تقرير لـ «الشيوخ» الفرنسي يمنع دعاة «الإخوان» من دخول البلاد

اتخذ 44 تدبيراً لمواجهة «الانفصالية الإسلاموية» بينها مراقبة المدارس والتعليم المنزلي

وزير الداخلية الفرنسي الجديد جيرالد موسى دارمانان (رويترز)
وزير الداخلية الفرنسي الجديد جيرالد موسى دارمانان (رويترز)
TT

تقرير لـ «الشيوخ» الفرنسي يمنع دعاة «الإخوان» من دخول البلاد

وزير الداخلية الفرنسي الجديد جيرالد موسى دارمانان (رويترز)
وزير الداخلية الفرنسي الجديد جيرالد موسى دارمانان (رويترز)

قليلون يعرفون أن جيرالد دارمانان، وزير الداخلية الجديد، تسري في عروقه دماء عربية. فاسمه الكامل جيرالد موسى دارمانان. أمه جزائرية الأصل وجده موسى، كان رقيبا في فرقة القناصة الجزائرية الثالثة عشرة التي ساهمت في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني.
قبل أربع سنوات، أصدر دارمانان كتيبا بعنوان: «دفاعا عن الإسلام الفرنسي: مساهمة من أجل العلمانية»، وأهداه لجده الجزائري الذي وصفه بـ«البطل الفرنسي». أما من جهة والده، جيرار، فهو متحدر من عائلة يهودية من مالطا وجده هاجر منها إلى فرنسا واستقر في مدينة فالنسيان حيث ولد وزير الداخلية في العام 1982.
وبالنظر لتاريخه الشخصي، فمن الطبيعي أن يهتم دارمانان بموضوع الهجرات والأديان. وبصفته وزيرا للداخلية، فإنه مسؤول أيضا عن شؤون العبادة وبالتالي لم يكن مفاجئا أن يأتي على موضوع الإسلام ومن زاوية الإسلام السياسي ومفهوم «الانفصالية» في أول تصريح رسمي له بعد تعيينه في منصبه الجديد.
تجدر الإشارة إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون هو أول من تحدث عن «الانفصالية» وعن واجب الدولة في محاربتها. وتناول دارمانان مجددا هذا الملف لدى إجابته على أسئلة أعضاء مجلس الشيوخ، بعد ظهوره أول من أمس، معتبرا أن «الإسلام السياسي هو العدو القاتل للجمهورية وبالتالي تتعين محاربة كل أشكال الانطوائية الطائفية». والمقصود به هنا تيار الإخوان المسلمين. ولم يتردد دارمانان في التذكير بـ«إرثه العائلي» ليمجد ما يسميه «الاندماج» أو «الانصهار» في المجتمع الفرنسي الذي هو النقيض الجذري لمفهوم «الانطوائية الطائفية والاجتماعية» ولما تعتبره السلطات المشروع الانفصالي للإسلام السياسي.
وسبق لـدارمانان أن أعلن أنه يتعين على الدولة «أن تكون بلا هوادة» إزاء الانفصالية وأن «تحارب بكافة قواها الإسلام السياسي الذي يستهدف الجمهورية» أي قيمها وقوانينها.
في حديثه عن الإسلام في فرنسا وكيفية التعاطي معه، لم يشذ دارمانان عمن سبقه في هذا المنصب. والرئيس ماكرون وعد، أكثر من مرة، بالكشف عن خطته لكيفية تعاطي الدولة مع الديانة الثانية في فرنسا حيث تقدر أعداد المسلمين بستة ملايين. إلا أن الأرقام الدقيقة غير متوافرة باعتبار أن القوانين تمنع الإحصائيات القائمة على أساس ديني أو عرقي. ولكن حتى اليوم، لم تظهر بعد الخطة الرئاسية المتكاملة رغم عدد الاجتماعات التي عقدت في القصر الرئاسي لهذه الغاية. وكان مقدرا أن يتحدث ماكرون عن هذا الملف الحساس بعد الانتخابات المحلية التي كانت مقررة في 15 و22 مارس (آذار). إلا أن كوفيد 19 قلب الأجندات رأسا على عقب. ولكن تقريرا صدر أمس عن لجنة خاصة في مجلس الشيوخ، معطوفا على تصريحات وزير الداخلية وشؤون الأديان عادت لتطرح ملف الإسلام السياسي في واجهة الأحداث.
يعتبر تقرير مجلس الشيوخ الذي أعدته لجنة تحقيق استحدثت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، وتوكأت في كتابته على نتاج سبعين مقابلة مع مسؤولين وسياسيين ومثقفين وجامعيين وأعضاء في جمعيات ناشطة من المجتمع المدني، أن «التطرف الإسلاموي هو اليوم واقع ملموس» في العديد من الأحياء وأن دعاة التطرف الإسلاموي «يسعون اليوم لوضع اليد على الإسلام في فرنسا».
ويعتبر التقرير أن «الإسلاموية المتطرفة متعددة الأشكال وهي تتسلل إلى كافة مناحي الحياة الاجتماعية وتسعى لفرض قيم «جديدة» على المجتمع بحجة الحرية الفردية». ووفق معدي التقرير، فإن «كافة الأراضي الفرنسية معنية بهذه الظاهرة باستثناء غرب البلاد» وأنه «يتعين التحرك اليوم وإلا فات الأوان». وبالنسبة للجنة المذكورة، فإن فرنسا «ليست تراكم مجموعة أقليات بل هي أمة وبالتالي لا يمكنها التساهل» مع هذه الظاهرة.
يذهب معدو التقرير إلى تأكيد أن المتطرفين يسعون لتحقيق «الانفصالية في عدد من المدن» الأمر الذي يعني عمليا، «التنكر لقيم الجمهورية كحرية المعتقد والضمير والمساواة بين الرجل والمرأة واختلاط الجنسين». ويمكن الإفاضة بالحديث عن ارتداء الحجاب والنقاب وتغيير قيم وصورة المجتمع الفرنسي ومنع الفتيات من الذهاب إلى مسابح مختلطة أو السيدات لاستشارة أطباء رجال والمطالبة بلوائح طعام خاصة في المدارس للتلامذة المسلمين... وذهب التقرير إلى حد الحديث عن سعي الإسلام السياسي المقصود به تيار الإخوان المسلمين عن سعيهم لإعادة «إحياء الخلافة». ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مقررة اللجنة عضو مجلس الشيوخ جاكلين أوستاش برينيو قولها إنه «يتعين الإسراع في التحرك... وإلا فإن العديد من الأحياء «في الضواحي» وفي مناطق كثيرة ستنفصل بعد عدة سنوات عن الجمهورية». وتعبر اللجنة عن قلقها من «تكاثر التصرفات التي تنسف العيش المشترك وتصيب حرية المعتقد والمساواة بين الرجال والنساء».
منذ سنوات، يتهم اليمين وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتلافي الدخول إلى أحياء الضواحي في المدن الكبرى تلافيا لحصول مواجهات بينها وبين مجموعات الشباب التي تعتبر نفسها «مهمشة» وأحياءها متروكة لمصيرها. ورغم الخطط المتتالية التي أطلقت مع تعاقب الحكومات، فإن المعضلة لم تحل لا بل أصبحت أكثر تفجرا ما يزيد التباعد مع هذه الأحياء.
وجاءت المظاهرات الأخيرة التي نددت بـ«عنصرية» الشرطة ورجال الأمن وبالممارسات المنسوبة إليها لتبين امتدادا لما عرفته المدن الأميركية بعد حادثة وفاة جورج فلويد، الهوة العميقة أصلا بين شريحة واسعة من الشباب المتحدرين من أوصل مهاجرة أكانت مغاربية أو أفريقية. ولذا، فمع كل عمل إرهابي أو محاولة إرهابية يعود ملف التطرف الإسلامي إلى الواجهة ويجد المسلمون أنفسهم مستهدفين علما بأن التطرف لا يطال سوى نسبة ضئيلة وهامشية من المسلمين. ومنذ انطلاق موجة الإرهاب الإسلاموي في فرنسا مع بداية العام 2015. فإن أعداد ضحاياه ارتفعت إلى 250 شخصا وعدة مئات من الجرحى.
ما الذي يقترحه تقرير اللجنة؟ يطرح التقرير 44 تدبيرا تشمل الحقول الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والثقافية. وأبرز المقترحات لمواجهة الانحدار السريع نحو الانفصالية ومحاربة التطرف الإسلاموي، منع منظري حركة الإخوان المسلمين من الدخول إلى فرنسا ومحاربة الوجود المتطرف داخل بنى الدولة ومؤسساتها وفي إطار المدارس العامة والخاصة والجمعيات والنوادي الثقافية والرياضية. كذلك تحث الحكومة على تعزيز الرقابة من خلال أجهزتها الأمنية وتوعية وتأهيل الموظفين المحليين وكذلك أعضاء المجالس المحلية كالبلديات وغيرها.
وفي السياق عينه، فإنها تدعو السلطات إلى زيادة الرقابة على المدارس الخاصة غير المتعاقدة مع الدولة والتنبه إلى ظاهرة التعليم المنزلي بدل التعليم في المؤسسات المدرسية. وثمة تدابير معمول بها منذ سنوات كإغلاق النوادي والجمعيات التي يظن أنها «تحض على الكراهية أو التمييز أو العنف» والتخلي نهائيا عن الاستعانة بأئمة من الخارج كما درجت العادة منذ عقود خصوصا في شهر رمضان وتعزيز تأهيل الأئمة في المؤسسات والجامعات الفرنسية. ويطالب التقرير بضرورة التركيز على شفافية الأموال التي تصل إلى الجمعيات ومعرفة مصادرها خصوصا الآتية من الخارج.
ليس تقرير اللجنة المكورة الأول من نوعه ولن يكون الأخير. وسبق للرئيس ماكرون، في خطاب له في شهر فبراير (شباط) الماضي أن فرنسا ستعمد «تدريجا» إلى التخلي عن عادة استجلاب أئمة من الخارج وأنها ستعزز تأهيل الأئمة محليا. كذلك عرض الرئيس الفرنسي مجموعة من التدابير التي تتقاطع مع ما تقترحه اللجنة. إلا أنه في الوقت عينه حذر من الخلط بين الديانة الإسلامية وبين الإسلاموية المتطرفة وأن التدابير التي يدعو إلى اتخاذها ليست موجهة ضد المسلمين بل ضد الإسلامويين المتطرفين مضيفا أن الإسلام له مكانه في البلاد إلى جانب الديانات الأخرى.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended