تخوف أوروبي من بؤر الانتشار الجديدة

جنوى تقيم أول مركز لإعادة تأهيل المتعافين من «كوفيد ـ 19»

جمهور مسرح في تورين يحترمون قواعد التباعد الاجتماعي خلال حضورهم حفلاً موسيقياً أمس (إ.ب.أ)
جمهور مسرح في تورين يحترمون قواعد التباعد الاجتماعي خلال حضورهم حفلاً موسيقياً أمس (إ.ب.أ)
TT

تخوف أوروبي من بؤر الانتشار الجديدة

جمهور مسرح في تورين يحترمون قواعد التباعد الاجتماعي خلال حضورهم حفلاً موسيقياً أمس (إ.ب.أ)
جمهور مسرح في تورين يحترمون قواعد التباعد الاجتماعي خلال حضورهم حفلاً موسيقياً أمس (إ.ب.أ)

«ما زال الفيروس يتمدد بقوة، وعندما يجد الظروف المواتية يولد بؤراً جديدة»، هذا ما أكده والتر ريتشاردي، رئيس اللجنة العلمية التي تشرف على إدارة أزمة «كوفيد-19» في إيطاليا، بعد ظهور بؤر جديدة لانتشار الوباء، معظمها في مناطق كانت خالية منه حتى الآن، وارتفاع عدد الإصابات الجديدة لليوم الثالث على التوالي.
وقال رئيس الوزراء، جيوزيبي كونتي، إنه لا بد من الاستعداد لمواجهة موجة ثانية من الوباء مع حلول فصل الخريف، وإن الحكومة تستعد لتمديد حالة الطوارئ حتى نهاية السنة الحالية. وقد أثارت تصريحات كونتي حول تمديد حالة الطوارئ انتقادات شديدة من المعارضة اليمينية التي رأت فيها تقييداً للحريات لا مبرر له في الظرف الراهن، وهددت باللجوء إلى الشارع للاحتجاج ضد هذا القرار، في حال اتخاذه من غير موافقة البرلمان.
ويرجح المراقبون أن الدوافع التي حدت بالحكومة للاتجاه إلى مثل هذه الخطوة هي أمنية بقدر ما هي صحية، بعد تحذيرات الأجهزة الأمنية من «خريف ساخن»، خاصة في حال عودة الوباء في موجة ثانية.
وكانت وزيرة الداخلية قد عادت وكررت مخاوفها من وقوع أعمال شغب واضطرابات اجتماعية بعد العطلة الصيفية، وقالت: «أرى متاجر ومؤسسات تغلق أبوابها، ومواطنين يعجزون حتى عن تلبية احتياجاتهم اليومية؛ الحكومة اتخذت كل التدابير اللازمة من أجل تلبية هذه الاحتياجات، لكن الخطر حقيقي، ولا يمكن تجاهله».
ويجمع الخبراء الإيطاليون على أن الفترة الراهنة حرجة جداً، ليس فقط في البلدان التي يضربها الوباء بقوة حالياً، بل أيضاً في تلك التي تمكنت من احتوائه في المرحلة الأولى، والتي عادت تظهر فيها بؤر جديدة تهدد بتبديد التضحيات الكبيرة التي بذلتها تلك الدول.
ويضرب الخبراء أمثلة عدة على ذلك، أبرزها البرتغال التي كانت مثالاً لحسن إدارة الأزمة في المرحلة الأولى، وقدوة للبلدان الأخرى من حيث التدابير التي اتخذتها، وقلة الإصابات والوفيات، ولكنها أصبحت الآن الدولة الأوروبية الثانية، بعد السويد، من حيث نسبة الإصابات، ومعدل انتشار الوباء.
وبعد صدور التقرير الدوري الأخير للمركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة عن تطور الوباء في البرتغال، قررت دول أوروبية عدة، مثل المملكة المتحدة والنمسا وفنلندا وتشيكيا وبلغاريا، وضع البرتغال على «اللائحة السوداء»، وفرض الحجر الصحي الإلزامي على القادمين منها. وذهبت الدانمارك إلى حد تهديد الموظفين الذين يذهبون إلى البرتغال لقضاء عطلتهم بالطرد من وظائفهم.
ومع ظهور بؤر جديدة للوباء في معظم البلدان الأوروبية التي عادت مؤخراً إلى دورة الحياة الطبيعية، واضطرار بعضها إلى فرض تدابير العزل مجدداً على بعض المناطق، حذر خبراء منظمة الصحة العالمية من مغبة نشر انطباع الاطمئنان بين المواطنين، وشددوا على أهمية عدم التراخي في تطبيق التدابير الوقائية، والتنبيه باستمرار إلى أن خطر انتشار الوباء ما زال عالياً.
