«الصاروخ الذكي» الأميركي إلى «حراس الدين» يبعث برسالة إلى روسيا

واشنطن رفضت إدراج التنظيم في قوائم مجلس الأمن واغتالت قائده في إدلب

سيارة تقل «أبو القسام الأردني» بعد إصابتها في الغارة الأميركية  -  منشور لوزارة الخارجية الأميركية
سيارة تقل «أبو القسام الأردني» بعد إصابتها في الغارة الأميركية - منشور لوزارة الخارجية الأميركية
TT

«الصاروخ الذكي» الأميركي إلى «حراس الدين» يبعث برسالة إلى روسيا

سيارة تقل «أبو القسام الأردني» بعد إصابتها في الغارة الأميركية  -  منشور لوزارة الخارجية الأميركية
سيارة تقل «أبو القسام الأردني» بعد إصابتها في الغارة الأميركية - منشور لوزارة الخارجية الأميركية

الصاروخ «الذكي» الذي وجهته طائرة «درون» أميركية إلى «أبو القسام الأردني» أحد قياديي تنظيم «حراس الدين» المحسوب على «القاعدة» في شمال غربي سوريا، تزامن مع خلاف أميركي - روسي في مجلس الأمن إزاء تصنيف «حراس الدين» في قوائم مجلس الأمن الدولي للتنظيمات الإرهابية، كما هو الحال مع «جبهة النصرة» وتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، ما اعتبر أنه بمثابة «رسالة» من واشنطن إلى موسكو حول كيفية اغتيال الإرهابيين.
وأبلغ مسؤول غربي «الشرق الأوسط» أن مداولات أولية في مجلس الأمن، أظهرت خلافاً في رأي بين دبلوماسيي البلدين، إذ إن الجانب الروسي يريد استعجال إدراج «حراس الدين» في قوائم مجلس الأمن، مقابل حذر دبلوماسيين أميركيين من أن يكون ذلك «ذريعة لشن عمل عسكري من قوات الحكومة السورية بدعم روسي ضد بعض الجيوب في ريف إدلب لقتال فصائل المعارضة بدل الإرهابيين». وأضاف أن المقاربة الأميركية تقوم على ضرورة التوصل إلى «تصور شامل لمحاربة الإرهاب والإجراءات المسموحة ذلك، وأن يكون التصنيف الدولي أحدها وليس الوحيد».
> «حراس الدين»
تأسس تنظيم «حراس الدين» في فبراير (شباط) 2018 من القياديين المهاجرين الذين اختلفوا مع زعيم تنظيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني بعد فك ارتباطه بـ«القاعدة» في 2016، وكان بين القياديين في التنظيم الجديد خالد العاروري (أبو القاسم الأردني) وأعضاء مجلس الشورى سمير حجازي (أبو همام الشامي أو فاروق السوري) وسامي العريدي (أبو محمود الشامي) وبلال خريسات (أبو خديجة الأردني). وتلبية لدعوتهم (الفصائل المتناحرة في الشام لوقف القتال بين بعضها البعض)، انضمّ 16 فصيلاً على الأقل إلى «حراس الدين».
وفي أبريل (نيسان) 2018 شكّل «حراس الدين» مع «أنصار التوحيد» تكتل «نصرة الإسلام» اتسع إلى غرفة «عمليات وحرض المؤمنين» في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، في سياق سعيها لمقارعة اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا حول إدلب.
وفي نهاية العام الماضي، صنفت الخارجية الأميركية «حراس الدين» كمنظمة إرهابية أجنبية وأدرجت «أبو همام الشامي» القائد العسكري السابق لـ«جبهة النصرة» ضمن القوائم السوداء. وعرض برنامج «المكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية، 5 ملايين دولار لقاء معلومات تقود لثلاثة من قادة التنظيم، وهم: «سامي العريدي، وسمير حجازي، وأبو محمد المصري».
> منع الصدام
قبل أسابيع، بادر دبلوماسيون روس في نيويورك إلى طرح إدراج «حراس الدين» في قوائم مجلس الأمن للتنظيمات الإرهابية. الموقف الأميركي كان مفاجئاً لدى رفض ذلك قبل التوافق على آلية محاربة. لكن اللافت، أن واشنطن أرادت إعطاء «درس» حول كيفية اغتيال المطلوبين من «القاعدة». هي تصنف «حراس الدين» في قوائها، واعتبرت «هيئة تحرير الشام» ذاتها «جبهة النصرة».
