«صحافة الجوال» في فلسطين... بث مباشر من الخطوط الأمامية

الهاتف الذكي تحول أداة إعلامية متكاملة لتوثيق الأزمات

يواجه الصحافيون الفلسطينيون صعوبات ومخاطر كثيرة في عملهم (غيتي)
يواجه الصحافيون الفلسطينيون صعوبات ومخاطر كثيرة في عملهم (غيتي)
TT

«صحافة الجوال» في فلسطين... بث مباشر من الخطوط الأمامية

يواجه الصحافيون الفلسطينيون صعوبات ومخاطر كثيرة في عملهم (غيتي)
يواجه الصحافيون الفلسطينيون صعوبات ومخاطر كثيرة في عملهم (غيتي)

لا يعرف الصحافي حسن إصليح، الذي يسكن شرق محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، الفرق بين الليل والنهار في عمله، فعلى مدار الساعة يكون جاهزاً، للانطلاق لأماكن الأحداث المتنوعة، سواء كانت اعتداءات من إسرائيل، وفعاليات وطنية وترفيهية ومجتمعية. يحمل حسن هاتفه الجوال فقط خلال تنقله، فمن خلاله يلتقط الصور، ويسجل ويعالج الفيديوهات والمقاطع الصوتية، ويكتب الأخبار، ثمّ يرسلها للمؤسسات الإعلامية التي يعمل لصالحها، وبعد ذلك يتجه لنشرها، لعشرات الآلاف من المتابعين، الذين يعدّونه «المصدر الأول» للأخبار العاجلة، ويتابعونه عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها؛ وأبرزها «تلغرام» و«إنستغرام» و«فيسبوك».
يتحدث إصليح لـ«الشرق الأوسط»: «الهاتف الجوال سهّل علي العمل كثيراً، منذ أن بدأت باستعماله أداة وحيدة للتغطية الصحافية، قبل نحو 6 سنوات، فمن خلاله غطيتُ الحرب الأخيرة على غزة عام 2014، ومسيرات العودة التي انطلقت عام 2018، وجنازات الشهداء، وفعاليات الأسرى، ومختلف الأنشطة المجتمعية، وأزمة (كورونا) في أنحاء قطاع غزة»، مشيراً إلى أنّ جمهوراً واسعاً من الصحافيين والمواطنين، باتوا يدركون أهمية عمله بـ«الجوال» ويُفردون له مساحة جيدة للعمل في الميدان، كما أنّ معظم أصحاب القصص والمواهب، عبروا عن سعادتهم بعدما شاهدوا القصص المتكاملة، التي أعدها بجواله عنهم.
وعلى مدار أوقات عمله، نشر الصحافي الثلاثيني آلاف الصور والفيديوهات، حقق بعضها ملايين التفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي، وتداولها كثير من وسائل الإعلام الدولية، كما مُنح فرصة الحديث عن تجربته أمام المئات من الصحافيين وطلبة الإعلام في غزة، لإرشادهم للأساسيات التي يجب أن يتقنوها، ليجيدوا استعمال الهاتف وسيلةً للنقل الصحافي، ويلفت إلى أنّ «صحافي الجوال»، لا يحتاج لمعدات ثقيلة، ولا يضطر لانتظار وقت طويل لإرسال مواده، كما أنّه يعدّ حراً على نحوٍ كبير في التنقل والحركة، موضحاً أنّ أبرز العقبات التي تواجهه، عدم توفر شبكة للإنترنت في كلّ مناطق القطاع، إضافة لمحاربة المحتوى الفلسطيني، من قبل الشركات المالكة للتطبيقات الإلكترونية، فحساباته عليها تعرضت للإغلاق أكثر من مرة، كما يصف.
ليست تجربة إصليح الصحافية مع الهاتف الوحيدة التي برزت خلال السنوات الماضية. في فلسطين هناك كثير من الصحافيين، الذين أبدعوا في استعمال «الجوال» للتغطيات الصحافية الميدانية ولإعداد القصص والأفلام، وعدوه البديل لمختلف الأدوات التقليدية التي يحتاج امتلاكها مبالغ مالية طائلة وجهداً كبيراً. ولعل أبرز الأوقات التي يزيد فيها استعمال الصحافيين الهاتف، المرافقة للأزمات والانتهاكات الإسرائيلية، وذلك وفقاً لعدد من الدراسات البحثية، التي تناولت العلاقة بين الواقع الفلسطيني وصحافة الجوال.
ومن بين تلك الدراسات، الدراسة التي ناقشت «اعتماد الشباب الفلسطيني على صحافة المحمول في وقت الأزمات»، والمُعدة من قِبل الباحث سائد رضوان، لنيل درجة الماجستير في الجامعة الإسلامية بغزة عام 2016، وتَبيّن فيها أنّ الشباب الفلسطيني بات يعتمد على «صحافة الجوال» في أوقات الأزمات بنسبة 79.4 في المائة، بينما يثق بالأخبار التي يتلقاها عبر تلك الصحافة بنسبة تصل لنحو 72 في المائة، ورأت الدراسة أنّ تطبيقات التواصل الاجتماعي هي الأداة الأكبر بروزاً التي يتبعها الشباب للوصول إلى المعلومات، وفي المرتبة الثانية تأتي «متصفحات الجوال»، ثم التطبيقات الإخبارية، فالمنصات الصوتية والمرئية.
