«الصاروخ الذكي» الأميركي إلى «حراس الدين» يبعث برسالة إلى روسيا

واشنطن رفضت إدراج التنظيم في قوائم مجلس الأمن واغتالت قائده في إدلب

سيارة تقل «أبو القسام الأردني» بعد إصابتها في الغارة الأميركية  -  منشور لوزارة الخارجية الأميركية
سيارة تقل «أبو القسام الأردني» بعد إصابتها في الغارة الأميركية - منشور لوزارة الخارجية الأميركية
TT

«الصاروخ الذكي» الأميركي إلى «حراس الدين» يبعث برسالة إلى روسيا

سيارة تقل «أبو القسام الأردني» بعد إصابتها في الغارة الأميركية  -  منشور لوزارة الخارجية الأميركية
سيارة تقل «أبو القسام الأردني» بعد إصابتها في الغارة الأميركية - منشور لوزارة الخارجية الأميركية

الصاروخ «الذكي» الذي وجهته طائرة «درون» أميركية إلى «أبو القسام الأردني» أحد قياديي تنظيم «حراس الدين» المحسوب على «القاعدة» في شمال غربي سوريا، تزامن مع خلاف أميركي - روسي في مجلس الأمن إزاء تصنيف «حراس الدين» في قوائم مجلس الأمن الدولي للتنظيمات الإرهابية، كما هو الحال مع «جبهة النصرة» وتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، ما اعتبر أنه بمثابة «رسالة» من واشنطن إلى موسكو حول كيفية اغتيال الإرهابيين.
وأبلغ مسؤول غربي «الشرق الأوسط» أن مداولات أولية في مجلس الأمن، أظهرت خلافاً في رأي بين دبلوماسيي البلدين، إذ إن الجانب الروسي يريد استعجال إدراج «حراس الدين» في قوائم مجلس الأمن، مقابل حذر دبلوماسيين أميركيين من أن يكون ذلك «ذريعة لشن عمل عسكري من قوات الحكومة السورية بدعم روسي ضد بعض الجيوب في ريف إدلب لقتال فصائل المعارضة بدل الإرهابيين». وأضاف أن المقاربة الأميركية تقوم على ضرورة التوصل إلى «تصور شامل لمحاربة الإرهاب والإجراءات المسموحة ذلك، وأن يكون التصنيف الدولي أحدها وليس الوحيد».
> «حراس الدين»
تأسس تنظيم «حراس الدين» في فبراير (شباط) 2018 من القياديين المهاجرين الذين اختلفوا مع زعيم تنظيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني بعد فك ارتباطه بـ«القاعدة» في 2016، وكان بين القياديين في التنظيم الجديد خالد العاروري (أبو القاسم الأردني) وأعضاء مجلس الشورى سمير حجازي (أبو همام الشامي أو فاروق السوري) وسامي العريدي (أبو محمود الشامي) وبلال خريسات (أبو خديجة الأردني). وتلبية لدعوتهم (الفصائل المتناحرة في الشام لوقف القتال بين بعضها البعض)، انضمّ 16 فصيلاً على الأقل إلى «حراس الدين».
وفي أبريل (نيسان) 2018 شكّل «حراس الدين» مع «أنصار التوحيد» تكتل «نصرة الإسلام» اتسع إلى غرفة «عمليات وحرض المؤمنين» في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، في سياق سعيها لمقارعة اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا حول إدلب.
وفي نهاية العام الماضي، صنفت الخارجية الأميركية «حراس الدين» كمنظمة إرهابية أجنبية وأدرجت «أبو همام الشامي» القائد العسكري السابق لـ«جبهة النصرة» ضمن القوائم السوداء. وعرض برنامج «المكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية، 5 ملايين دولار لقاء معلومات تقود لثلاثة من قادة التنظيم، وهم: «سامي العريدي، وسمير حجازي، وأبو محمد المصري».
> منع الصدام
قبل أسابيع، بادر دبلوماسيون روس في نيويورك إلى طرح إدراج «حراس الدين» في قوائم مجلس الأمن للتنظيمات الإرهابية. الموقف الأميركي كان مفاجئاً لدى رفض ذلك قبل التوافق على آلية محاربة. لكن اللافت، أن واشنطن أرادت إعطاء «درس» حول كيفية اغتيال المطلوبين من «القاعدة». هي تصنف «حراس الدين» في قوائها، واعتبرت «هيئة تحرير الشام» ذاتها «جبهة النصرة».