معروف أن هناك اتفاقا بين روسيا وأميركا لـ«منع الصدام» منذ منتصف 2017 بين الجيشين: شرق الفرات لحلفاء واشنطن وغرب النهر لحلفاء موسكو. وحاولت أميركا في بداية 2018، ملاحقة إرهابيين في شمال غربي سوريا واستهدفت عشرات من قادة «تنظيم خراسان» وقياديين آخرين. لكن ذلك قوبل برفض روسي. وكانت هناك استثناءات قليلة بينها لدى اغتيال «أبو بكر البغدادي» في أكتوبر الماضي في باريشا بريف إدلب، بعد إبلاغ الجانب الروسي بوجود عملية عسكرية خاصة في «منطقة النفوذ الروسية» من دون مزيد من التفاصيل.
> شفرات قاتلة
حسب المعلومات، فإن هذا تكرر في 14 يونيو (حزيران)، لدى قيام «درون» أميركية متطورة باستهداف خالد العاروري المعروف بـ«أبو القسام الأردني»، للتخلص منه وأيضاً «رسالة» إلى روسيا عبر استعمال صاروخ «هيل فاير» المتطور المخصص لعمليات الاغتيال المستهدف بعيداً من أي خسائر بين المدنيين. و«أبو القسام» هو رفيق وصهر «أبو مصعب الزرقاوي» الذي كان متزعماً «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» قبل اغتياله في 2006. وفي عام 2015، كان خالد العاروري واحداً من 5 شخصيات بارزة من «القاعدة» الذين أفرجت السلطات الإيرانية عنهم في صفقة.
وأفادت وسائل إعلام أميركية، بأن الصاروخ «الذكي» تضمن رأسا حربيا خاملا من 100 رطل من المواد المعدنية أحدث فجوة كبيرة في سيارة كان فيها «أبو القسام» قبل قذف ست شفرات حادة (بمثابة سيوف) من داخل المقذوف لتقطيع أي شيء يعترض طريقها. وهذا ما يفسر أن «حراس الدين» أعلن عن مقتل «أبو القسام» أول من أمس بعد حوالي عشرة أيام من إصابته.
جرى تطوير صاروخ «هيل فاير»، المعروف عسكريا بـ«آر 9 إكس»، قبل عقد إثر ضغوط الرئيس السابق باراك أوباما بهدف الإقلال قدر الإمكان من الخسائر التي تقع في صفوف المدنيين والحد من تدمير الممتلكات المدنية في الحرب ضد الإرهاب. والسلاح، الذي جرى توصيفه بالكامل للمرة الأولى خلال العام الماضي، تم استخدامه أكثر من ست مرات في السنوات الأخيرة. ونقلت صحف أميركية عن مسؤولين أميركيين استخدام «آر 9 إكس» في حالتين محددتين، إحداهما كانت من وكالة الاستخبارات المركزية، والحالة الأخرى من قيادة العمليات الخاصة المشتركة السرية في الجيش. إذ نجحت غارة جوية في اليمن في يناير (كانون الثاني) العام 2019 في اغتيال جمال البدوي، وهو أحد الرجال المشتبه في ضلوعهم في التخطيط لعملية تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» حال رسوها في اليمن عام 2000. وقتل «أبو الخير المصري»، وهو الرجل الثاني في «القاعدة» وكان صهرا لزعيم التنظيم أسامة بن لادن، من الاستخبارات المركزية، في غارة في إدلب في فبراير عام 2017. وكان التشابه واضحا بين عمليتي اغتيال «أبو الخير» و«أبو القسام».
و«الرسالة الأميركية لروسيا، هي أنه هكذا يتم اغتيال قادة إرهابيين وليس على طريقة الأرض المحروقة التي تتضمن دمارا كبيرا بالممتلكات المدنية والبنية التحتية»، حسب مسؤول غربي. وأضاف: «كان لافتا تزامن هذا مع اتهامات تقرير أممي لروسيا بأنها لم تساهم بحماية مستشفيات ومنشآت طبية في إدلب رغم أنه جرى تقديم معطيات وجودها للجانب الروسي». وأعلنت روسيا انسحابها من ترتيب طوعي تقوده الأمم المتحدة لحماية المستشفيات وشحنات المساعدات الإنسانية في سوريا من استهداف الأطراف المتحاربة لها. وجاء هذا بعد أن خلص تحقيق داخلي أجرته الأمم المتحدة في أبريل إلى أن من «المحتمل للغاية» أن تكون الحكومة السورية أو حلفاؤها قد نفذوا هجمات على ثلاث منشآت للرعاية الصحية ومدرسة وملجأ للأطفال في شمال غربي البلاد العام الماضي.
