«10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب»

ترجمة عربية لرواية أليف شافاك الجديدة

أليف شافاك
أليف شافاك
TT

«10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب»

أليف شافاك
أليف شافاك

تصدر بعد أيام قليلة عن دار الآداب اللبنانية ترجمة لرواية جديدة للروائية التركية أليف شافاك. تحمل عنوان «10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب»، وهو الوقت الذي سيبقى فيه عقل ليلى المتوفاة يعمل، لا بل ويعمل بحيوية فائقة، بعد أن فارقت الحياة، أو هكذا يفترض.
لن تتذكر ليلى في هذه اللحظات الثمينة التي أهديت لها، أموراً كبيرة بالمعنى الدنيوي، إنما دقائق الأمور وصغائرها، وأكثرها حسية، مثل رائحة القهوة، وطعم لحم الماعز ونكهة التوابل.
الكتاب من ترجمة محمد درويش وهنا مطلع الرواية التي خصت بها دار الآداب «الشرق الأوسط»:
كان اسمُها ليلى، ليلى التكيلا هو الاسم الذي اشتُهرتْ به بين أصدقائها وزبائنها. كانوا ينادونها بليلى التكيلا في العمل وفي البيت؛ البيت الذي كان لونُه بلون الخشب الورديّ، ويقعُ في طريقٍ مسدودٍ مرصوفٍ بالحجارة عند رصيف المرفأ، ما بين كنيسة وهيكلٍ يهوديّ، وسط دكاكين تبيع المصابيحَ والكباب، في الشارع الذي يضمّ بين جوانبه أقدمَ المواخير المجازة في إسطنبول.
لكنْ، إنْ قُدِّر لها أن تسمعَكَ وأنت تتفوَّه باسمها على ذلك النحو، فقد تشعرُ بالإهانة، ثمّ تقذفكَ مازحة بفردة حذاءٍ من أحذيتها ذات الكعب العالي المستدقّ.
- الآن، يا عزيزي، لا في الماضي. اسمي الآن ليلى التكيلا.
لم تكن لتوافق، ولو مرَّة واحدة في ألف سنة، على أن يكون الكلامُ عليها بصيغة الماضي. إنّ مجرّد التَّفكير في ذلك يُشْعرها بالضَّعَة والانهزام، وهذا آخر ما تريد أن تشعر به في هذا العالم. لا، بل ستُصرّ على استعمال صيغة الحاضر، وإنْ باتت تدرك إدراكاً يبعثُ الكآبة في نفسها أنَّ قلبها قد توقَّف عن الخفقان قبل قليل، وأنَّ أنفاسها انقطعَتْ على حين غرَّة، وأنْ لا فائدة من إنكار وفاتها، بصرف النَّظر عن زاوية النَّظر إلى حالتها.
لم يدرِ أحدٌ من أصدقائها بالأمر بعدُ. فَهُمْ، في هذا الوقت المبكِّر من الصباح، غارقون في النوم، وكلٌّ منهم يحاول أن يجد وسيلة يَخرج بها من متاهة أحلامه. تمنَّت ليلى لو كانت في البيت أيضاً، مدثَّرة بالأغطية الدافئة، وقطُّها يجثم عند قدمَيْها والنعاسُ يُغالبه. كان القطّ مصاباً بالصَّمم التامّ، وكان ذا لون أسود باستثناء بقعة بيضاء على إحدى كفَّيْه. أسمَتهُ «السيِّد تشاپلن» تيمُّناً بتشارلي تشاپلن، لأنَّه كان يعيش في عالم صامتٍ خاصٍّ به، على غرار أبطال السينما في بداياتها.
كانت ليلى لتَهَبَ أي شيء لقاء وجودها في شقَّتها الآن. إلَّا أنَّها راقدة هنا، في منطقة من ضواحي إسطنبول، على الجهة الأخرى من ساحة كرة قدم مظلمة ورطبة، وداخل حاوية نفايات معدنيَّة ذات مقابض مكسوَّة بالصدأ وبِقشيْرات الطِّلاء. كانت حاوية ذات عجلات، ويبلغ ارتفاعُها أربعَ أقدام على الأقلّ، وعرضُها قدماً واحدة. أمَّا ليلى، فطولها خمسُ أقدام وسبعُ بوصات، ويُضاف إليها ثماني بوصات أخرى، هي مقدارُ ارتفاع حذائها المستدَقّ الأرجواني الذي ما يزال في قدميْها.