معروف أن هناك اتفاقا بين روسيا وأميركا لـ«منع الصدام» منذ منتصف 2017 بين الجيشين: شرق الفرات لحلفاء واشنطن وغرب النهر لحلفاء موسكو. وحاولت أميركا في بداية 2018، ملاحقة إرهابيين في شمال غربي سوريا واستهدفت عشرات من قادة «تنظيم خراسان» وقياديين آخرين. لكن ذلك قوبل برفض روسي. وكانت هناك استثناءات قليلة بينها لدى اغتيال «أبو بكر البغدادي» في أكتوبر الماضي في باريشا بريف إدلب، بعد إبلاغ الجانب الروسي بوجود عملية عسكرية خاصة في «منطقة النفوذ الروسية» من دون مزيد من التفاصيل.
> شفرات قاتلة
حسب المعلومات، فإن هذا تكرر في 14 يونيو (حزيران)، لدى قيام «درون» أميركية متطورة باستهداف خالد العاروري المعروف بـ«أبو القسام الأردني»، للتخلص منه وأيضاً «رسالة» إلى روسيا عبر استعمال صاروخ «هيل فاير» المتطور المخصص لعمليات الاغتيال المستهدف بعيداً من أي خسائر بين المدنيين. و«أبو القسام» هو رفيق وصهر «أبو مصعب الزرقاوي» الذي كان متزعماً «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» قبل اغتياله في 2006. وفي عام 2015، كان خالد العاروري واحداً من 5 شخصيات بارزة من «القاعدة» الذين أفرجت السلطات الإيرانية عنهم في صفقة.
وأفادت وسائل إعلام أميركية، بأن الصاروخ «الذكي» تضمن رأسا حربيا خاملا من 100 رطل من المواد المعدنية أحدث فجوة كبيرة في سيارة كان فيها «أبو القسام» قبل قذف ست شفرات حادة (بمثابة سيوف) من داخل المقذوف لتقطيع أي شيء يعترض طريقها. وهذا ما يفسر أن «حراس الدين» أعلن عن مقتل «أبو القسام» أول من أمس بعد حوالي عشرة أيام من إصابته.
جرى تطوير صاروخ «هيل فاير»، المعروف عسكريا بـ«آر 9 إكس»، قبل عقد إثر ضغوط الرئيس السابق باراك أوباما بهدف الإقلال قدر الإمكان من الخسائر التي تقع في صفوف المدنيين والحد من تدمير الممتلكات المدنية في الحرب ضد الإرهاب. والسلاح، الذي جرى توصيفه بالكامل للمرة الأولى خلال العام الماضي، تم استخدامه أكثر من ست مرات في السنوات الأخيرة. ونقلت صحف أميركية عن مسؤولين أميركيين استخدام «آر 9 إكس» في حالتين محددتين، إحداهما كانت من وكالة الاستخبارات المركزية، والحالة الأخرى من قيادة العمليات الخاصة المشتركة السرية في الجيش. إذ نجحت غارة جوية في اليمن في يناير (كانون الثاني) العام 2019 في اغتيال جمال البدوي، وهو أحد الرجال المشتبه في ضلوعهم في التخطيط لعملية تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» حال رسوها في اليمن عام 2000. وقتل «أبو الخير المصري»، وهو الرجل الثاني في «القاعدة» وكان صهرا لزعيم التنظيم أسامة بن لادن، من الاستخبارات المركزية، في غارة في إدلب في فبراير عام 2017. وكان التشابه واضحا بين عمليتي اغتيال «أبو الخير» و«أبو القسام».
و«الرسالة الأميركية لروسيا، هي أنه هكذا يتم اغتيال قادة إرهابيين وليس على طريقة الأرض المحروقة التي تتضمن دمارا كبيرا بالممتلكات المدنية والبنية التحتية»، حسب مسؤول غربي. وأضاف: «كان لافتا تزامن هذا مع اتهامات تقرير أممي لروسيا بأنها لم تساهم بحماية مستشفيات ومنشآت طبية في إدلب رغم أنه جرى تقديم معطيات وجودها للجانب الروسي». وأعلنت روسيا انسحابها من ترتيب طوعي تقوده الأمم المتحدة لحماية المستشفيات وشحنات المساعدات الإنسانية في سوريا من استهداف الأطراف المتحاربة لها. وجاء هذا بعد أن خلص تحقيق داخلي أجرته الأمم المتحدة في أبريل إلى أن من «المحتمل للغاية» أن تكون الحكومة السورية أو حلفاؤها قد نفذوا هجمات على ثلاث منشآت للرعاية الصحية ومدرسة وملجأ للأطفال في شمال غربي البلاد العام الماضي.
