحتلال ورفضت كل شكل من أشكال التعاون لإنهاء النزاع بالطرق السلمية، أما إنكار الرئيس الإريتري لاحتلاله لجزء من أراضي جيبوتي فهو مجاف للحقيقة.. لأنه ينكر حتى هذه اللحظة حدوث أية اشتباكات بين قوات البلدين، على الرغم من أن هذه الاشتباكات أسفرت عن مقتل جنود وأسرى من كلا الطرفين.. إذن أستطيع أن أقول إن بلادنا ترتبط بعلاقات متينة وتعاون وثيق مع دول الجوار، ما عدا دولة إريتريا التي تشكل حالة استثنائية في المنطقة.
> واجهت بلادكم حركات شعبية على شاكلة الربيع العربي.. لكنها هدأت هل تعتبرون أنفسكم في مأمن الآن من أي ثورات شعبية على غرار ما حدث في البلدان العربية؟
- نحن في جيبوتي لا تساورنا أية مخاوف من انتقال حمى المظاهرات إلى بلادنا، لأن الأوضاع عندنا مختلفة تماما عما عليه في أغلب البلاد العربية، فنظامنا ي يقوم على التعددية والشراكة، ليجد كل فرد من مجتمعنا نفسه ممثلا في السلطة والحكم. وقد قمنا في هذا السياق بإصلاحات هامة، تضمنت تبنى اللامركزية، لتقريب الحكم إلى الشعب وتعزيز مشاركة القطاعات الفاعلة، بما فيها قطاع الشباب، الذي يعتبر من أهم هذه القطاعات، وعليه فإن شبابنا يشاركون في صنع القرار في بلادنا، ويتمتعون بالحقوق والحريات التي يطالب بها الشباب في بلدان الربيع العربي، ولذا فإننا نستبعد انتقال عدوى هذه الظاهرة إلى الشباب الجيبوتي. ومهما يكن من أمر فإنني أعتقد أن وصول أناس إلى الحكم دون غيرهم يتوقف على اختيار الشعب لهم، ويجب احترام إرادة الشعب في اختياره. وفى هذا الإطار، فإننا لا نرى أي داع للانزعاج أو عدم الارتياح، بل ينبغي احترام خيار الشعوب الشقيقة في دول الربيع العربي، ونأمل أن تجتاز هذه الدول العريقة مرحلة التحول الديمقراطي الذي تمر بها بنجاح.
> لكن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى وجود فقر وبطالة وفساد مستشر في بلادكم.. كيف تعملون على رفع مستوى النهضة في بلادكم؟
- أولا أنتم تعلمون أن موارد جيبوتي محدودة، إلا أن الواجب الاستراتيجي للدولة هو رفع المعاناة عن الشعب وتحقيق الرفاهية، ومقتضيات السياسات المرسومة هو الوصول بتلك الاستراتيجية إلى أهدافها.
ولكن دعني أذكرك بأن كل دول العالم تمر بتجربة اقتصادية مريرة، ففي ظل الركود الاقتصادي ارتفعت معدلات البطالة في الدول المتقدمة حتى بلغت في بعضها ما نسبته 12%، وهو ما لم تصله معدلات البطالة في جيبوتي. ونعمل بجد كبير في استقطاب الاستثمار الأجنبي لدعم مسيرة الاقتصاد وبالتالي خلق المزيد من فرص العمل وقهر البطالة، ومشروعات التنمية المقترحة والمخططة هي المفاتيح الرئيسية للتوظيف. وهي في نهاية الأمر حزمة متكاملة من واجبات الدولة، فتوفير فرص العمل هي المدخل لمحاربة الفقر وتحقيق التنمية الاجتماعية الفعلية.
أما الفساد فهو ليس مستشريا كما أننا نحاربه بكل قوة ولدينا بالفعل هيئة مسؤولة عن مكافحة الفساد.
> تتقلدون السلطة في بلادكم منذ 1999 هل ستترشحون لولاية جديدة أم تتيحون الفرصة لدماء جديدة.