ثمَّة أشياء كثيرة كانت ترغب في معرفتها. لذا لبثتْ تفكِّر في اللَّحظات الأخيرة من حياتها، وتطرح على نفسها سؤالاً عن الخطأ الذي حدث، وكان هذا التَّفكيرُ تمريناً عبثيّاً ما دام يَصْعب فكُّ ألغاز الزمن، وكأنَّه كرة من الغَزْل.
كان لونُ بشرتها قد أخذ يتحوَّل إلى الأبيض الرَّماديّ، رغم أنَّ خلاياها لا تزال مُفعمة بالنشاط. ولم تستطع منعَ نفسها من أن تلاحظ اختلاجَ أشياء كثيرة داخل أعضائها وأطرافها. لطالما افترضَ الناسُ أنَّ جسدَ الميِّت لم يَعُد أكثرَ حياة من شجرة مقتلعة أو قرمة جوفاءَ مُجرّدة من الوعي. لكنْ لو تسنّى لليلى نصفُ فرصة، لأقسمَتْ على النقيض من ذلك: بأنَّ الجثّة مُفعمة بالحياة.
لم تكن قادرة على تصديق أنَّ وجودها الفاني قد انتهى إلى غير رجعة. فقبل يومٍ واحدٍ لا غير، كانت قد مرَّت بحي پيرا، وكان ظلُّها ينسابُ على امتداد الشوارع التي أُطلق عليها أسماءُ القادة العسكريين والأبطال القوميين. وفي ذلك الأسبوع بعينه، تردَّد صدى ضحكاتها في خانات غالاتا وكورتولوش ذاتِ السقوف الواطئة، وأوكارِ توفاني الصَّغيرة الخانقة، التي لا يظهر أي منها في دليل المسافرين أو على الخرائط السياحيَّة. إنَّ إسطنبول التي عرفتْها ليلى ليست إسطنبولَ التي تريد وزارة السياحة أن يراها الأجانب.
كانت في اللَّيلة الماضية قد تركَتْ بصماتِ أصابعها على كأس ويسكي، فضلاً عن أثرٍ من عطرها، المعروف بعلامة بالوما پيكاسو، وكان قد قدَّمه إليها بعضُ أصدقائها بمناسبة عيد ميلادها ـ على وشاحٍ من حرير، قذفتْ به جانبا فوق سرير أحد الغرباء في جناحٍ في الطابق العلوي من أحد الفنادق الفخمة. وفي السَّماء العالية، كان هلالُ الأمس واضحاً منيراً يتعذَّر الوصولُ إليه، مثل أثرٍ باقٍ من ذاكرة سعيدة. كانت لا تزال جزءاً من هذا العالم، وكانت الحياة لا تزال في أعماقها، فكيف يمكن أن تكون قد رحلتْ؟ كيف يمكن أن ينتهي وجودُها وكأنَّها حلمٌ تلاشى مع انبلاج أوَّلِ تباشيرِ الفجر؟ قبل بضع ساعات، كانت تغنِّي وتدخِّن وتسبّ وتفكِّر... حسناً، إنَّها لا تزال تفكِّر في هذه اللَّحظة. والمدهش في الأمر أنَّ عقلها كان يعمل بكلِّ قوَّته، وإنْ لم يكن أحدٌ يدري إلى متى سيظلّ كذلك! تمنَّت لو كان في وسعها أن تعودَ وتخبرَ الجميعَ بأنَّ الموتى لا يموتون من فورهم، وأنَّ في مستطاعهم مواصلة التَّفكير في الأشياء، بما فيها موتُهم. ثمّ قلّبتْ في الأمر مليّاً، وأدركتْ أنَّ الناس سيصابون بالرُّعب والهلع إنْ هُم عرفوا ذلك. من المؤكَّد أنّ هذا ما سيصيبها أيضاً لو كانت حيّة وعلمتْ بالأمر... لكنّها شعرَتْ أنَّ من المهمّ أن يعرفوا.
بدا لليلى أنّ البشر يكشفون عن نفادٍ بالغ في الصبر حينما يتعلّق الأمر بالمراحل الفاصلة في حياتهم. فهم، أوَّلاً، يفترضون أنَّ الإنسان يصبح على نحو تلقائي زوجاً أو زوجة في اللَّحظة التي يتفوَّه فيها بكلمة «أوافق». بَيْدَ أنَّ الحقيقة هي أنَّ الزواج يتطلَّب سنواتٍ طويلة كي يدرك كلٌّ منهما كيف يكون زوجاً. وعلى نحوٍ مشابهٍ، يتوقَّع المجتمع أن تَدْخل غرائزُ الأمومة، أو الأبوّة، حيَّز العمل حالما يُرزق المرءُ بطفل. والحقّ أنَّ المرءَ قد يصرف وقتاً طويلاً حتَّى يتبيّنَ كيف يصبح أباً، أو جدّاً. كذلك الأمر بخصوص التقاعد والشيخوخة، إذ كيف يمكنك أن تُكيِّفَ نفسَكَ حالما تغادر الدَّائرة التي أَفنيْتَ فيها نصفَ عمرك وبدَّدتَ معظمَ أحلامك؟ ليس هذا سهلاً. كانت ليلى تعرف معلِّمين مُتقاعدين يستيقظون في السَّابعة صباحاً، ويستحمُّون ويرتدون ثياباً أنيقة، ثمَّ يتهالكون من وراء طاولة الفطور، ليتذكَّروا بعدئذٍ أنّهُ لم يعد لديهم عمل؛ هؤلاء كانوا لا يزالون قيد التكيّف.