> تفاهم روسي - تركي
ينتشر «حراس الدين»، الذي يعتقد أنه يضم حوالي 1800 عنصر معظمهم غير سوريين، في شمال غربي سوريا الخاضعة لتفاهمات روسية - تركية. وفي 5 مارس (آذار) الماضي، توصل الرئيسيان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان لبروتوكول إضافي لاتفاق سوتشي بينهما، تضمن «عزمهما مكافحة جميع أشكال الإرهاب والقضاء على كل التنظيمات الإرهابية التي اعترف بتصنيفها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومتفقتين مع ذلك على أن تهديد المدنيين والبنية التحتية المدنية لا يمكن تبريره بأي ذرائع». وإلى وقف النار، اتفقا على تسيير دوريات مشتركة على طريق رئيسي بين حلب واللاذقية.
قابل «حراس الدين» ذلك بأنه أعلن في 12 الشهر الحالي، تشكيل «تنسيقية مشتركة» غرفة عمليات عسكرية باسم «فاثبتوا»، من 5 فصائل، هي: «تنسيقية الجهاد»، و«لواء المقاتلين الأنصار»، و«جماعة أنصار الدين»، و«أنصار الإسلام». وكان هذا التكتل توسيعاً لحلف سابق، أعلنته تنظيمات «أنصار الدين» و«أنصار الإسلام» و«حراس الدين» في 2018، بتشكيل غرفة «وحرض المؤمنين». وكما رفض الحلف السابق اتفاق سوتشي، فإن التكتل الجديد رفض اتفاق موسكو، وشن هجمات على قوات النظام في سهل الغاب غرب حماة، كما أنه استهدف جنودا أتراكا ودوريات روسية - تركية على طريق حلب - اللاذقية.
> ابتلاع الإخوة
حسب المعلومات، تعهدت تركيا بـ«تفكيك» التنظيمات المتشددة من الداخل، بل إن مسؤوليها بدأوا لأول مرة يتحدثون عن «تنظيمات إرهابية» في إدلب. لكن اللافت، أن «هيئة تحرير الشام» هي التي تقود المواجهة الميدانية ضد المتشددين الآخرين. إذ إنها اعتقلت، القيادي السابق فيها، جمال زينية المعروف بـ«أبو مالك التلي» في ريف إدلب بتهمة «التحريض على شق الصف والتمرد وإثارة البلبلة» بعد أيام من اعتقال سراج الدين مختاروف، المعروف بـ«أبو صلاح الأوزبكي»، المنضوي في صفوف تنظيم «جبهة أنصار الدين» والمطلوب للإنتربول الدولي.
تطور ذلك إلى اشتباكات ومواجهات بين الطرفين خصوصاً في سهل الروج غرب إدلب وقرب سهل الغاب مناطق انتشار قوات النظام. واستطاعت «هيئة تحرير الشام» فرض اتفاق هدنة أول من أمس على «حراس الدين»، لكن سرعان ما انهارت وتبادل الطرفان التهديدات.
وأعلن الجناح العسكري في «هيئة تحرير الشام» مساء الجمعة «منع إنشاء أي غرفة عمليات أخرى أو تشكيل أي فصيل جديد تحت طائلة المحاسبة» في إشارة إلى غرفة «فاثبتوا». وحصرت «الهيئة» في بيانها «جميع النشاطات العسكرية بإدارة غرفة عمليات الفتح المبين»، وذلك بعد إعلان التكتل الآخر أنه «بعد الاتفاق الذي وقع في بلدة عرب سعيد غرب إدلب بيننا وبين هيئة تحرير الشام، قامت الأخيرة بمداهمة مقرات فاثبتوا في بلدة سرمدا بريف إدلب الشمالي شمال إدلب ومواقع في ريف اللاذقية». واعتبرت هذا «الغدر المُبيت يعود على الاتفاق القائم في عرب سعيد بالنقض في حال استمراره، وعدم التزام الطرف الآخر بما وعد به».
وإذ يقول قيادي ميداني إن «هيئة تحرير الشام اتخذت قرارها بالقضاء على حراس الدين بموافقة تركية لتقديم نفسها كتنظيم يجب التحاور معه»، أشار آخر إلى أن «ابتلاع الإخوة سيصل إلى أن الدور سيأتي على هيئة تحرير الشام لاحقا».



نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
TT

نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)

تزداد المخاوف في ظل تصاعد أعداد النازحين الجدد في اليمن مع استمرار الحوثيين في استهداف التجمعات السكنية بمدينة تعز وأريافها، في وقت تتسع فيه الأزمة الإنسانية بفعل ارتفاع الإصابات المشتبه بها بالكوليرا، وتراجع قدرة المرافق الصحية على تلبية الاحتياجات المتنامية، وسط صعوبات تواجه وصول المساعدات إلى مناطق النزوح.

وتتداخل تداعيات القتال مع المخاطر الصحية التي تلاحق الفارين من منازلهم، إذ لا تنتهي معاناة الأسر بمغادرة مناطق المواجهات، بل تبدأ رحلة أخرى لتأمين المأوى والمياه النظيفة والرعاية الطبية، في ظل اكتظاظ مواقع النزوح ومحدودية الخدمات الأساسية.

وتحذر البيانات الإنسانية من أن استمرار الأعمال العدائية في تعز، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، قد يدفع مزيداً من السكان إلى الفرار، بينما تزداد المخاطر الناجمة عن انتشار الأمراض في بيئات تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ارتفع إجمالي حالات الكوليرا المشتبه بها والمبلّغ عنها في اليمن خلال عام 2026 إلى 8034 حالة، بينها 27 وفاة. وسُجّل نحو ربع الحالات خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد القتال واستمرار نزوح السكان.

الحوثيون يواصلون استهداف التجمعات السكنية في تعز وأريافها (إعلام محلي)

وتتركز 92 في المائة من الحالات المبلّغ عنها في خمس محافظات هي أبين ولحج والضالع وتعز وعدن، وهي مناطق تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، ما يزيد الضغوط على الخدمات الصحية وشبكات المياه والإصحاح البيئي.

ولا تقتصر التداعيات الصحية على الأراضي اليمنية؛ إذ أبلغت السلطات الصحية في جيبوتي عن 44 حالة إسهال مائي حاد، ووفاة واحدة بين اللاجئين اليمنيين هناك، في مؤشر على اتساع الاحتياجات الإنسانية والصحية المرتبطة بحركة السكان.

وتحذر المنظمة من أن الاكتظاظ في مواقع النزوح، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة، وتعطل الخدمات الصحية، عوامل تزيد احتمالات انتقال الأمراض، بما فيها الكوليرا والحصبة، وغير ذلك من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بالنسبة إلى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً أن الإصابة بالمرض قد تتحول إلى تهديد مباشر للحياة عندما يتعذر الوصول إلى المرافق الطبية أو الحصول على مياه آمنة، فيما تواجه الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها صعوبات في تحمل تكاليف العلاج وتأمين احتياجاتها اليومية.

تعز في صدارة النزوح

تظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين بفعل التصعيد الحوثي بلغ 217 ألفاً و303 أشخاص حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتستضيف محافظة تعز 55 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنحو 45 ألفاً و390 نازحاً، ثم عدن بـ26 ألفاً و112 شخصاً.

وفي تعز، تعد مديريات جبل حبشي والمعافر والشمايتين من أكثر المناطق استضافة للنازحين، بأعداد بلغت، على التوالي، 32 ألفاً و346، و31 ألفاً و230، و24 ألفاً و942 شخصاً. وشهدت هذه المديريات أيضاً بعضاً من أشد الأعمال العدائية خلال الأيام الأخيرة.

