يؤكد خبراء في مجال تحلية المياه أن هناك حاجة استراتيجية لاستخدام الطاقة الشمسية لتحلية المياه في السعودية؛ بعد أن أصبحت حاجة المياه وندرتها تمثل تحديا لدى الكثير من دول العالم، إذ إن الأمن المائي لا يقل أهمية عن الأمن الوطني.
ويشير الدكتور عبد الرحمن آل إبراهيم محافظ المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة إلى أن السعودية بذلت الكثير في مجال تحلية المياه، حيث نفذت المؤسسة خلال 40 عاما الكثير من مشروعات إنتاج الماء والكهرباء، حتى أصبح لديها 27 محطة عاملة بإنتاج يزيد على ثلاثة ملايين متر مكعب يوميا من المياه المحلاة، وهو ما يمثل أكثر من 50 في المائة من احتياجات مياه الشرب في السعودية.
وتحدث الدكتور عبد الله العضيبي أستاذ بحث الطاقة الشمسية بمعهد بحوث الطاقة بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، أن مدينة الملك عبد العزيز قطعت شوطا كبيرا في مجال توطين تصنيع وإنتاج ألواح الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتطويرها بما يتلاءم مع بيئة السعودية، ومن أهم المنجزات التي حققتها السعودية في هذا المجال وأهمها مبادرة خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتحلية المياه بالطاقة الشمسية بالخفجي 2014.
ويتحدث الدكتور حسام خنكار عضو هيئة البحث في مدينة الملك عبد العزيز والتقنية عن الفجوة المتزايدة على الطلب المتنامي للطاقة ومواكبة خطط التنمية بالسعودية والحلول التي اتخذتها البلاد حول استخدام الطاقة البديلة.
يقول محافظ المؤسسة العامة لتحلية المياه نحو 18 في المائة من الإنتاج العالمي، وهذا ما جعل السعودية في صدارة الريادة كأكبر منتج للمياه المحلاة في العالم.
وقال آل إبراهيم في تقرير اصدرته المؤسسة إن الدول العربية التي يمثل سكانها نحو خمسة في المائة من إجمالي سكان العالم لا يتوافر فيها سوى واحد في المائة من المصادر المائية العذبة المتجددة، وهو ما أعاد المنطقة العربية للمرتبة الأخيرة من حيث توافر المياه العذبة للفرد مقارنة بالمناطق الأخرى في العالم، مما حدا بمعظم الدول العربية إلى بناء قدرات تحلية وصلت إلى ما يربو على 50 في المائة عالميا.
وعن الكميات التي توفرها السعودية من المياه المحلاة ومن المياه الجوفية أوضح آل إبراهيم، أن إنتاج المؤسسة من المياه المحلاة ارتفع إلى أكثر من مليار متر مكعب من المياه سنويا، وهي تسهم بشكل فاعل ومباشر بتوفير 53 في المائة من احتياجات المياه في السعودية وفي بعض المدن تصل إلى مائة في المائة مثل جدة ومكة ومدن المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى مشروعات الإنتاج المزدوج (IWPPs)، وهي مشروع الشعيبة المرحلة الثالثة والتوسعة بطاقة 1.030 مليون متر مكعب ماء يوميا لتغذية مكة المكرمة وجدة والشعيبة والطائف والباحة، ومشروع الشقيق المرحلة الثانية بطاقة 212 ألف متر مكعب ماء يوميا ويغذي محافظات ومراكز منطقتي عسير وجازان، ومشروع الجبيل التابع لشركة مرافق بطاقة إنتاجية تبلغ 800 ألف متر مكعب ماء يوميا يخص المؤسسة 500 ألف متر مكعب من المياه المحلاة ويغذي مدن ومحافظات المنطقة الشرقية، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج إلى 8.3 ملايين متر مكعب ماء يوميا حتى عام 2025.
وعن تقييمه لتجربة السعودية في تحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية قال المحافظ: «إننا نعمل على أن تكون خيارا استراتيجيا للاستفادة من مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على الوقود الأحفوري مثل البترول ومشتقاته أو الغاز والتوجه نحو الطاقات المتجددة، بالتعاون مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وبمشاركة وزارة المياه والكهرباء والمؤسسة العامة لتحلية المياه وقطاعات أخرى، كما جرى التنسيق مع مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة في سبيل العمل على دراسة تشغيل المحطات الصغيرة بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح حسب نتائج الدراسات، ومن هذا المنطلق يتم العمل بمعهد أبحاث المؤسسة على الكثير من المشروعات البحثية للطاقة الشمسية، ومنها مشروع بحثي مع شركة (هيتاشي زوسن) اليابانية، ويهدف إلى إنشاء وحدة طاقة شمسية تنتج البخار لاستخدامه في تسخين مياه البحر الداخلة لوحدات التحلية الحرارية، مثل التبخير الوميضي المتعدد المراحل والتبخير المتعدد التأثير، وقد بدأ العمل على هذا المشروع، كما يجري العمل حاليا على مشروع مماثل مع جامعة الملك سعود، وبدأ المشروع خلال الفترة الماضية، كما يجري الإعداد لمشروع مماثل مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية».
وأضاف آل إبراهيم: «نحن الآن نباشر معهم إنشاء أكبر محطة لتحلية المياه في العالم بالطاقة الشمسية في الخفجي لإنتاج 30 ألف متر مكعب من المياه المحلاة، وهذه مرحلة من عدة مراحل إلى أن نصل لإنتاج 300 ألف متر مكعب».
وعن تكلفة تنفيذ مشروعات التحلية في السعودية ودور الحكومة في التوسع في هذا المجال قال آل إبراهيم: «نفذت المؤسسة عدة مشروعات بمليارات الريالات، أكبرها مشروع رأس الخير على الساحل الشرقي، حيث يتجاوز إنتاجه المليون و300 ألف متر مكعب و2.400 ميغاوات من الكهرباء على أن يبدأ الإنتاج نهاية 2014، ومشروع ينبع المرحلة الثالثة بإنتاج يصل إلى 550 ألف متر مكعب و2500 ميغاوات من القدرة الكهربائية، ويبلغ إجمالي تكلفة المشروعين نحو 40 مليار ريال، بالإضافة إلى مشروعات في ضباء والوجه ورابغ والجبيل، بالإضافة للتعاقد مع إحدى الشركات لبناء وحدة للتقطير المتعدد التأثير (MED) في ينبع، بقدرة استيعابية تبلغ 68.190 متر مكعب يوميا».
وأشار آل إبراهيم إلى أن معدل استهلاك الفرد السعودي اليومي يتنامى، خصوصا أن الطلب على المياه يزيد كلما زاد إنتاج المياه، فلو أخذنا معدلات الاستهلاك في مدينة مثل جدة سنجد أن استهلاك الفرد في السابق كان 200 لتر في اليوم، والآن يصل إلى 330 لترا، وهذا الأمر يحد من الاستفادة من مقدار الزيادة في المياه المحلاة.
وبين الدكتور آل إبراهيم أن ميزانية المؤسسة للعام المالي الحالي 2014 بلغت أكثر من 16 مليار ريال، وسيجري تخصيص ميزانية التحلية لاستكمال المشروعات الحالي تنفيذها، وفي مقدمتها مشروع محطة رأس الخير لتحلية المياه المالحة وتوليد الطاقة الكهربائية على ساحل الخليج العربي بطاقة 1.025 مليون متر مكعب من المياه يوميا و2400 ميغاوات كهرباء وأنظمة نقل المياه المنتجة من هذا المشروع إلى الرياض وحفر الباطن والنعيرية، وأيضا مشروع محطة التحلية وتوليد الطاقة الكهربائية بينبع - المرحلة الثالثة على ساحل البحر الأحمر وطاقتها التصديرية 550 ألف متر مكعب من المياه المحلاة يوميا و2500 ميغاوات من الكهرباء منها 1850 ميغاوات للشركة السعودية للكهرباء و650 ميغاوات لشركة مرافق، بالإضافة لتنفيذ عدد من مشروعات أنظمة نقل المياه وخطوط الأنابيب منها: مشروع نظام نقل مياه رأس الخير - الرياض بطول 914.1 كلم وسعة 2.600.000 م3 من المياه يوميا وبعدد ثلاث محطات ضخ، ومشروع نظام نقل مياه رأس الخير - حفر الباطن بطول 354.3 كلم وسعة 29.900 م3 من المياه يوميا بمحطة ضخ واحدة، وأيضا مشروع نظام نقل مياه ينبع - المدينة المنورة (المرحلة الثالثة) بطول 604.4 كلم وسعة 1.654.000 م3 من المياه يوميا، ومشروع نظام نقل مياه الطائف الباحة بطول 227.4 كلم وسعة 80.000 م3 من المياه يوميا، ومشروع نظام نقل مياه محطة التحلية بالليث إلى القرى المستفيدة بطول 97.71 كلم وبسعة 6.120 م3.
وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور عبد الرحمن البدري عضو هيئة البحث في مدينة الملك عبد العزيز والتقنية، أن السعودية أولت الاهتمام الأكبر لعملية توطين التقنية في هذا المجال، متمثلا في إقامة التعاونات البحثية مع الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية. وكانت باكورة هذا التواصل العلمي هو التعاون بين مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وشركة «آي بي إم» الأميركية في 2009 لتطوير الخلايا الشمسية، لاستخدامها في تحلية المياه المالحة كجزء من مبادرة الملك عبد الله لتحلية المياه المالحة بالطاقة الشمسية.
وفي هذا الصدد شارك فريق بحثي من مدينة الملك عبد العزيز في تطوير وتصنيع خلايا شمسية مصنعة من مادة السيليكون ومن مادة زرنيخ الجاليوم؛ بهدف تقليل تكلفة إنتاج الطاقة، وتمت الاستفادة من هذه التقنيات في مشروعي الخفجي ومشروع رابغ.
وبالإضافة لاستخدام الطاقة الشمسية في تحلية المياه المالحة، فإن الهدف الأكبر هو الاستفادة من الخلايا الشمسية المطورة محليا، لتكون رافدا مهما لتوليد الطاقة الكهربائية في شتى أنحاء السعودية خصوصا المناطق النائية أو صعبة التضاريس. فالسعودية تعد من أفضل المواقع في العالم من حيث شدة أشعة الشمس التي تمثل مصدرا متجددا لا ينضب، مما يعطي السعودية البعد الاستراتيجي لخلق نوع من التوازن في مجال استهلاك وتصدير النفط المستخرج.
كما أوضح الدكتور حسام خنكار عضو هيئة البحث في مدينة الملك عبد العزيز والتقنية أنه للقضاء على الفجوة المتزايدة على الطلب المتنامي للطاقة ومواكبة خطط التنمية بالسعودية، كان ﻻبد من وضع برامج وخطط تنفيذية ذات كفاءة عالية في التطبيق، كإنشاء محطات للإنتاج الحراري تعمل بالطاقة الشمسية لسد حاجة القطاع الصناعي بالطاقة الحرارية المركزية. أما في القطاع السكني فبالإمكان استخدام أسطح المنازل لزرع ألواح شمسية لإنتاج الكهرباء، خصوصا أن زيادة الطلب على أحمال التبريد في فترة الصيف تتناغم مع زيادة الإسقاط الشمسي، عوضا عن أن ظلال تلك الخلايا تقلل من التخزين الحراري للمبني.
أما في قطاع إنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية، فبوجود شبكة كهرباء موحدة يمكن إنتاج الكهرباء في المناطق النائية وغير المكتظة بالكثافة السكانية ونقلها بالشبكة إلى مناطق الاحتياج.
وعن أحدث ما وصلت إليه السعودية في مجال الطاقة قال خنكار: «يجري تطبيق الطاقة الشمسية في كل محطات التحلية بالسعودية، وتوصل الفريق البحثي في المدينة لتصميم مجمعات شمسية عالية التركيز وبأسعار منافسة عالمية، وبمواصفات سعودية ودولية، إضافة إلى تقديم الكثير من براءات واختراعات في هذا المجال وعلى خلايا شمسية ثلاثية الوصلة ذات كفاءة عالية، وهذه النسبة تعد الأعلى مقارنة بالمجمعات الشمسية عالية التركيز المصنعة تجاريا في العالم، ويمكن إنتاج 95 في المائة من مكونات المجمع الشمسي محليا. كما تعد كفاءة الخلية الشمسية المستخدمة في المجمع الشمسي 42.6 في المائة في حين لا تزيد كفاءة الخلايا الكهروضوئية التقليدية على 25 في المائة. ومن ميزات استخدام خلايا شمسية عالية التركيز التقليل من مساحة المجمعات الشمسية والأرض اللازمة لإنتاج نفس كمية الطاقة من خلايا شمسية تقليدية، وعلى سبيل المثال نحتاج لإنتاج واحد ميغاوات باستخدام منتج الخلايا الشمسية عالية التركيز - المصمم في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية - إلى مساحة 20.000 م2، أما باستخدام الخلايا الكهروضوئية التقليدية فنحتاج إلى 45.000 متر مربع».
كما ذكر الدكتور عبد الله العضيبي أستاذ بحث الطاقة الشمسية بمعهد بحوث الطاقة بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، أن مدينة الملك عبد العزيز قطعت شوطا كبيرا في مجال توطين تصنيع وإنتاج ألواح الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتطويرها بما يتلاءم مع بيئة السعودية، ومن أهم المنجزات التي حققتها السعودية في هذا المجال وأهمها مبادرة خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتحلية المياه بالطاقة الشمسية بالخفجي 2014 ومشروع توريد إنتاج الطاقة البديلة في بلدية مكة المكرمة، بقدرة 100 ميغاوات من الطاقة الشمسية ومشروع توليد الطاقة الشمسية بقدرة خمسة ميغاوات بمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للدراسات البترولية والأبحاث وتوليد الطاقة الشمسية بقدرة عشرة ميغاوات، وبناء محطة كهرباء بالطاقة الشمسية في جزيرة فرسان لإنتاج 500 كيلووات. وتصنيع ألواح الخلايا الكهروضوئية ولأول مرة في السعودية وبقدرة 12 ميغاوات بمعمل مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية في القرية الشمسية.
ويعد تنفيذ المبادرة الوطنية لتحلية المياه بالطاقة الشمسية على ثلاث مراحل في مدة زمنية تبلغ تسع سنوات الجديد في مجال الطاقة الشمسية، حيث تهدف المرحلة الأولى إلى بناء محطة لتحلية المياه المالحة بطاقة إنتاج تبلغ 30 ألف متر مكعب يوميا؛ لسد احتياجات مدينة الخفجي من مياه الشرب وذلك من خلال بناء محطة لإنتاج الطاقة الشمسية بطاقة 10 ميغاوات وأغشية التناضح العكسي في ثلاث سنوات. أما المرحلة الثانية فتستهدف بناء محطة لتحلية المياه بالطاقة الشمسية بطاقة إنتاج 300 ألف متر مكعب يوميا، يستغرق تنفيذها ثلاث سنوات، بينما سيجري خلال المرحلة الثالثة بناء عدة محطات لتحلية المياه المالحة بالطاقة الشمسية. وتتجه السعودية بشكل متزايد حاليا نحو تطوير مصادر للطاقة لا تعتمد على النفط مثل الطاقة الشمسية والرياح والنووية، كما تطلق مشروعات لتكرير المياه. كما أن إسهام الطاقة المتجددة في هذا الخيار يصل إلى نحو 30 في المائة في حين تساهم الطاقة الذرية بنسبة 20 في المائة. وهذا يتطلب خلال الـ20 عاما المقبلة 41 ألف ميغاوات من الطاقة الشمسية، و18 ألف ميغاوات من الطاقة الذرية، وتسعة آلاف ميغاوات من الرياح، وثلاثة آلاف ميغاوات من النفايات، وألف ميغاوات من الطاقة الجيوحرارية.
وعن أثر استخدام الطاقة المتجددة والنووية على التوفير في استخدام النفط أوضح أن محطات الطاقة الجديدة المستخدمة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه سواء المتجددة أو النووية لا تتأثر بتقلبات الأسعار العالمية أو المحلية لأن الغالبية العظمى من تكلفتها يجري دفعها عند إنشائها وتشغيلها. وعلى ضوء ذلك فإن توفير ما قيمته 50 في المائة من الوقود الأحفوري يطيل في العمر الافتراضي لمخزون النفط في السعودية.
الأمن المائي في السعودية يتنامى رغم التحديات
الإنتاج المحلي يوازي 18 في المائة من الإنتاج العالمي للمياه المحلاة
استطاعت السعودية خلال 40 عاما إنشاء 27 محطة عاملة («الشرق الأوسط»)
الأمن المائي في السعودية يتنامى رغم التحديات
استطاعت السعودية خلال 40 عاما إنشاء 27 محطة عاملة («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

