«كورونا» يوجّه ضربة قاضية للمطاعم

1 من كل 5 يغلق أبوابه بشكل دائم

«كورونا» يوجّه ضربة قاضية للمطاعم
TT

«كورونا» يوجّه ضربة قاضية للمطاعم

«كورونا» يوجّه ضربة قاضية للمطاعم

على الرغم من السماح للمطاعم في إنجلترا بفتح أبوابها مرة أخرى لاستقبال الزبائن هذا الشهر، بعد أكثر من 100 يوم من الإغلاق بسبب فيروس كورونا، فإن كثيراً منها قرر الإغلاق النهائي وعدم فتح الأبواب مرة أخرى. وتتكرر هذه الصورة في أنحاء أوروبا وفي الولايات المتحدة، فيما يبدو أنه نهاية حقبة وبداية أخرى على أسس جديدة، تراعي قيود التباعد الاجتماعي وشروط التعقيم والنظافة. وتشير شركات أبحاث إلى أن الأزمة الحالية سوف يسفر عنها إغلاق مطعم من كل 5 مطاعم بصفة مستديمة.
وتوصلت المطاعم التي قررت إغلاق أبوابها بصفة مستديمة إلى نتيجة أن النموذج الحالي الذي يحتم تباعد المقاعد وتطبيق شروط تعقيم جديدة وتحديد عدد الزبائن لن يغطي تكاليف تشغيلها، وسيؤدي إلى مزيد من الخسائر. ولذلك قررت اختصار الطريق والخروج من السوق.
حتى شركات المطاعم الكبرى ذات الفروع المتعددة قررت إغلاق نسب كبيرة من مطاعمها لا تكاد تغطي تكاليفها. وترى الشركات أن عليها إعادة التفاوض بشأن الإيجارات العالية ورسوم التشغيل التي كانت محتملة في عصر سابق لـ«كورونا»، لكنها تحتاج إلى إعادة تقييم حالياً.
وقالت شركة «تي آر جي» التي تملك سلسلة مطاعم «غارفانكل وبيني وشيكيتو» إنها سوف تغلق 125 مطعماً ما لم يتم تخفيض الإيجارات السابقة لها حتى يمكن تشغيلها بهوامش ربح مقبولة.
ومن المؤكد أن مطاعم المستقبل سوف تعمل بعدد أقل من العمال لخدمة عدد قليل من الزبائن. وتوفر المطاعم تطبيقات إلكترونية يتم من خلالها اختيار الوجبات المطلوبة بلا حاجة إلى نادل يقدم قوائم طعام وينتظر طلبات الزبائن. وفي شبكة مطاعم «تي آر جي» وحدها من المتوقع أن يفقد نحو 3000 عامل وظائفهم.
وقالت الشركة إنها أغلقت بالفعل 61 من 80 مطعماً مكسيكياً يعمل تحت اسم «شيكيتو» بعد إعلان إفلاس هذه المطاعم في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي. وكانت منطقتي سوهو والحي الصيني في لندن من أكثر المناطق المتضررة من إغلاق المطاعم. كما عانت أيضاً أحياء لندن الغربية التي تعد من أعلى المناطق إيجاراً في لندن.
في قطاع آخر من المطاعم، كان الإعلان عن إغلاق الفروع وتسريح العمال مرحلياً ومؤقتاً على أساس العودة على أسس جديدة بعد تراجع خطر «كورونا». وساعد على ذلك قرار الحكومة البريطانية دفع نسبة 80 في المائة من الأجور للعمال الموقوفين عن العمال مؤقتاً بسبب فيروس كورونا. وتتحمل الحكومة هذه التكاليف حتى نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وإذا لم يتحسن الوضع حتى ذلك الوقت فسوف تقوم المطاعم بتسريح عمالها رسمياً، ما يفاقم من أزمة البطالة.