وتزداد صعوبة الاستجابة الإنسانية مع تعذر الوصول إلى معظم مواقع النزوح في تعز بسبب استمرار الصراع، الأمر الذي يضع أعداداً كبيرة من الأسر أمام احتمالات نقص المساعدات والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الناجمة عن النزوح وتفشي الأمراض.

الفارون من هجمات الحوثيين يعيشون في مخيمات بدائية ما ساعد على تفشي الأمراض المعدية (إعلام محلي)

وتحذر منظمة الصحة العالمية كذلك من الضغط المتنامي على المرافق الطبية التي تستقبل آلاف المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن نحو 500 مرفق صحي في تسع محافظات متضررة من تصاعد النزاع يفتقر إلى دعم الشركاء.

ويعني استمرار هذا النقص أن قدرة النظام الصحي على التعامل مع الإصابات الناجمة عن القتال والأمراض المعدية تواجه تحديات متزامنة، في وقت تحتاج فيه مناطق النزوح إلى استجابة تجمع بين توفير الخدمات العلاجية والمياه النظيفة وتحسين الظروف الصحية في أماكن الإيواء.


المواجهات تضاعف الضغوط على تعز وأَسْر قيادات حوثية

قوات حكومة يمنية تتحرك بالقرب من جبهة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
قوات حكومة يمنية تتحرك بالقرب من جبهة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

المواجهات تضاعف الضغوط على تعز وأَسْر قيادات حوثية

قوات حكومة يمنية تتحرك بالقرب من جبهة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
قوات حكومة يمنية تتحرك بالقرب من جبهة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

مع دخول عملية «فجر اليمن» يومها العاشر، تتصاعد حدة المواجهات الميدانية بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في عدد من الجبهات، في حين تمثل محافظة تعز (جنوب غربي اليمن) مركز الثقل الاستراتيجي والعملياتي للمواجهات، التي شهدت أسر قيادات أمنية حوثية، بالتزامن مع امتداد المعارك إلى محافظات لحج المجاورة، ومأرب والجوف (شمال شرقي البلاد).

وتدور المعارك البرية على خمس جبهات رئيسية تحيط بالمدينة، في حين تواصل القوات الحكومية رصد واستهداف مواقع وعناصر الحوثيين في جبهات لحج ومأرب والجوف، في وقت تتضاعف تعقيدات الأوضاع الإنسانية في تعز، مترافقة مع اتهامات للحوثيين بتنفيذ هجمات على المدنيين وممارسات أودت بحياة عدد منهم وإصابة آخرين.

وذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أن مواجهات عنيفة اندلعت بين قوات المحور، مدعومة بالمقاومة الشعبية، والجماعة الحوثية في جبهات غرب وشمال غربي تعز. وشهدت جبهة الضباب غرب المدينة، وجبهتا الأقروض والشقب جنوباً، معارك متواصلة منذ صباح الأربعاء، تصاعدت حدتها بعد ظهر اليوم نفسه.

وحسب بيان للمركز، استهدف الطيران الحربي رتلاً من الدبابات والآليات والعربات الحوثية في منطقة رأس النجد بمديرية المسراخ، كما شنّ غارتين جويتين على مواقع تابعة للجماعة في تلة سوفتيل شرق مدينة تعز، وغارتين أخريين مساء الأربعاء استهدفتا دبابة وعربة في جبهة الضباب غرب المدينة.

الجماعة الحوثية تدفع بمئات المقاتلين باتجاه مدينة تعز سعياً لاقتحامها (إ.ب.أ)

وأفاد المركز بسقوط وإصابة أكثر من 200 من العناصر الحوثية، إلى جانب تدمير عربة وإعطاب دبابتين وإسقاط طائرة مسيَّرة، فضلاً عن تدمير رتل مسلح.

وأعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، في الخامس من الشهر الحالي، إطلاق عملية عسكرية واسعة تحمل اسم «فجر اليمن»؛ بهدف استعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وإعادة السلاح وقراري الحرب والسلم إلى سلطة الدولة الدستورية.