من جهته؛ يحكي لـ«الشرق الأوسط» الصحافي هاني أبو رزق، الذي يختص في إعداد القصص الإنسانية «المكتوبة والمصورة» من داخل غزة، أنّه بدأ في استعمال الجوال في عمله قبل أعوام، لإدراكه الجيد قدرته على التقاط الصور الجميلة، ولعلمه المؤكد أن المستقبل له دون منازع. وعلى صعيده الشخصي، التحق هاني بأكثر من دورة تدريبية، تخصصت في تقديم المهارات اللازمة لاستعمال الهاتف في التغطية الصحافية، منوهاً بأنّه يشجع كل من يقابله من زملائه، على استعماله في العمل، ويرشدهم لبعض الأساسيات، التي تجعلهم يخرجون بأفضل منتج عبره.
ويشير أبو رزق إلى أنّ الجدل القائم حول صحافة الجوال والصحافة التقليدية، يدلل على أهمية الأولى وخوف رواد الثانية منها. فالجوال اليوم صار قادراً على بث الفيديو مباشرة بجودة عالية، وبإضافات مميزة، قد تزيد على تلك التي توفرها أجهز البث العادية التي تستعملها قنوات التلفزيون، شارحاً أنّ «جودة الهاتف الذي يملكه الصحافي هي التي تحدد شغفه تجاه استخدامه في عمله، فكلما زادت الميزات والجودة، كان الأداء قوياً وسريعاً ومحفزاً، وينبه إلى أنّ جميع الأدوات المساندة للكاميرا التقليدية، باتت اليوم موجودة بحجم أصغر وسعر أقل للهاتف الجوال، وهذا يُبيّن مدى إدراك الشركات الكبرى التي تختص في صناعتها، أهمية الأخير».
وعمد كثير من المؤسسات الفلسطينية التي تهتم بتنمية قدرات الصحافيين، على عقد دوراتٍ مختصة بصحافة الجوال في السنوات الخمس الأخيرة، واستفاد منها المئات من الصحافيين الذين أنتجوا كثيراً من الأفلام والقصص باستخدام هواتفهم وبعض الأدوات المساندة، ومن تلك المؤسسات، مؤسسة «فلسطينيات»، التي تعمل بفرعين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتهتم بتنمية قدرات «الصحافيين والصحافيات»، من خلال برنامج نادي الإعلاميات، وبعض المشاريع الممولة أوروبياً، وتقول منسقة مكتب المؤسسة بغزة منى خضر إنّ «تركيزنا على صحافة الجوال، يأتي في إطار مواكبة جديد الإعلام العالمي، وللالتحاق بالتطورات التكنولوجية، التي نعمل على تزويد العاملين في الصحافة الفلسطينية بها، لتحسين طبيعة شغلهم».
«صحافي البث المباشر»، هذا هو التعريف الذي يسير به الشاب معتصم سقف الحيط، في محافظات الضفة الفلسطينية؛ الشمالية والجنوبية، فلا يكاد يمر يوم دون أن يجد المتابعون له فيديو مباشراً على صفحته على منصة «فيسبوك»، ينقل من خلاله أحداث الاعتداءات الإسرائيلية على المواطنين والاحتجاجات كافّة، ويبيّن أنّ تجربته مع الهاتف الجوال مختلفة، لدرجة أنّها غيّرت نمط حياته بشكل كامل، وفتحت له أفق للعمل مع كثير من وسائل الإعلام المحلية والعربية والتلفزيونات، والجميع يطلب منه أن يكون «الجوال» هو أداته في العمل، دون زيادة، وذلك لأنهم يعلمون جيداً أنّه كافٍ لنقل جميع الرسائل والصور.
ويرى سقف الحيط أنّ الجوال في المستقبل القريب سيكون قادراً على الحلول مكان الكاميرا وأدوات الاستوديو التقليدية بشكلٍ كامل، «وذلك يظهر لو نظرنا قليلاً لقطار التطور المتسارع، الذي تسير عبره شركات إنتاج الهواتف الذكية، حيث تعمل على رفع جودة الكاميرات، وتحسين الذاكرة والمعالج»، مضيفاً: «بمبلغ 200 دولار، بات يستطيع الصحافي أن يمتلك هاتفاً، يمكنه من إنجاز عمله، بشكلٍ احترافي متكامل».
وعملت الصحافية الحرّة أمل بريكة مؤخراً على إنتاجٍ مجموعة من الأفلام والقصص المرئية باستخدام الجوال فقط؛ إذ عالجت عبره قضايا مجتمعية وقصص تحدٍّ متنوعة، ونشرتها في وسائل مختلفة، كما أنّها شاركت في عدد من المهرجانات المختصة بأفلام الهاتف، حيث كان آخرها «مهرجان المرأة لأفلام الموبايل» الذي نظمه مركز شؤون المرأة في غزة، خلال يوليو (تموز) عام 2019، حيث عُرض خلاله 15 فيلماً جرى إنتاجها جميعها بالهاتف، من قِبل صحافيات خضعن لتدريب مكثف على مدار أيام عدّة.
وفي مقالٍ منشور على موقع «المركز العربي للدراسات والبحوث»، أكّد الدكتور شريف اللبان أنّ الهاتف الذكي تحول إلى أداة إعلامية متكاملة، خصوصاً أن صحافة الجوال «باتت في مرحلة نمو بفضل تطوير تقنيات وتطبيقات جديدة، حيث لا تنفك الهواتف الذكية عن اجتياح العالم مؤكدة بذلك مكانتها في العصر المعاصر والحديث، وصارت قادرة على إنتاج الأعمال الإعلامية المتكاملة»، مشيراً إلى أنّ «الهواتف الذكية دخلت ميدان العمل الإعلامي تدريجياً؛ ابتداءً من خدمات الرسائل العاجلة، قبل سنوات عدة، وأخذت بالتطور، حتى أصبح (الموبايل) مؤسسة كاملة لصناعة الأخبار».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».