- مطاعم القمة
لم تسلم مطاعم القمة في لندن من الإغلاق، حيث أعلن الشيف الشهير غوردون رامزي عن إغلاق مطاعمه اللندنية مؤقتاً، بما في ذلك مطاعم منطقة مايفير الحاصلة على نجوم ميشلان. وأغلق مطعم «كور» لصاحبته كلير سميث في منطقة كنزنغتون، وهو أيضاً حاصل على نجمتي ميشلان. وأغلقت مطاعم «أيفي» و«سكوت» و«سكسي فيش» التي تملكها مجموعة كابريس.
وأعلنت مجموعة مطاعم «ديشوم» الهندية إغلاق كل فروعها البريطانية، بما فيها 5 مطاعم لندنية، وتعمل المطاعم الباقية على توفير توصيل طلبات الوجبات إلى المنازل.
وأعلن مطعم «ليدبيري» الشهير في مايفير أنه سوف يغلق أبوابه إلى أجل غير مسمى. ويعتقد الشيف بريت غراهام، الذي يديره، أن قواعد التباعد الاجتماعي لا يمكن تطبيقها في المطعم بصورة عملية. وتبعه مطعم «أنديان إكسنت» في منطقة بلغرافيا، الذي قال أصحابه إن الإغلاق سوف يكون مستديماً، وليس من المتوقع أن يستأنف المطعم نشاطه.
كما صرّح الشيف ناثان أوتلو أنه أغلق مطعمه «سايرن» في بلغرافيا بصفة دائمة، بينما أعلن الزوجان جون وجولي إغلاق مطعم «أبوتس إيلم» اللندني والتقاعد. ويتفاوض بعض عمال المطعم على الإبقاء عليه، وافتتاحه عندما تسمح الظروف بذلك.
ويتكرر الوضع في عشرات المطاعم الراقية في لندن وضواحيها، كما ألغي كثير من معارض المأكولات والمهرجانات، وأغلقت عشرات المقاهي. كما تأجل افتتاح كثير من المطاعم التي كان مقرراً لها دخول السوق هذا العام.
وهناك مطاعم ومقاهٍ أخرى تبدو على شفا الإفلاس، منها «بيلا إيطاليا» و«كوفي روج» و«لاس أيغواناس» التي يتهددها الإغلاق الدائم وفقدان وظائف فيها تقدر بنحو 6000 عامل في 250 مطعماً ومقهى. وأصدرت شركة «سي دي جي» القابضة التي تملك المنافذ الثلاثة أنها سوف تعين فريقاً قانونياً يشرف على التصفية أو صفقة بيع لمن يريد الاستثمار فيها. وقد يستغرق الأمر عدة أشهر قبل الإعلان الرسمي عن إغلاق هذه المطاعم والمقاهي بصورة نهائية. وقال متحدث من الشركة إن الوضع الذي تواجهه الشركة غير مسبوق في الصناعة كلها، وإن مجلس إدارة الشركة يتفاوض مع مستشارين من أجل اتخاذ قرار فيما يتعلق بالخطوات التالية.
وإضافة إلى المطاعم الشهيرة كانت مفاجأة إعلان شركات كبرى مثل «ستاربكس» و«دانكن» عن إغلاق 1300 فرع بصفة مستديمة. حتى مع إعادة فتح بعض منافذ البيع للجمهور مع نهاية فترة الحجر الصحي، لم تكن فروع هذه المقاهي والمطاعم تغطي تكاليفها بسبب ضعف الإقبال وشروط التباعد الاجتماعي.

- المطاعم المستقلة
إلى جانب المطاعم الكبرى، يزداد خطر الإغلاق على المطاعم الصغيرة المستقلة التي تقدر أوساط الصناعة أن نسبة 85 في المائة منها سوف يغلق أبوابه هذا العام. وتمثل المطاعم المستقلة نسبة 70 في المائة من حجم المطاعم، وهي تعتمد أكثر على الإيراد من خدمة الزبائن الزائرين. كما أنها لا تستند إلى شركات كبرى تغطي خسائرها في الأوقات الصعبة.
ويعتقد أصحاب المطاعم المستقلة أن العودة إلى الوضع العادي الذي كان سائداً قبل جائحة كورونا قد يستغرق عدة سنوات. ولا تحتمل معظم المطاعم الصغيرة العمل بخسائر لفترات طويلة. وبالإضافة إلى مساعدة الحكومة البريطانية في تغطية نسبة 80 في المائة من أجور العمال الذين تُقرر المطاعم الإبقاء عليهم أثناء فترة الحجر الصحي، فإن الصناعة بشكل عام تطالب بدعم مالي حتى تستمر في نشاطها، وذلك لتغطية التكاليف الثابتة مثل الإيجارات والضرائب حتى نهاية فترة العمل تحت قيود «كورونا».
وفي الولايات المتحدة وحدها، تطالب صناعة الأغذية بدعم فيدرالي قدره 120 مليار دولار يقدم في صيغة إعانات لأصحاب المطاعم والعاملين فيها. وترى هيئة الأبحاث «ليكسيغون» أن الخطر يزداد على المطاعم الإثنية التي ليست لها مصادر دخل أخرى، واضطرت للإغلاق خلال فترة العزل الصحي.
وفي البداية، اعتقد أصحاب هذه المطاعم أنها مشكلة سوف تنتهي بعد أسبوعين، ولكن القناعة السائدة الآن هي أن المشكلة مستمرة لمدة عامين على الأقل. وخلال فترة الحجر الصحي استمرت المطاعم في دفع تكاليف الإيجار وفواتير الكهرباء والغاز والضرائب، ولكنها لم تستقبل أي زبائن، ولم تتلقَ أي إيرادات.
وتقول أبحاث بنك «يو بي إس» إن الوباء سوف ينتج عنه إغلاق مطعم من كل 5 مطاعم، وتشمل هذه النسبة أيضاً المطاعم التي تتبع أسماء مشهورة، ولكنها تعمل مستقلة بأسلوب «فرانشايز».
واستنتج البحث أن المطاعم لن تعود إلى معدلات الربح السابقة إلا إذا انتهى التباعد الاجتماعي، وعاد النشاط إلى ما كان عليه قبل الوباء. لكن على رغم عودة افتتاح كثير من المطاعم في شهر يوليو (تموز) الحالي، فإنها لا تعتبر أن هذه العودة هي بداية الانتعاش، وذلك لأن معظم المطاعم ما زالت تسجل الخسائر على رغم عودتها لنشاطها المعتاد.

- المطاعم تواجه تعقيدات أخرى غير «كورونا»
على الرغم من أن انتشار فيروس كورونا وجّه ضربة قاضية للمطاعم، وتسبب في إغلاق نسبة 20 في المائة منها بصفة مستديمة، فإنه لم يكن السبب الوحيد في أزمة المطاعم. فالصناعة كانت تشهد تراجعاً وانكماشاً من قبل أزمة «كورونا»، كان من أسباب انهيارها السريع مع أول انتشار للفيروس.
ففي الشهور السابقة للحجر الصحي كانت المطاعم تعاني من تراجع الطلب عليها بسبب ارتفاع أسعارها، والوجبات الجامدة غير المناسبة لمذاق الجمهور، وعدم خدمة الزبائن بالمستوى المطلوب. وظهرت أيضاً بعض مشكلات النظافة العامة وعدم الاستثمار الكافي في اللحاق بمتغيرات السوق، وعدم القدرة على استقطاب قوى عاملة مدربة وملتزمة.
وساهمت أيضاً تعليقات الزبائن على مواقع تقييم المطاعم على الإنترنت في تحول الإقبال عنها في حالات حصولها على تعليقات سلبية. وتتعلق هذه المشكلة بأخرى أكبر منها، وهي فشل بعض المطاعم أحياناً في تسويق خدماتها إلى الجمهور كما ينبغي. وأهم جوانب التسويق في العصر الحديث هو وجود صفحة فعّالة لموقع المطعم على الإنترنت.
وعندما حلّ فيروس كورونا ضيفاً ثقيلاً على العالم وجد أصحاب المطاعم أنفسهم في موقف صعب من حيث مسؤوليتهم عن صحة العمال والزبائن والتزامهم بشروط التباعد الاجتماعي والتعقيم بعد فترة إغلاق طويلة فاقت 100 يوم. ومع هذه الأعباء الإضافية، تراجعت الإيرادات إلى الحد الذي لا يكاد يغطي تكاليف التشغيل. فكان قرار إغلاق المطاعم هو الحل المنطقي الحتمي، على الأقل حتى تعود الأمور إلى نصابها.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.