ضربة أمنية تربك الحوثيين

وصف الإعلام العسكري لمحور تعز المعارك البرية في جبهة الضباب بأنها الأكثر دموية، مشيراً إلى سعي الجماعة الحوثية لاختراق المنفذ الغربي للمدينة، وتحديداً في محيط جبل هان الاستراتيجي، ووادي حذران، وأطراف الصياحي، بالتزامن مع شنها هجوماً عنيفاً بالأسلحة الثقيلة في جبهة جولة القصر شرقي المدينة.

وكان بلاغ عملياتي بثه المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أكد إحباط هجوم التفافي للجماعة عند نقطة الهنجر، في المنفذ الغربي للمدينة، وتدمير المدفعية ثلاث عربات مدرعة ومركبتين لتموين الذخيرة.

صيادون يمنيون جوار سفينة تجارية راسية قبالة السواحل اليمنية في باب المندب الشهر الماضي (أ.ف.ب)

وفي السياق نفسه، أكد بيان رسمي صادر عن اللواء الخامس حرس رئاسي، نجاح وحدات الجيش في تنفيذ عملية التفافية خاطفة غرب تعز، أسفرت عن أسر خمسة من القيادات الأمنية الحوثية.

وأظهرت مقاطع مصورة بثها الإعلام العسكري أسر القيادي الاستخباراتي محمد سعيد الجنيد، مدير فرع ما يسمى «الأمن الوقائي» التابع للجماعة في منطقة الحوبان شرق المدينة، إلى جانب أكرم عامر، الذي يشغل منصب مدير عام مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية التابعة لحكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً.

ورداً على إعلان القوات الحكومية أسر خمسة أشخاص قالت إنهم قيادات حوثية، ونشر اللواء الخامس حرس رئاسي تسجيلاً مصوراً للمحتجزين، أقر عبد القادر المرتضى، رئيس لجنة الأسرى التابعة للجماعة، بأن المأسورين موظفون في وزارة الداخلية، مدعياً أنهم توجهوا إلى تعز لترتيب وتأمين السجن المركزي بعد السيطرة عليه، قبل أن يضلوا طريقهم بسبب تداخل الجبهات.

وتدور اشتباكات عنيفة في محيط جبل هان الاستراتيجي غرب تعز، حيث أفادت القوات الحكومية بإفشال هجمات حوثية متتالية خلال 24 ساعة، رغم تعرض الجبل لقصف بمئات القذائف. وتنبع أهمية الجبل من إشرافه على منطقتي حذران والربيعي، والطريق الرابط بين المدينة والعاصمة المؤقتة عدن، فضلاً عن طريق الحديدة؛ ما يجعله محورياً لخطوط الإمداد.

وتتعرض الأحياء السكنية في مدينة تعز لقصف حوثي مكثف وعنيف يضاعف المخاطر على حياة عشرات آلاف المدنيين، وتتزايد المخاوف الإنسانية في ظل استمرار الحصار الجائر المفروض على المدينة، والنقص الحاد في الإمدادات الأساسية والطبية.

ووثق مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان مقتل وإصابة خمسة مدنيين، بينهم طفلان، إثر سقوط ثلاث قذائف هاون حوثية على منازل قرية عاد بمديرية صبر الموادم؛ ما أسفر أيضاً عن إلحاق أضرار مادية جسيمة بـ11 منزلاً تعرضت لدمار جزئي.

لقطة من فيديو بثته قوات حكومية يمنية لمن قالت إنهم قادة أمنيون حوثيون وقعوا في الأسر في تعز (الجيش اليمني)

وفي السياق ذاته، قُتل مواطن وأُصيب آخر إثر دهسهما بطقم عسكري حوثي في مديرية الوازعية، في حين قُتلت امرأة وأُصيبت ثلاث من قريباتها جراء انفجار لغم أرضي حوثي بوادي أُسُس في مديرية الشمايتين جنوب المحافظة.

جبهات مشتعلة خارج تعز

وفي مأرب، أفاد المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الثالثة بأن مدفعية الجيش، مسنودة بالطيران المسيّر، استهدفت تحصينات للجماعة الحوثية في المحور الشمالي الغربي، محققة تقدماً ميدانياً في المرتفعات المطلة على معسكر «ماس» الاستراتيجي بمديرية مدغل.

وأوضح التقرير العملياتي تدمير رتل عسكري حوثي يضم آليات قتالية في جبهات الكسارة والزور وجنوب حريب، في حين وثقت مقاطع فيديو بثها الجيش اليمني استهداف الطيران الحربي ثكنات وتحصينات للجماعة في نطاق المنطقة العسكرية السابعة بمأرب.

وفي محافظة الجوف، أفادت منصات وزارة الدفاع اليمنية باستهداف ثكنة عسكرية وموقع لتجمع آليات تابع للحوثيين شرقي مديرية الحزم، مركز المحافظة، بغارات جوية قالت إنها مهَّدت لتقدم القوات الحكومية على تخوم المدينة.

جندي في القوات الحكومية اليمنية يطلق النار على عناصر حوثيين في منطقة حيفان جنوب شرقي محافظة تعز (أ.ف.ب)

أما في محافظة لحج، فأصدر الإعلام العسكري لقوات «درع الوطن»، بالاشتراك مع ألوية العمالقة الجنوبية، بلاغاً أكد فيه رصد تحركات وتعزيزات عسكرية حوثية مكثفة في منطقتي الأغبرة والمنصورة وجبهة المضاربة.

وطبقاً للبلاغ، تعاملت القوات مع تلك التعزيزات بضربات مدفعية استباقية مباشرة؛ بهدف منع أي محاولة لإحداث خرق أمني يهدد الخط الساحلي الاستراتيجي المؤدي إلى مضيق باب المندب.

وفي سياق متصل، نفت ألوية العمالقة صحة مقطع مصور بثته الجماعة الحوثية، زعمت فيه خوض اشتباكات مع قواتها في باب المندب والسيطرة على مواقع عسكرية وتدمير آليات تابعة لها واغتنام أخرى، فضلاً عن أسر عناصر من قواتها.

ووصفت الألوية المقاطع التي تبثها الجماعة بالمفبركة، مؤكدة أن قواتها ثابتة في مواقعها وتسيطر بشكل كامل على الموقف في منطقة باب المندب.


القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)
TT

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)

ألقى جهاز الاستخبارات العامة القبض على المدعو علي كيالي، المعروف باسم ‌‏«معراج أورال»، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏، أثناء محاولته ‏الهرب عبر الحدود، وفقاً لما أوردته «وكالة الأنباء السورية» (سانا).

ولم تحدد الوكالة موقع اعتقاله أو الوجهة التي كان يحاول الوصول إليها.

أول صورة تنشرها السلطات السورية لعلي كيالي «معراج أورال» بعد القبض عليه

وتقول مصادر سورية إنه رصد يعبر الحدود مع لبنان عدة مرات. غير أن الشخص المخطوف من داخل منزله في المنصوريّة - المتن، بعد أن قاموا بتكبيل زوجته ونجله، وفق معلومات قناة «MTV»، هو نفسه المواطن السوري التركي، علي كيالي، المعروف بـ«معراج أورال»، والملقّب بـ«جزّار بانياس» في سوريا. ولم يتسن لـ«الشرق الأوسط» التأكد من دقة الخبر بعد.

علي كيالي المعروف باسم ‌‏«معراج أورال» مع أحد مساعديه في ارتكاب المجازر ضد المدنيين السوريين (الشبكة السورية)

من هو معراج أورال؟

ولد معراج أورال عام 1956 في هاتاي بتركيا التي كانت تعرف باسم قضاء إسكندون، انتمى لحزب يساري متطرف أدخله السجن في تركيا عدة مرات... إلى أن هرب إلى سوريا أوائل الثمانينات حيث حصل على امتيازات خاصة، منها الجنسية السورية التي منحه إياها حافظ الأسد آنذاك.

قاد أورال الذي تبنى اسماً سورياً لاحقاً، هو علي كيالي، مجموعة مسلحة أطلق عليها اسم «المقاومة السورية»، قاتلت إلى جانب قوات نظام بشار الأسد خلال سنوات الحرب، وارتبط اسمها بمجزرة البيضا وبانياس. كما شاركت إلى جانب قوات نظام الأسد في قمع ‌‏الشعب السوري، كما ارتبط اسمه بمجزرة الحولة 2012، وبتفجيرات الريحانية في تركيا.

