الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

بعد النزوح المتزايد للشعراء باتجاه الرواية

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

لطالما كانت الإشكالية المتعلقة بقدرة الكاتب أو الفنان على الجمع بين شكلين أو أكثر من أشكال التعبير، مثار جدل واسع بين النقاد والدارسين وذوي الاختصاص. ولكن ما حفزني على مقاربة هذا الموضوع من جديد، هو تزايد حالات «الصبأ» الإبداعي من فن إلى فن، ومن حقل أدبي إلى حقل آخر. واللافت في هذا السياق أن مثل هذا النزوح لم يكن ملحوظاً من قبل، ولم تشهده الحياة الثقافية العربية إلا في العقدين الفائتين، وبعد أن باتت الرواية دون غيرها ديوان العرب، والعالم استتباعاً. إذ في ظل كساد الشعر وتراجعه اللافت، لا ينفك هذا النوع الأدبي يجتذب إليه المزيد من القراء، ويحقق أرقاماً عالية من المبيعات، ويحصد النسبة الأعلى من الجوائز القيمة، في المجالين المادي والمعنوي، ويحظى بالنصيب الأوفر من الترجمات إلى العديد من لغات العالم الحية.
وإذا كان لهذا الأمر من دلالة فهو يعني أن هجرة الشعراء، وسائر المشتغلين بالفنون الأخرى، باتجاه الرواية، لم تتم بشكل عفوي، ولا هي ثمرة إلحاح داخلي يفرض نفسه على الكاتب، بل هي بنسبة عالية وليدة إرادة وتصميم واعيين ومعلومي الأهداف. وإذا كنت قد حرصت على تجنب التعميم فلكي أتجنب الأحكام اليقينية والقاطعة من جهة، ولمعرفتي الشخصية بأن هناك شعراء، ولو قلة، يمتلكون موهبة السرد بشكل جلي، بحيث كان ذهابهم باتجاه الرواية محصلة طبيعية لشغفهم بها وتوقهم إلى كتابتها.
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه في هذا السياق، لا يتعلق بحق الكاتب في مقاربة ما يشاء من ضروب الكتابة والفن، وهو حق بديهي نابع من حرية الفرد الكاملة في التعبير عن نفسه، كما في اختيار مسيرته وأهدافه، بل يتعلق بقدرة أي منا على توزيع نفسه بين نوعين أدبيين أو لونين من الفنون، دون أن يعرضها للتشتت والفصام النفسي والتعبيري.
وإذا اعتبرنا، استتباعاً، بأن توفّر الموهبة هو الشرط المسبق والأساسي لكل نشاط إبداعي، فهل يمكن لأحد من المشتغلين بالأدب والفن أن يحظى بموهبتين اثنتين، أو بالعديد من المواهب، وبالمستوى نفسه من التأجج والاضطرام؟ على أن مثل هذه التساؤلات ليست منبتّة بأي حال عن أسئلة أخرى تتعلق بطبيعة الكتابة وشروطها، وما نجم عن ذلك من تباينات وفروق في الرؤية والمفهوم بين المدارس الأدبية والنقدية، التي يركز بعضها على ربط الإبداع بعناصر خارجة عن إرادة صاحبه كالموهبة والإلهام، كما يذهب الرومانسيون، وبين من يقفون على الطرف النقيض من هذه الرؤية، كما يفعل الرمزيون الذين أكدوا على أن في داخل كل فرد قابليات للتعلم وإمكانيات قابلة للتحقق، شرط أن يقرن الإرادة والتصميم، بعوامل الدربة والكدح والتحصيل المعرفي.
وإذا كانت كل مدرسة من المدارس النقدية تصر على الإمساك بطرف واحد من الحقيقة دون سواه، فإن الحقيقة الإبداعية تظل في مكان بعيد الغور، وتظل النصوص الإبداعية نفسها عصية على التدجين.
ومع ذلك فإننا لا نُعدم في الحقبة الأخيرة من يؤكد على الطبيعة «الحِرَفية» للفنون، بحيث ارتفعت أصوات الاعتراض على النخبوية الفاقعة للكتاب والفنانين، الذين أعلت حركة الحداثة من شأنهم، واعتبرتهم رسل الوحي وصفوة الجنس البشري.
وقد بدت حقبة ما بعد الحداثة بمثابة احتجاج صارخ على نزعة التمييز الحداثوي ذي النكهة «العنصرية»، منتصرة للفولكلور والتعبيرات الشارعية وفنون الكيتش والتجهيز والموسيقى والغناء الشعبيين، ومضيقة المسافة بين الفنون «العليا»، وبين السلع والأدوات التي تنتج بغرض الزينة أو الترفيه، أو الاستهلاك العادي. وقد بدأنا نلمس التأثير البارز لهذه المفاهيم، ليس فقط عبر عدد من المحترفات والورش الفنية التي قامت مؤخراً للتدرب على الرواية والقصة وفنون السرد، بل عبر ورش مماثلة لتعليم الشعر والتدرب على كتابته.
ومع الاعتراف بوجاهة هذه التجارب الرائدة وجرأتها، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن ما نحصل عليه بواسطتها لا يتعدى في أحسن الأحوال ما تقدمه لنا معاهد الرسم والموسيقى والمسرح من أسماء وتجارب متوسطة المستوى، في حين أن التحليق عالياً يتطلب أجنحة من نوع مختلف وإنصاتاً مرهفاً إلى مكابدات الداخل وأنين الأعالي.

الموهبة والكدح
وإذا كانت إشكالية العلاقة بين حصة الموهبة من العمل الفني وحصة الكدح والتصميم والتحصيل المعرفي، ليست موضع إجماع الدارسين والمهتمين، فإن ما تهدف هذه المقالة إلى مقاربته هو أمر آخر، يتعلق بثنائية الموهبة لدى بعض الكتاب والفنانين، من جهة، وبنزوح الكثيرين من حقل إبداعي إلى حقل آخر، من جهة أخرى.
ولو سلمنا جدلاً بأن كائناً ما، يشعر منذ الطفولة بأنه موزع بين نوعين من الميول الفنية، فهل بوسع هذه الثنائية أن تستمر طويلاً، أم أن غبار الحيرة لا بد أن ينجلي فيما بعد عن تثبت الشخص المعني من حقيقة نفسه، ومن الكنز الحقيقي الذي يمتلكه.
وهو إذ يقطع الشك باليقين، يشرع في تنكب المغامرة التي لا حدود لمباهجها ومشقاتها. وهو لكي يفعل ذلك يحتاج إلى كامل أعصابه وكامل تصميمه وكامل حياته. وإذا كان هذا الأمر ينسحب على الفنون كلها، فهو يصبح مع الشعر أكثر ضراوة ووطأة، ليس فقط لأن هذا الأخير يعمل على التكثيف والمجاز والإيماء، بل لأنه أقرب إلى رمية النرد، وفق مالارميه، ولأن نظام المصادفات اللانهائية، يحول اللغة إلى متاهة حقيقية، وإلى سلسلة من الاحتمالات، لا تكفي لاستنفادها حياة واحدة ومحدودة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالنص المفتوح، أو بالتداخل بين الفنون داخل النص الواحد، وبسائر الأنماط المركبة التي اقترحتها الحداثة على المتعاطين بشؤون الكتابة والفن في العقود المنصرمة، بل بقدرة المبدع الفعلية على الجمع، وبالمستوى نفسه، بين شكلين أو أكثر من أشكال التعبير.
والحال أن ما نملكه من شواهد ملموسة يحيلنا إلى واقع مغاير، حيث يتعذر على الكاتب والفنان، أن يحقق فرادته، بالمعنى العميق للكلمة، إلا في مجال إبداعي واحد، فيما لا يتجاوز المستويات المتوسطة في المجالات الأخرى. وإذا كانت الأسماء المعنية بتعدد الهويات أغزر من أن تتسع لذكرها هذه المقالة، فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى بعضها إلى الأقل، حيث بدت الفوارق واضحة بين «متن» المشروع الأصلي لهذه الأسماء وبين ما استتبعه من هوامش وتفرعات.
فالقصائد التي كتبها هايدغر، لا تقارن بأي حال مع أعماله الفلسفية والنقدية التي تجمع بين الحفر المعرفي واللغة المتوقدة. والأمر نفسه ينسحب على بورخيس الذي تفتقر أشعاره إلى ذلك الشرر الأخاذ الذي ينبثق عن قصصه القصيرة وكتاباته السردية والنقدية الأخاذة. كما أن رسوم لوركا وجبران على شفافيتها، لا تمتلك الفرادة نفسها التي يجسدها شعر الأول ونثر الثاني. أما رائد الحركة السوريالية أندريه بريتون فهو يبدو في روايته «نادجا» مجرد سارد عادي، بالقياس إلى لغته الشعرية الجامحة.
وإذا كانت ظاهرة الجمع بين الأنماط التعبيرية لا تختلف كثيراً على الصعيد العربي، فإن أكثر ما يلفت في هذه المرحلة هو نزوح الكثير من الشعراء باتجاه الكتابة السردية، والروائية على وجه الخصوص، والتي حاز بعضها على جوائز مرموقة، مثل «القوس والفراشة» لمحمد الأشعري، و«حرب الكلب الثانية» لإبراهيم نصر الله، و«خريف البراءة» لعباس بيضون.