- أنا توليت السلطة بعد أن تركها سلفي طوعا ولدينا تداول سلمي للسلطة فأنا لا أنوي البقاء في السلطة لكنني سأتحمل مسؤوليتي حتى انتهاء الولاية التي كلفني بها الشعب ونحن نسعد، بأننا من الدول القليلة في القارة الأفريقية التي تنعم بالاستقرار والديمقراطية. فالنظام الحاكم نظام ديمقراطي في الأصل، فالرئيس والبرلمان تأتي به صناديق الانتخابات، وهذه أول مداخل الديمقراطية. وعلى الرغم من الظروف العصيبة التي أحاطت بدول جوار جمهورية جيبوتي من حروب ومشاكسات، إلا أننا استطعنا المحافظة علي بيئة ديمقراطية مقبولة إلى حد كبير.
> تحتضن بلادكم قواعد عسكرية أميركية وفرنسية ويابانية، يعتبرها بعض الجيران مصدر قلق.. كيف تتعاملون مع هذه الانتقادات؟
- نحن نعيش عصر العولمة وهذه القواعد جاءت في إطار اتفاقيات ليست سرية لمكافحة الإرهاب والقرصنة. وهذه القواعد لا تهدد أمن أي دولة، ولم تشتك أي دولة من دول الجوار بأنها تهدد أمنها لأن القواعد جاءت في إطار اتفاقيات لحفظ الأمن والسلم العالميين.
> هناك تحركات إيرانية قرب باب المندب، واتهامات من اليمن لطهران بالتورط في القضايا الداخلية من خلال إرسال أسلحة للمتمردين الحوثيين.. كيف ترون هذه التدخلات الإيرانية؟
- نحن نعتقد بشكل جازم أن هناك حاجة لتعاون إقليمي كبير بين الدول المطلة على البحر الأحمر.. وانطلاقا من هذا اليقين نرى أن مسؤولية حماية البحر الأحمر والممرات المائية هي مسؤولية جماعية، ونحن لدينا تعاون وثيق مع عدد من الدول المطلة على البحر الأحمر ولا نسمح بأي تهديد لأمن جيراننا خاصة في اليمن.. فأي تهديد للأمن في اليمن نحن لن نتساهل معه ونرفضه بغض النظر عن مصدر هذا التهديد، وفي هذا الصدد نحن على تنسيق كامل مع اليمن، لأن اليمن دولة مهمة وشريك استراتيجي بالنسبة لنا إضافة إلى أن أمن الملاحة الدولية للجميع.
> كيف تصفون علاقة بلادكم مع الجامعة العربية؟ وما تقييمكم لدور الجامعة في حل الأزمات العربية.. وما رؤيتكم للإصلاح؟
- الأخ لا يسال عن علاقته بأخيه.. فجيبوتي دولة عربية مهمة في القرن الأفريقي ولدينا علاقات أهل وأشقاء وتعاون مع إخواننا العرب.. أما فيما يتعلق بالعلاقات السياسية فعلاقتنا مع كل الدول العربية جيدة.. وننتمي جميعنا إلى بيت العرب نتقاسم انتصارات الأمة وانكساراتها.. لكن في التعاملات الأقرب فنحن لدينا علاقات قوية وجيدة مع دول الخليج العربي ونحن نثمن الإسهام الخليجي الكبير في معركة التنمية في جيبوتي منذ الاستقلال فدول الخليج نعتبرها شركاء لنا خاصة الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية التي لم تتأخر عن تقديم الدعم والعون ونقدر حكمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ومواقفه القومية ونعبر عن تقديرنا لجهوده الكبيرة.
> الأوضاع في سوريا تتأزم.. وكذا في دول الربيع العربي مصر وتونس وليبيا.. تعيش أوضاعا مضطربة كيف تتعاملون مع هذه الأوضاع؟
- نتابع باهتمام شديد التطورات في العالم العربي وخصوصا في دول الربيع العربي، ونعتقد أن أشقاءنا في مصر وتونس وليبيا قادرون على مواجهة تحديات التغيير، لأنها شعوب عظيمة.. ونقف مع خياراتها قلبا وقالبا.. ونتابع بقلق شديد ما هو جار في سوريا ونأسف لإراقة الدماء ونحترم خيارات الشعب السوري. ونحن أكدنا مرارا أننا مع موقف الإجماع العربي للتغلب على التحديات التي تواجه الأمة العربية من كل حدب وصوب.



أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.