ووفقاً لما وثّقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أسفرت مجزرة البيضا عن استشهاد ‌‏‌‏264 مدنياً، بينهم 36 طفلاً و28 سيدة، فيما أدّت مجزرة رأس النبع إلى استشهاد ‌‏‌‏195 مدنياً، بينهم 56 طفلاً و43 سيدة.‏

وتضمنت الشهادات والتقارير المتعلقة بالمجزرتين روايات عن انتشار الجثث في ‏الطرقات والدكاكين حتى الأقبية، وتنفيذ إعدامات ميدانية بالرصاص والأسلحة ‏البيضاء، فضلاً عن إحراق المنازل والجثث.‏

علي كيالي المعروف باسم ‌‏«معراج أورال» مع عناصر مجموعته التي ارتكبت المجازر ضد المدنيين السوريين (متداولة)

كما ارتكبت الميليشيات التابعة لـ«كيالي» مجازر بحق السوريين في أرياف اللاذقية ‏وحلب وإدلب، أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى.‏

منظمة «هيومن رايتس ووتش» وثّقت من جهتها، في تقرير أصدرته في سبتمبر (أيلول) 2013، إعدام 248 شخصاً على الأقل، بينهم 167 في البيضا و81 في بانياس، مشيرة إلى أن الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى.

واستند التقرير إلى شهادات ناجين وأدلة مصورة، وخلص إلى أن غالبية الضحايا قُتلوا بعد انتهاء الاشتباكات وانسحاب مقاتلي المعارضة من المنطقتين.

وبعد إعلان خبر القبض على كيالي، صدحت تكبيرات من مساجد في بلدة البيضا التابعة لمدينة بانياس بمحافظة طرطوس، غرب سوريا، الخميس، وأظهرت مشاهد مصورة متداولة مساجد بالمنطقة تتردد منها التكبيرات، قال ناشروها إنها انطلقت احتفاء بنبأ القبض على أورال، بعد نحو 13 عاماً من المجزرة.

بهذه المناسبة، كتب فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية على حسابه في «إكس»، اليوم: «في 10 مايو 2013 أصدرنا تقريرنا الذي وثقنا فيه مقتل 459 مدنياً، بينهم 92 طفلاً و71 امرأة. وذكرنا فيه علي كيالي بالاسم، استناداً إلى شهادات الأهالي الذين أشاروا إلى أنه أحد قادة المجزرة. لقد كانت مجزرة تحمل صبغة طائفية. كنا نوثق أسماء أطفال ونساء ورجال، وعائلات فقدت عدداً من أفرادها أو كافة أفرادها، وناجين حملوا إلينا شهادات يصعب نسيانها. بعد أكثر من 13 عاماً، أشعر بأهمية أن تصل هذه القضية أخيراً إلى مرحلة يمكن فيها التحقيق مع أحد أبرز المتهمين فيها. وأفكر اليوم بصورة خاصة في عائلات الضحايا التي انتظرت كل هذه السنوات».

علي كيالي «معراج أورال» في صورة متداولة له على مواقع التواصل السورية

مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية ‌أحمد موفق زيدان، كتب على حسابه: «نبارك لأهلنا قبض جهاز الاستخبارات السورية، بالتعاون مع وزارة الداخلية على المجرم (معراج أورال)، المدعو (علي كيالي)، الذي نفذ مجازر بحق أهلنا خلال فترة الثورة السورية، ومن بينها مجزرة البيضا ببانياس. سيتم اصطياد كل مجرم قاتل طال الزمن أم قصر... لا إفلات من ملاحقة أجهزتنا الأمنية».

يذكر أن السلطات السورية أعلنت في 4 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، توقيف جمال طرابلسي، الذي وصفته بأنه نائب أورال، بتهمة المشاركة في المجزرة ذاتها.

وتلاحق السلطات السورية الأشخاص المتورطين في ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين خلال حكم نظام الأسد، في إطار جهودها المعلنة لتحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.

وفي 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، تمكن الثوار السوريون من دخول العاصمة دمشق، معلنين الإطاحة بنظام بشار الأسد، الذي ورث الحكم عن أبيه حافظ الأسد.