وبعد إقرارها بأن سريان الفيروس ممكن عبر الهواء، عادت منظمة الصحة لتؤكد أن القنوات الرئيسية لانتشار الفيروس والعدوى هي عبر الاتصال المباشر بالمصابين، وشددت على مواصلة الالتزام بتدابير الوقاية والتباعد التي أثبتت فاعليتها في احتواء الوباء في جميع الدول التي طبقتها.
ويتحدث الخبراء الإيطاليون عن «وضع وبائي متحرك باستمرار»، وينبهون من إشاعة المعلومات الخاطئة التي تدحضها الوقائع والقرائن، مثل القول إن الحر في الصيف يقضي على الفيروس، أو أن الشباب هم أقل عرضة للإصابة، ويشددون على أن قطع قنوات السريان عبر الحد من التواصل، والتزام التدابير الوقائية، يبقى السبيل الأكثر فاعلية لاحتواء الوباء، خاصة خلال العطلة الصيفية، وبعدها مع العودة إلى المدارس.
- مستشفى لإعادة تأهيل المتعافين
استحدث المستشفى الجامعي في مدينة جنوى الإيطالية مركزاً لإعادة تأهيل المتعافين من «كوفيد-19» هو الأول من نوعه في العالم، بعد أن تبين أن 80 في المائة منهم يعانون من تبعات جسمانية ونفسانية، مثل تراخي الكتل العضلية، وفقدان التوازن، وصعوبة التنفس، والاكتئاب، واختلال الذاكرة.
ويقول الدكتور بييرو كلافاريو، الاختصاصي في التأهيل من أمراض القلب صاحب فكرة إنشاء المركز، إنهم يتصلون بجميع المصابين الذين تعافوا من المستشفى. وبعد الاستفسار عن وضعهم بمساعدة طبيب نفساني وآخر متخصص بالجهاز التنفسي، يعرضون عليهم الخضوع لاختبار في المركز من أجل تقييم حالتهم، وتحديد العلاج التأهيلي الذي يحتاجون إليه.
ويذكر كلافاريو بالدراسة الشهيرة التي أجرتها جامعة دالاس الأميركية، وخلصت إلى أن «ثلاثة أسابيع في العناية الفائقة تعادل التقدم 10 سنوات في عمر الإنسان»، ويقول إن متوسط فترة البقاء في المركز لا يقل عن شهرين، للتخلص من الآلام، واستعادة نمط الحياة الطبيعية، وإن التمارين تقتضي جهداً يومياً لا يقل عن 5 ساعات.
ويفيد أطباء المركز بأن أكثر من نصف المتعافين يعانون من صعوبة في التنفس، إضافة إلى أعطاب في الجهاز العصبي تؤدي إلى فقدان حاستي الذوق والشم. وليس من الواضح بعد إذا ما كانت هذه التبعات مؤقتة أو دائمة، لكن الأطباء يقولون إنهم يلاحظون تحسناً بعد شهر واحد من التمارين إثر التعافي في معظم الحالات.
وكان اختصاصيو مستشفى سان رافايلي، في ميلانو، وهو الذي عالج أكبر عدد من المصابين بالفيروس في إيطاليا، أول من رصدوا التأثير المباشر لـ«كوفيد-19» على خلايا الجهاز العصبي، لكن أطباء مركز جنوى يميلون إلى الاعتقاد بأن تأثير الفيروس على الجهاز العصبي والدماغ مرده إلى عدم وصول الأوكسجين بكميات كافية إلى الأعضاء الحيوية في الجسم لفترة طويلة.
ولاحظ الأطباء أيضاً أن التهاب الأوعية الدموية يؤثر على الأعصاب، ويؤدي أحياناً إلى ضعف الإحساس في الأطراف والأصابع، وفي بعض الحالات يتسبب في التخثر الذي يـؤدي بدوره إلى بتر الأعضاء. وسجلت أيضاً حالات تأثرت فيها أعضاء حيوية، مثل الكبد والكلى. وخلافاً لما تقوله منظمة الصحة العالمية، من أن أعراض الإنهاك الناجم عن «كوفيد-19» تزول بعد أسبوعين من التعافي، يؤكد أطباء المركز أن هذه قد تدوم أشهراً، وأن سببها قد يعود إلى ردة الفعل العنيفة لجهاز المناعة، أو للهبوط السريع في الوزن، حيث لوحظ أن كثيرين من المصابين يفقدون ما قد يصل إلى 20 كيلوغراماً في أيام قليلة بعد إصابتهم بالفيروس.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended