«ليزا».. مطعم تفوح من أسقفه الأرستقراطية وتعبق من صحونه الأصالة

من منزل لعائلة «بسترس» إلى عنوان الذواقة في بيروت

ديكور رائع يغلب عليه تصميم الليرة اللبنانية القديم
ديكور رائع يغلب عليه تصميم الليرة اللبنانية القديم
TT

«ليزا».. مطعم تفوح من أسقفه الأرستقراطية وتعبق من صحونه الأصالة

ديكور رائع يغلب عليه تصميم الليرة اللبنانية القديم
ديكور رائع يغلب عليه تصميم الليرة اللبنانية القديم

يعبق مطعم «ليزا» الذي يقع وسط منطقة الأشرفية في بيروت وتحديدا في شارع «ترابو» بالعراقة والحداثة معا. يكمن سره في أنك تعشقه منذ اللحظة الأولى التي يقع فيها نظرك على هندسته الخارجية ثم الداخلية، فهو يجمع ما بين الماضي والحاضر فتشعر بسرعة أن قصته لا تشبه قصة أي مطعم آخر في العاصمة، خصوصا أن مبناه يندرج ضمن لائحة البيوت الأثرية فيها. وتتوطد علاقتك به بعد أن تتذوق أول لقمة من مازته اللبنانية الشهية.
يعود تاريخ هذه الدار المعروفة بفيلا «آل بسترس» في الأشرفية إلى أكثر من مائة عام، فكانت تشكل المنزل العائلي لأفراد هذه العائلة الأرستقراطية، وهي واحدة من العائلات الـ7 المشهورة في المنطقة.
أبقى مستثمرو هذه الدار على هندستها الأصلية التي نفذتها ماريا عصيمي، حتى إنهم حاولوا أن يحافظوا على خصوصيتها إن من خلال تقسيم غرفها وصالاتها أو من خلال أرضيتها المؤلفة من بلاط الموزاييك القديم، وأسقفها المزخرفة برسوم الجص.
فقسم غرف النوم مثلا تحول إلى «صالة النقود»، وهي شاسعة تتسع لـ45 شخصا، غطت جدرانها بخلفيات تحمل صورا للنقود اللبنانية القديمة، كورقة الـ10 ليرات التي تم تداولها في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. أما باحة الصالة فتتوسطها طاولات خشبية تغطيها طبقة رخامية، تصطف حولها كراسي مصنوعة من الخشب البني وأخرى من الخيزران التي كانت تستخدم في مقاهي بيروت القديمة كـ«قهوة القزاز»، وكذلك مقاعد خشبية طويلة صممت وزخرفت على طريقة الـ«أرابيسك» الدمشقية الشهيرة. أما الصالة الثانية التي تفصل ما بين الصالة الكبرى وباحة الاستقبال فقد أطلق عليها أصحاب المطعم اسم «صالة الفيل»، ويتدلى من سقفها مجسم فيل مصنوع من الحديد بطريقة فنية مبتكرة، وهذه الصالة مطلة على شرفة ضيقة، يجلس فيها رواد المطعم لتناول فنجان قهوة أو شاي أو أي مشروب آخر قبل تناولهم الطعام أو بعده.
أما صالة «العمارات» أو «building room» كما يشار إليها في المطعم فتتدلى من سقفها ثريات مصنوعة من القصب، وهي كناية عن كرات ضخمة تسطع منها أضواء خافتة تتسع لنحو 45 شخصا أيضا.
وتولت مصممة الديكور الإيطالية ايداريكا كادزوني تصميم جميع الخلفيات التي تزين هذه الصالات عن طريق اختيار الليرة اللبنانية بطبعتها القديمة لتزين الجدران من خلال ورق لاصق.
كل معالم هذا المنزل القديم بقيت على حالها، إن من خلال قناطره التراثية التسع الموزعة في أرجائه، أو من خلال الأعمدة الرخامية التي تقف عليها نوافذ من الخشب الأبيض، ما زالت تفتح وتغلق على الطريقة القديمة، أي بواسطة أقفال مبرومة مصنوعة من البورسلين الأبيض أيضا. وتتسع الصالة الرئيسية للمطعم لنحو 50 شخصا، وقد تم توزيع الطاولات فيها بشكل متوازٍ، وتضمنت في الوسط صوفات مصنوعة من الجلد هنا وكراسي من الخشب هناك، زينت أيضا بعدد من الأرائك الملونة، لتترك لديك انطباعا أوليا لا يفارقك طيلة وجودك فيها، وهو الشعور بأن جلسة بيتوتية بامتياز في انتظارك. وألحقت الصالة الرئيسية بأخرى أصغر مساحة تسمى بـ«صالة الموز»، وفيها طاولتان بيضاويتان تستعملان أيام الآحاد والأعياد كـ«بوفيه» يعرف عنه بالـ«برانش» يفتح أمام رواد المطعم وأفراد عائلاتهم. أما لائحة الـ«برانش» هذه فتتضمن كل ما يمكن أن يخطر على البال من أطباق المازة اللبنانية المعروفة (كبة نية وتبولة وفتوش وحمص بالطحينة ومتبل باذنجان وغيرها)، إضافة إلى الوجبات الباردة والعريقة في المطبخ اللبناني كاللوبياء والهندبة والفاصوليا بالزيت والمدردرة وما إلى هنالك من أطباق مشابهة لها. كذلك يتضمن أطباقا ساخنة ثانوية ورئيسة كالمقانق المتبلة بدبس الرمان والسجق بالبندورة والمغربية والخروف المحشو وغيرها.
لائحة الطعام في مطعم «ليزا» منوعة، فصحيح أنها تنبثق من المطبخ اللبناني القديم، إلا أنه تم استحداث بعض الأطباق الأخرى الخارجة عن المألوف فيها، والتي تنم عن ثقافة مطبخ حديث يعنى بالشكل والطعم معا.
فهناك مثلا طبق الحمص بالكمون، والباذنجان المتبل بالسمسم وحبوب الرمان، وكذلك التبولة بالتفاح والشنكليش بالحبق، وجبنة الحلوم مع مربى البندورة وهذه الأخيرة تجمع ما بين الحلو والمالح في طعمها اللذيذ.
حتى طبق المعجنات في مطعم «ليزا» هو جديد في أصنافه وأشكاله المستوحاة من موضة التصغير، أو المينيماليسم الرائجة حاليا. ففطائر الزعتر البري والسبانخ وصفيحة اللحمة بالفرن والكبة الشمالية المقلية الصغيرة الحجم بشكل لافت تؤلف مكونات هذا الطبق الرئيس في لائحة المازة الساخنة.

* تاريخ المنزل

* هذا التنوع في أصناف الطعام لم يتم بالصدفة في مطعم «ليزا»، فصاحبه زياد عسيلي هو ابن منزل معروف بعلاقته التاريخية بالمطبخ اللبناني وبالحلويات العربية بشكل خاص. ولشدة شغفه بعمله هذا، جال زياد عسيلي على مناطق لبنان من الشمال إلى الجنوب، ليقف على أهم أصناف الطعام المشهورة فيها كل منطقة، ولينقلها بخلطتها الأساسية أحيانا وليلونها بثقافته وذائقته أحيانا أخرى ويضعها تحت تصرف الزبون.
أما طريقة التقديم (presentation) فحملت في طياتها الأناقة الحديثة والأصالة التقليدية معا، ففي صحون مصنوعة من البورسلين والتي تحتضنها أطباق من النحاس الأصفر، تصطف أنواع الطعام المقدمة إليك على المائدة لتجذبك بأشكالها تارة وبصحونها الدافئة المنظر تارة أخرى.
قد يخيل إلى من يسمع باسم مطعم «ليزا» لأول مرة أنه سيتناول طعاما غربيا، إلا أن هذا الاسم الذي أطلقه صاحبه على المطعم يعود لزوجته (ليزا الصغير)، التي جاءتها فكرة افتتاح مطعم لبناني يحمل نفس الاسم منذ 10 سنوات في باريس.
طلب أصناف الطعام من قبل زبون المطعم تتم على نوعين، إما من خلال اختياره الأطباق التي يرغب فيها مباشرة من لائحة الطعام الخاصة بالمطعم «a la carte»، وإما من خلال صيغة الـ«formule» (نزل) التي تتضمن نحو الـ20 صنفا من أطباق المازة الباردة والساخنة، إضافة إلى الطبق الرئيسي (صحن الشيف)، الذي يكون غالبا «خروفا مع البهارات الخمس» أو أي طبق لبناني آخر اعتمده شيف المطعم في لائحة «الصحن اليومي». ولا تخلو هذه الصيغة أيضا من السلطات والحلويات التي يحب زبون مطعم «ليزا» أن يبدأ ويختتم بها وجبته.
وتطول لائحة الحلويات التي يقدمها المطعم لزبائنه، لتتضمن «الصفوف باللاقطين» و«بسكوت غندور ببوظة الورد»، و«الحيتلية» وهي كناية عن حلو المهلبية دون سكر المشرب بـ7 أنواع عصائر، إضافة إلى «تارت قضامة» وأنواع حلوى أجنبية أخرى.
أما الخبز الذي يقدم في «ليزا» فهو قصة بحد ذاته. يصنع خبز «ليزا» من نوعين من الطحين مخلوطين بالبرغل، يعرف بالـ«طلامة»، وهو خبز قديم في لبنان كان يتناوله أهالي القرى بعد خبزه مباشرة على الصاج (فرن يدوي يتألف من طبق حديدي مقولب يحمى على الفحم). تقدم «الطلامة» ساخنة مع صحون صغيرة فيها زيت الزيتون البلدي، فيحلو تغميسها فيه وتناوله كطبق المدخل (Starter)، إلى جانب قطع صغيرة من الخبز المحمص بالزعتر.
«اطعم العين يشبع البطن» هو قول يجوز وصف مطعم «ليزا» به، إلا أن جمالية هندسته من الداخل والخارج معا لا يمكنها أن تلهيك عن هدف ارتيادك له، ألا وهو العودة إلى الجذور من خلال أطباق طعام تقليدية شهية من المطبخ اللبناني، إضافة إلى أخرى تم تحديثها مع نزعة جبلية تشكل الفرق بين مطعم «ليزا» وغيره من المطاعم التي تختص بتقديم اللقمة اللبنانية الطيبة.
ميتروبوليتان كلوب، شارع دوماني، ترابو، الأشرفية، بيروت، تليفون: 05717171



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».