لعلَّ الأمر لا يختلف كثيراً حين يخصّ الموتَ. فالناس يعتقدون أنَّ المرء يتحوَّل إلى جثَّة ميِّتة ما إنْ يلفظ آخر أنفاسه. بَيْد أنَّ الأمور ليست كذلك تماماً. فكما أنَّ هنالك درجاتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى بين الأسود الفاحم والأبيض الناصع، فإنَّ هناك أيضاً مراحلَ متعدِّدة لِما يُسمَّى «الرَّاحة الأبديَّة». فلو كان هناك حدّ يَفْصل بين عالم الحياة وعالم الآخرة، فلا بدَّ من أن يكون هذا الحدُّ قابلاً للنفاد، شأنه في ذلك شأن حجرٍ رمليّ. هذا ما توصَّلتْ إليه ليلى.
كانت في انتظار شروق الشمس؛ فمن المؤكَّد أنَّ شخصاً ما سيَعْثر عليها ويخرجها من هذه الحاوية القذرة. لم تتوقَّع أن تَصْرف السُّلطاتُ وقتاً طويلاً للتَّعرُّف إلى هويَّتها. كلُّ ما يتعيَّن على هذه السُّلطات عملُه هو تحديدُ ملفِّها. فعلى مدى سنين طويلة، خضعَتْ للتَّفتيش والتَّصوير وطبعِ بصمات الأصابع، فضلاً عن الاعتقال مرَّاتٍ كثيرة، لدرجة أنّه لم يَعْنِها عددُها. لمخافر الشرطة في الشوارع الخلفيَّة رائحة مميّزة: منفضاتُ سجائر مملوءة بأعقاب من الأمس، وبقايا قهوة في فناجين مثلومة، وأنفاسٌ نتنة، وخِرَقٌ مبلَّلة، ورائحة فاسدة منبعثة من مباول لا تستطيع أي مادة أن تُزيلها. يتشاركُ الضبَّاطُ والجُناة غُرفاً ضيّقة ومُكتظّة. ولطالما أدهشَ ليلى أن تتساقط خلايا الجلد الميّتة لرجال الشرطة والمجرمين على الأرضيَّة نفسها، ثمّ يزدردها عثُّ الغبار نفسُه، من دون تمييزٍ أو تَحيُّز. وعلى مستوى لا تراه أعيُنُ البشر، تجد الأضدادَ وقد امتزجتْ بطرقٍ تفوق أي توقُّعات.
وفكَّرتْ ليلى أنَّ السُّلطات سوف تُبلغ أُسرتَها بعد أن تتعرَّف إلى هويَّتها. كان أبواها يقطنان في مدينة ڤان التاريخيَّة، التي تَبعد عنها ألفَ ميل. لكنّها لم تتوقَّع منهما الحضورَ ونقلَ جثَّتها، لأنَّها أخذتْ في الحسبان أنَّهما قد نبذاها منذ زمن طويل: «لقد ألحقتِ بنا الخِزي والعار، وصرنا حديثَ الجميع من وراء ظهورنا».
ولهذا، فإنَّ على الشرطة أن تذهب إلى أصدقائها عوضاً من ذلك؛ أصدقاؤها الخمسة: سِنان المُخرِّب، ونالان الحنون، وجميلة، وزينب 122، وحُميْرة هوليوود.
لم يراود ليلى التكيلا أي شكٍّ في أنَّ أصدقاءها سوف يَحْضرون إليها بأسرع ما يستطيعون. كانت تتخيَّلهم وهم يُقْبلون نحوها، بخطواتٍ متعجِّلة ولكنَّها متردِّدة، وعيونٍ ملأى بالصدمة، وأسى لا يزال في أطواره الأولى، وحزنٍ جديدٍ لم يستقرّ عميقاً بعد. انتابها شعور سيِّئ لأنّها ستضطرُّ إلى وضعهم في هذا العذاب المؤلم على ما يبدو. لكنّ عزاءها أنّهم لا بدّ من أن ينظّموا لها جنازة رائعة. كافور وبخور وموسيقى وزهور، وبخاصَّة زهور الورد الحُمْر المتوهِّجة، والصُّفر البرَّاقة، والحمر القانية. زهور كلاسيكيّة، وسرمديّة، لا تُضاهى. زهور التوليب الرَّفيعة الشأن أكثر مما ينبغي، والنرجس الرقيق على نحوٍ مبالَغٍ فيه، والزنابقُ، تتسبب لها الزنابقُ بالعطاس. لكنّ الورودَ مثاليَّة، مزيج من فتنة شبقيّة وأشواكٍ حادَّة.
رويداً رويداً، لاحت تباشيرُ الفجر. خطوطٌ من الألوان - القرنفلي الضّارب إلى الصُّفرة، والبرتقالي بلون شراب المارتيني، والفراولة بلون شراب المارغريتا، والأسود البارد - تنسكبُ فوق الأفق، من الشرق إلى الغرب. وفي غضونِ ثوانٍ قليلة، أخذتْ أصداءُ الأذان تتردَّدُ من المساجد القريبة، من غير أي تزامنٍ بينها. وفي مكان بعيد، أعلنَ البوسفور عن استيقاظِه من نومه الفيروزيّ، مُطلِقاً تثاؤباً عظيماً. وعاد أدراجه إلى المرفأ قاربُ صيدٍ، وهو ينفث دخانَ محرِّكه. وتدحرجتْ موجة عالية على مهلٍ باتِّجاه الجزء المطلّ على الشاطئ. كانت المنطقة، ذات يوم، تنعم ببساتين الزيتون والتين، إلى أن جرفتها الجرّاراتُ لفسح الطريق أمام أبنية جديدة ومرائِبِ سيَّارات. وفي مكانٍ ما، تحت أجنحة الظلام الذي لا يزال يُرخي سدوله، تعالى نباحُ كلبٍ بدافع إحساسه بالواجب أكثر من شعوره بالانفعال والإثارة. وعلى مقربة من المكان، سقسق عصفورٌ سقسقة جريئة وعالية، فردَّ عليه آخر، لكنّه لم يكن ردّاً بهيجاً بهجة العصفور الأوَّل. إنَّها جوقة الفجر. وبات في ميسور ليلى أن تسمع دمدمة شاحنة خدمة التَّوصيل على الطريق المليئة بالحُفر، وهي تصطدم بحفرة تلو حفرة. وعمَّا قريب سيصمّ الأذنَ ضجيجُ وسائل المواصلات المبكِّرة في ذلك الصباح. حياة في أوجِ طاقتها.
عندما كانت ليلى التكيلا حيّة، كان غالباً ما يتملَّكها العجب، والقلقُ أحياناً، من الأشخاص الذين يتفكّرون بهوسٍ في نهاية العالم. كيف بمقدور العقول التي تبدو سليمة أن تستنزفَ نفسَها إلى هذا الحدّ بكلِّ هذه السيناريوهات الحمقاء عن الكويْكبات والكُرات الناريَّة والمذنَّبات التي ستوقِعُ الخرابَ على كوكب الأرض؟ وبالنسبة إلى ليلى، ليست نهاية العالم أسوأ ما يُمكن أن يحدث. وأمَّا احتمالُ فناء الحضارة، الفوري والمطلق، فإنَّه لا يبعث فيها نصفَ الذُّعر الذي تتسبب به فكرة بسيطة: ليس لموتنا الفردي أي تأثير في نظام الأشياء، وستواصل الحياة مسيرتَها كالسَّابق، بوجودنا أو من دوننا. هذا ما كان يفزعُ ليلى شديدَ الفزع.
غيَّر النسيمُ من وجهته ضارباً في طريقه ساحة كرة القدم. ثمَّ شاهدتهم: أربعة صبيان في سنّ المراهقة يفتِّشون في وقت مبكِّر في النفايات، يدفع اثنان منهم عربة مملوءة بالزجاجات البلاستيكيَّة والعلَب التالفة، بينما يسيرُ الثالث، ذو الكتفَيْن المترهِّلَتَيْن والركبَتَيْن الملتويَتَيْن، إلى الوراء حاملاً كيساً قذراً وملوَّثاً وثقيلاً إلى أبعد الحدود. وأمَّا الرَّابع، فكان واضحاً أنَّه زعيمهم، إذ سار في المقدِّمة، مختالاً، ومنتفخاً مثل ديكٍ صغير السنّ في حالة عراك. كان الأربعة يتَّجهون نحوها، ويمزحون هازلين.
استمرُّوا في السَّير.
توقَّفوا عند حاوية نفايات في الجهة الأخرى من الطريق، وراحوا يفتِّشون فيها: زجاجات شامبو، وعلب عصير ولبن، وصناديق بيض... كانوا يلتقطون كلّاً من هذه الكنوز، ويضعونه على ظهر العربة، بحركاتٍ سريعة تنمّ عن خبرة ومهارة. عثر أحدهم على قبَّعة جلديَّة قديمة، فضحك وهو يعتمرها، وسار بخطواتٍ مبالَغٍ فيها، واضعاً يديْه في جيبي بنطاله الخلفيين، مقلِّداً بذلك أحدَ أفراد العصابات الذي لا بدّ من أن يكون قد رآه في فيلم ما. وعلى الفور، خطف الزعيمُ القبَّعة، ووضعها على رأسه. لم يعترض أحد. وبعد أن حملوا من حاوية النفايات ما حملوه من حاجيَّات، استعدُّوا للذهاب. ولخيبة أمل ليلى، ظهر أنَّ الصِّبْية قد استداروا للسَّيْر في الاتِّجاه المعاكس.
- هه! إنَّني هنا.
وكأنّ الزعيم سمع استغاثة ليلى، فرفع رأسه ببطءٍ باتِّجاه الشمس التي كسرتْ عينه، وراح من تحت انكشاف الضوء يتفحّص المكان حوله، وجال ببصره في الحاوية إلى أن لمحها، فرفع حاجبيْه، وارتعشت شفتاه قليلاً.
ـ أرجوكَ، لا تهرب.
لم يهرب، ولكنَّه نطق بصوتٍ خافتٍ شيئاً للآخرين، فراحوا يحدِّقون فيها، وعلى وجوههم أماراتُ الذهول نفسها. أدركتْ ليلى حداثة أعمارهم؛ كانوا لا يزالون فتياناً، هؤلاء الصبيان الذين يتظاهرون بأنَّهم رجال.
تقدَّم زعيمُهم خطوة صغيرة إلى الأمام، ثمَّ خطوة أخرى. سار في اتِّجاهها كما يقترب فأرٌ من تفَّاحة سقطتْ من مكانٍ ما، قَلِقاً وهيَّاباً، ولكنْ سريعَ الحركة ومصمما أيضاً. اكفهرَّ وجهُه حين ازداد قرباً ورأى ما هي عليه.
- لا تخف.
صار الآن بجانبها، قريباً بحيث تمكَّنتْ من ملاحظة بياض عينَيْه المتَّقدتَيْن احمراراً والضاربتَيْن إلى الصُّفرة. أدركتْ أنَّه كان يشمّ الصمغَ، هذا الصبي الذي لا يتجاوز الخامسة عشرة، وكان من شأن إسطنبول أن تتظاهرَ بالتَّرحيب به وإيوائه، قبل أن ترميَه جانباً وكأنّه لعبة قماشيّة بالية، في وقتٍ لم يتوقَّعه إلَّا قليلاً.
- اتَّصِلْ بالشرطة، يا بنيَّ. اتَّصلْ بالشرطة كي يتمكَّنوا من إبلاغ أصدقائي.
ألقى نظرة سريعة، يميناً وشمالاً، ليطمئنَّ إلى خلوِّ المكان من أي مراقِبٍ أو أي كاميرات مراقبة في الجِوار. تقدَّم ومدَّ يَده إلى قلادة عنق ليلى، علبة صغيرة ذهبيَّة، وفي وسطها زمرُّدة متناهية الصغر. وفي حيطة وحذرٍ شديدَيْن، كأنَّه يخشى أن تنفجر في كفِّه، لمسَ القلادة، وشعر ببرودة معدنها المريح. ثمَّ فتح العلبة، فوجد صورة داخلها، فما كان منه إلَّا أن أمسكَها، وراح يتفحَّصها برهة وجيزة. فاستدلَّ على المرأة، وإنْ كانت أصغرَ سنّاً منها؛ أمَّا الرجل، فكان ذا عينَيْن خضراوَيْن، افترَّ ثغرُه عن ابتسامة مهذَّبة، وشعرٍ طويل مصفَّف على نحوٍ يعود إلى زمنٍ آخر. بدت أماراتُ السَّعادة على وجهَيْهما؛ فهما عاشقان، مغرمٌ أحدهما بالآخر.
على ظهر الصُّورة، كتابة تقول: «د/ علي وأنا...... ربيع سنة 1976».


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».