هل الصحافيون أبرياء؟

تقرير الكونغرس عن تعذيب «سي آي إيه» للمتهمين بالإرهاب

جون برينان المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية {سي آي إيه} أثناء مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ب)
جون برينان المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية {سي آي إيه} أثناء مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ب)
TT

هل الصحافيون أبرياء؟

جون برينان المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية {سي آي إيه} أثناء مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ب)
جون برينان المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية {سي آي إيه} أثناء مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ب)

حسب التقرير الذي أصدرته، في الأسبوع الماضي، لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ عن تعذيب وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) للمتهمين بالإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، سرب مسؤولون في الوكالة، بشكل غير قانوني، معلومات سرية إلى صحافيين أميركيين، لتأكيد نجاح الوكالة فيما كانت تقوم به.
وخصوصا عن برنامج «انهانسد انتيروغيشن» (استجواب متطور)، الذي وصفه تقرير الكونغرس بأنه كان «تورشار» (تعذيب). وفي الأسبوع الماضي، بعد صدور التقرير، استعمل الرئيس أوباما نفس الكلمة. وقال إن «التعذيب شيء غير أميركي». لكنه، ولجنة الكونغرس، قدم اعتذارا. أو دعا إلى تحقيق. أو محاكمة المسؤولين (طالبت بذلك لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة).
وبعد أن كانت الاتهامات تتبادل، منذ قبل صدور التقرير، بل منذ بداية عمليات «سي آي إيه»، بين سياسيين مؤيدين ومعارضين للعمليات، بعد صدور التقرير بدأت الاتهامات تتبادل بين الصحافيين في جانب، والسياسيين في الجانب الآخر، وفي الوسط، جواسيس سابقون في «سي آي إيه».
من بين أمثلة استغلال «سي آي إيه» للصحافيين الأميركيين أن مدير قسم العلاقات العامة في «سي آي إيه» اتصل مع رونالد كيسلار، مؤلف كتب، وكان مدير التحرير في صحيفة «واشنطن بوست». وطلب منه تغيير أجزاء في مسودة كتاب كان يكتبه، هو «حرب سي آي إيه» (صدر الكتاب عام 2008). وأن كيسلار أجرى «تغييرات جوهرية» في مسودة الكتاب. منها الآتي: «تقدر سي آي إيه» على أن تشير إلى سلسلة من النجاحات، وعشرات من المؤامرات التي أفسدت بسبب تكنولوجيا الاستجواب القسري.
وبعد يوم من صدور التقرير، سارع كيسلار، واتصل مع عدد من زملائه السابقين في صحيفة «واشنطن بوست» ليدافع عن نفسه. من بين الذين تحدث معهم بول فارهي، مسؤول الإعلام في الصحيفة. وقال له، في غضب: «فقدت لجنة الكونغرس مصداقيتها لأنها لم تقدم كل التفاصيل، ولأنها نشرت معلومات، وأخفت معلومات أخرى». وبرأ نفسه من الآتي:
أولا: خضع لتعليمات «سي آي إيه».
ثانيا: استغلته «سي آي إيه».
ثالث: أسهم في أكاذيب «سي آي إيه».
وهناك صحافي آخر، هو دوغلاس جيهيل، صحافي مع صحيفة «نيويورك تايمز». وقال عنه تقرير الكونغرس إن «مسؤولين من (سي آي إيه) اتصلوا معه، عام 2005، عندما كان يكتب تقريرا لصحيفته عن بلاك هولز (الحفر السوداء)». تشير هذه إلى سجون في دول عربية، وآسيوية، وأوروبية، أرسلت إليها «سي آي إيه» معتقلين بتهم الإرهاب، بهدف استجوابهم استجوابات قسرية.
وقال التقرير إن «الصحافي تعاون مع (سي آي إيه) وقدم لها معلومات مفصلة». وقال إنه سيكتب في تقريره إن أساليب الاستجواب القسرية كانت «مفيدة» لأنها وفرت معلومات كثيرة عن الإرهاب والإرهابيين.
قبل 4 سنوات، انتقل جيهي من «نيويورك تايمز» إلى «واشنطن بوست»، وهو الآن مدير القسم الخارجي فيها. وسارع، وأصدر بيانا صحافيا قال فيه: «عندما كنت مراسلا لشؤون الأمن الوطني في صحيفة (نيويورك تايمز)، وفي عام 2005، عملت بقوة لمتابعة ونشر قصص عن الاستجوابات القاسية التي كانت تمارسها (سي آي إيه) مع المتهمين بالإرهاب. أنا فخور بالعمل الذي كنت أقوم به مع زملائي في (نيويورك تايمز)».
وأضاف: «لكن، لم تتصل بي لجنة الاستخبارات التي أعدت التقرير. وأيضا، لن أعلق على اتصالات أجريتها مع مصادر إخبارية، كنت وعدتها بالمحافظة على سرية اتصالاتنا».
وتحدث التقرير عن صحافي ثالث لم ينشر اسمه. وقال التقرير إنه، «في عام 2002، اتصل نائب الرئيس ريتشارد تشيني بالصحافي لم ينشر التقرير اسمه. وإن شيني أقنع الصحافي بعدم نشر اسم الدولة التي أرسل إليها أبو زبيدة، من قادة (القاعدة) وذلك لأن النشر ستكون له تداعيات أمنية. وسيجبر البلد المضيف على رفض قبول مزيد من المتهمين بالإرهاب».
بعد نشر تقرير الكونغرس عن «سي آي إيه»، سارع جيمس ريزين، صحافي سابق في صحيفة «نيويورك تايمز»، وقال إنه هو الصحافي الذي اتصل معه نائب الرئيس. وإن الدولة هي تايلاند. واعترف ريزين أن صحيفة «نيويورك تايمز»، نعم، لم تشر لذلك في ذلك الوقت.
ولم يقل ريزين شيئين:
أولا: إذا كان ذلك بسبب دور نائب الرئيس. (في وقت لاحق، نشرت الصحيفة اسم البلد، تايلاند، ولكن، بعد أن نقل منها أبو زبيدة).
ثانيا: إذا اتصل نائب الرئيس بشخص آخر في الصحيفة.
وفعلا، أصدر آرثر سولزبيرجر، ناشر الصحيفة، بيانا قال فيه: «كانت هناك مناسبات عندما قررت (تايمز) عدم نشر موضوع معين. وذلك، بعد جمع معلومات مؤكدة، خوفا من أن يؤدي إلى نشر مخاطر في حياة الناس المعنيين، أو غيرهم».
واختتم قائلا: «تظل سياستنا هي دائما نشر الخبر بأسرع فرصة ممكنة. على أن نفعل ذلك في حكمة وتأن».
وفهم من البيان شيئان:
أولا: نائب الرئيس شيني اتصل مع الناشر.
ثانيا: لم يرفض الناشر الطلب.
وسارع دين باغيت، رئيس تحرير الصحيفة في الوقت الحاضر، وقال إنه «لم يكن موجودا» عندما حدث هذا. وقال إن بيان الناشر «يوضح كل شيء».
ثم دخل على الخط جاسوس سابق: «خوسيه رودريغيز. كان مدير قسم مكافحة الإرهاب في (سي آي إيه). وقبل ذلك عمل لسنوات في الشرق الأوسط كجاسوس سري. ودافع عن استجواب المتهمين بالإرهاب استجوابات قاسية وظل يدافع حتى يومنا هذا». وقبل 3 سنوات، أصدر كتاب: «إجراءات متشددة: كيف أنقذت التحقيقات القاسية أرواح الأميركيين».
قال الجاسوس، الذي تقاعد: «كلنا اندفعنا في البداية: سياسيون، وصحافيون، وجواسيس». وأضاف: «وافق على الاستجوابات المتشددة كبار المسؤولين، ونفذها كبار الجواسيس، وكتب عنها كبار الصحافيين».
وأضاف: «إذن برنامج الاستجواب المتشدد من قبل أعلى المستويات في الحكومة الأميركية. وصدر قانون عنه من وزارة العدل».
وقال إنه «إذن لبرنامج الاستجواب المتشدد من قبل أعلى المستويات في الحكومة الأميركية. واطلع قادة لجان الاستخبارات في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وكل من قادة الحزبين في الكونغرس، على هذا السياسات. وأنه اشترك في كثير من هذه المرات. وأن عدد الاجتماعات كان أكثر من 40 اجتماعا بين عامي 2002 و2009».
وها هم الآن «يتبرأون» منها.
وقال إنه في عام 2002، كتبت السيناتور دايان فينشتاين في صحيفة «نيويورك تايمز»: «كانت هجمات 9 / 11 صحوة حقيقية. من الآن فصاعدا، لن يكون أي شيء عملا معتادا. إن التهديد عميق ويجب علينا، مضطرين، أن نفعل بعض الأشياء التي كنا، تاريخيا، لا نرغب في أن نفعلها» (تقصد تعذيب المعتقلين للحصول على معلومات لمنع هجمات إرهابية جديدة).
وقال الجاسوس السابق: «أصدر السياسيون القانون (المتشدد)، ونفذناه نحن، ولم يعترض الصحافيون».
في الحقيقة، لم تعترض صحف أميركية على تعذيب المعتقلين. ورضخ الصحافيون الذين كتبوا لما جاءهم من الحكومة من «نصائح» و«ملاحظات» وبهذا، لم يختلف الصحافيون عن السياسيين والجواسيس.



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.