> تفاهم روسي - تركي
ينتشر «حراس الدين»، الذي يعتقد أنه يضم حوالي 1800 عنصر معظمهم غير سوريين، في شمال غربي سوريا الخاضعة لتفاهمات روسية - تركية. وفي 5 مارس (آذار) الماضي، توصل الرئيسيان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان لبروتوكول إضافي لاتفاق سوتشي بينهما، تضمن «عزمهما مكافحة جميع أشكال الإرهاب والقضاء على كل التنظيمات الإرهابية التي اعترف بتصنيفها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومتفقتين مع ذلك على أن تهديد المدنيين والبنية التحتية المدنية لا يمكن تبريره بأي ذرائع». وإلى وقف النار، اتفقا على تسيير دوريات مشتركة على طريق رئيسي بين حلب واللاذقية.
قابل «حراس الدين» ذلك بأنه أعلن في 12 الشهر الحالي، تشكيل «تنسيقية مشتركة» غرفة عمليات عسكرية باسم «فاثبتوا»، من 5 فصائل، هي: «تنسيقية الجهاد»، و«لواء المقاتلين الأنصار»، و«جماعة أنصار الدين»، و«أنصار الإسلام». وكان هذا التكتل توسيعاً لحلف سابق، أعلنته تنظيمات «أنصار الدين» و«أنصار الإسلام» و«حراس الدين» في 2018، بتشكيل غرفة «وحرض المؤمنين». وكما رفض الحلف السابق اتفاق سوتشي، فإن التكتل الجديد رفض اتفاق موسكو، وشن هجمات على قوات النظام في سهل الغاب غرب حماة، كما أنه استهدف جنودا أتراكا ودوريات روسية - تركية على طريق حلب - اللاذقية.
> ابتلاع الإخوة
حسب المعلومات، تعهدت تركيا بـ«تفكيك» التنظيمات المتشددة من الداخل، بل إن مسؤوليها بدأوا لأول مرة يتحدثون عن «تنظيمات إرهابية» في إدلب. لكن اللافت، أن «هيئة تحرير الشام» هي التي تقود المواجهة الميدانية ضد المتشددين الآخرين. إذ إنها اعتقلت، القيادي السابق فيها، جمال زينية المعروف بـ«أبو مالك التلي» في ريف إدلب بتهمة «التحريض على شق الصف والتمرد وإثارة البلبلة» بعد أيام من اعتقال سراج الدين مختاروف، المعروف بـ«أبو صلاح الأوزبكي»، المنضوي في صفوف تنظيم «جبهة أنصار الدين» والمطلوب للإنتربول الدولي.
تطور ذلك إلى اشتباكات ومواجهات بين الطرفين خصوصاً في سهل الروج غرب إدلب وقرب سهل الغاب مناطق انتشار قوات النظام. واستطاعت «هيئة تحرير الشام» فرض اتفاق هدنة أول من أمس على «حراس الدين»، لكن سرعان ما انهارت وتبادل الطرفان التهديدات.
وأعلن الجناح العسكري في «هيئة تحرير الشام» مساء الجمعة «منع إنشاء أي غرفة عمليات أخرى أو تشكيل أي فصيل جديد تحت طائلة المحاسبة» في إشارة إلى غرفة «فاثبتوا». وحصرت «الهيئة» في بيانها «جميع النشاطات العسكرية بإدارة غرفة عمليات الفتح المبين»، وذلك بعد إعلان التكتل الآخر أنه «بعد الاتفاق الذي وقع في بلدة عرب سعيد غرب إدلب بيننا وبين هيئة تحرير الشام، قامت الأخيرة بمداهمة مقرات فاثبتوا في بلدة سرمدا بريف إدلب الشمالي شمال إدلب ومواقع في ريف اللاذقية». واعتبرت هذا «الغدر المُبيت يعود على الاتفاق القائم في عرب سعيد بالنقض في حال استمراره، وعدم التزام الطرف الآخر بما وعد به».
وإذ يقول قيادي ميداني إن «هيئة تحرير الشام اتخذت قرارها بالقضاء على حراس الدين بموافقة تركية لتقديم نفسها كتنظيم يجب التحاور معه»، أشار آخر إلى أن «ابتلاع الإخوة سيصل إلى أن الدور سيأتي على هيئة تحرير الشام لاحقا».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.