ومع أنه لم يتسن لي حتى الآن قراءة مجمل الأعمال الروائية للشعراء العرب، فإن ما تيسرت لي قراءته يؤكد، عدا استثناءات قليلة، على أن الهوية الإبداعية تظل مفردة في عمقها الأخير. وهي ولو قبلت القسمة على اثنين أو أكثر من الأنواع فغالباً ما يحدث الأمر على حساب واحد منها. وهو ما ينسحب بشكل واضح على الهوية المركبة لجبرا إبراهيم جبرا، وهو المثقف والناقد والمترجم والروائي والشاعر، والذي لم يتردد رغم ذلك في العزوف عن كتابة الشعر والتوجه نحو الرواية، بعد أن بدت تجربته الشعرية أقرب إلى التأليف والاشتغال الذهني منها إلى التفجر الروحي الداخلي.
ولعل الكاتب اللبناني رشيد الضعيف هو واحد من القلائل الذين أدركوا استحالة الاستمرار حتى النهاية في الجمع بين الهويتين الروائية والشعرية، ولهذا السبب فإن صاحب «لا شيء يفوق الوصف» ما لبث أن تخلى عن الشعر، على أهمية ما أنجزه من أعمال، لينقطع إلى لغة السرد التي ذهب بها إلى عوالم وكشوف أكثر رحابة واتساعاً. وقد لا أكون مجافياً للحقيقة إذا قلت إن الفلسطيني إبراهيم نصر الله هو الكاتب العربي الوحيد الذي وزع نفسه بالتساوي بين الشعر والرواية، ودون أن يطغى أي جانب منهما على الآخر بشكل حاسم.
وإذا كان قراء نصر الله ومتابعوه قد لاحظوا أن الشاعر الكاتب، قد أفرد لتجربته الروائية في الآونة الأخيرة، المساحة الأوسع من وقته وجهده لتجربته، إلا أنهم يدركون في الآن نفسه أن تلك الانعطافة قد حدثت على حساب الشعر بالذات، حيث كان يمكن لصاحب «الفتى النهر والجنرال» أن يذهب في هذا الإطار إلى التخوم الأخيرة التي يشتهي بلوغها.
لا يعني ذلك بالطبع أننا لا نعثر فيما أصدره الشعراء العرب من مؤلفات سردية على أعمال متميزة ورفيعة المستوى، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة كون الإنجاز الأهم للشعراء الحقيقيين، يتمثل في دواوينهم ومجموعاتهم الشعرية بالذات، حيث تلمع النواة الماسية الصلبة لبروق اللغة واستعاراتها الأخاذة.
وعلينا ألا نغفل في هذا الإطار أن بعض الشعراء يوظفون لغتهم الشعرية بشكل خاطئ ومتعسف داخل العمل الروائي، ودون أي مسوغ مشروع، بما يشبه «وضع الندى في موضع السيف»، بما يفضي إلى إعاقة السرد وتهجين العمل برمته.
وثمة من ناحية ثانية عامل آخر لا يصب في مصلحة الغالبية من الشعراء الروائيين، وهو التضخم النرجسي المرضي الذي يحول دون تخفف الأنا من «أنويتها» الطاغية، ودون تواريها بالكامل خلف أبطال الرواية وهواجسهم وأزمنتهم المغايرة.
وأنا أعتقد تبعاً لذلك، وحتى يثبت العكس، بأن أفضل الاستثمارات التعبيرية للشعراء، تتجلى في الإطار النقدي الذي يتيح لثقافتهم الواسعة ولاختباراتهم الإبداعية والروحية أن تأخذ طريقها إلى التوهج والانبثاق، وهو ما بدا جلياً في الكتابات النقدية لأدونيس وعبد المعطي حجازي وأنسي الحاج وتوفيق صايغ ومحمد بنيس وعلي جعفر العلاق وعز الدين المناصرة وعلوي الهاشمي وعباس بيضون ومنصف الوهايبي، وكثر غيرهم.
أما في الجانب السردي، فقد تكون كتابة السيرة والمذكرات والاعترافات، هي المجال الحيوي الأكثر ملاءمة لطبائع الشعراء ونوازعهم، حيث تعمل الأنا الفردية على الحفر في ترابها الحميم، متسلحة بالشواهد الحية والأدلة الملموسة في صراعها مع النسيان.
ولعل ضرب هذا النوع من الكتابة على الوتر الأكثر حساسية لافتتان الشعراء بأنفسهم، هو الذي يجعل من سيرهم الشخصية التي تولوا كتابتها بأنفسهم أيقونات أدبية رفيعة، كما هو حال بابلو نيرودا في سيرته الرائعة «أعترف أنني قد عشت»، ورسول حمزاتوف في سيرته المماثلة «داغستان بلدي»، ومحمود درويش في سيرته الموزعة بين «يوميات الحزن العادي» و«ذاكرة للنسيان»، ومريد البرغوثي في «رأيت رام الله»، على سبيل المثال لا الحصر.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».