روبرتسون لـ «الشرق الأوسط»: النظام السوري لن يكسب المعركة عسكريا.. وعليه معرفة ذلك

وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط: غياب إيران ساهم في إنجاح مؤتمر مونترو

هيو روبرتسون
هيو روبرتسون
TT

روبرتسون لـ «الشرق الأوسط»: النظام السوري لن يكسب المعركة عسكريا.. وعليه معرفة ذلك

هيو روبرتسون
هيو روبرتسون

قال وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هيو روبرتسون بأنه لا يمكن أن تكسب الحكومة السورية المعركة الدائرة في سوريا عسكريا، وأن عليها معرفة ذلك والتعامل مع هذه الحقيقة خلال المفاوضات التي تنطلق في جنيف اليوم. والتقت «الشرق الأوسط» روبرتسون في مونترو على هامش الاجتماع الوزاري لدفع عميلة جنيف2 الذي أنهى أعماله الليلة الماضية.
وروبرتسون، الذي عين في منصبه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لديه خبرة مختلفة عن وزراء ونواب بريطانيين آخرين، إذ كان عسكريا في الجيش البريطاني، وشارك في حرب تحرير الكويت، كما أنه كان قياديا في «مجلس حزب المحافظين للشرق الأوسط»، الذي يعمل على تطوير الروابط بين حزب المحافظين البريطاني والدول العربية. وشارك روبرتسون في الوفد البريطاني، الذي ترأسه وزير الخارجية ويليام هيغ في مونترو. وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار.

* من الواضح أن الحكومة السورية والمعارضة لديهما اختلافات شاسعة، ولكن بعض الدول الحاضرة في اجتماع «جنيف2» أيضا لديها آراء مختلفة حول كيفية حل الأزمة السورية. كيف تطور الموقف خلال اليومين الماضيين من النقاشات؟
- أعتقد أنه إذا نظرنا إلى خلفية الـ48 ساعة الماضية، لا يمكن إلا أن نتشجع مما حدث في مونترو، كانت هناك نقطة يوم الأحد الماضي عندما جرت دعوة إيران وشعرنا أن الأمر كله قد ينهار. وعندما وصلنا إلى مونترو، كانت الوفود المشاركة سعيدة بأننا وصلنا إلى هنا ولكن التوقعات كانت قليلة جدا. فعقد الاجتماع في حد ذاته وبدء المفاوضات المرتقب غدا (اليوم الجمعة) في جنيف، أمر مشجع. ولكن مع ذلك، الجميع يعلم أن الأمر في غاية الصعوبة وكذلك الطرفان مبتعدان تماما عن بعضهما البعض ولكن على الأقل أنهما يتحدثان وعلى الأقل المجتمع الدولي الآن لديه الوقت للبحث عن طرق لسد الفجوة بين الطرفين، مثلا من خلال إجراءات بناء الثقة.
* فيما يخص إجراءات بناء الثقة الممكنة، هناك أفكار مختلفة مثل اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية أو تبادل معتقلين، ما هو برأيك الإجراء الذي يمكن أن يكون فاتحة لبناء حسن نية بين الطرفين؟
- بصراحة لا أعلم، من الصعب تحديد ذلك في هذه المرحلة، ولكن أعتقد أن القضية الأقل تعقيدا هي العمل على طرق لتوصيل المساعدات الإنسانية للمحتاجين. وإجراءات بناء الثقة ستكون خطوة أولى إلى الأمام ولكن بحد ذاتها لن تحقق الكثير، لأنه إذا كان هناك إجراء واحد ولكن لا توجد ثقة أكبر في العملية الأوسع فإنه من السهل أن تنهار إذا سعى البعض على الأرض إلى إضعافها ونعود إلى نقطة الصفر. ولقد رأيت ذلك عندما كنت جنديا في البوسنة عام 1994. فهناك كان الكثير من حالات وقف إطلاق النار المحلية وتبادل المعتقلين. وكنت قائد الوحدة البريطانية في سراييفو خلال الحصار عام 1994، وهناك كانت لدينا بعض هذه الإجراءات وكان علي أن أشرف على بعض هذه العمليات مثل تبادل الأسرى. كانت وظيفة صعبة، على سبيل المثال كنا نصل إلى اتفاق بشأن تبادل أسرى الحرب ولكن عند عملية تبادل عدد أقل من الأسرى المتفق عليه أو تكون الجثامين مشوهة، عند إعادتها، يغضب الطرف الآخر فيخل أيضا بالاتفاق وهكذا. قصدي هنا أن إجراءات بناء الثقة ممكن أن تلعب دورا مهما ولكن يجب أن تكون جزءا من إطار اتفاق أكبر.
* بناء على تجربتك في البوسنة هل تعتقد أن هناك حاجة لغطاء دولي لتطبيق أي اتفاق يجري التوصل إليه؟
- شخصيا، لا أعتقد أنه من الممكن التوصل إلى حل في سوريا من دون تنسيق دولي حقيقي، ومن الواضح أن هناك ثلاثة لاعبين أساسيين هم الأميركيون والروس والأمم المتحدة مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى لاعبين أساسيين في الخليج وغيرهم لديهم تأثير على طرف أو آخر. يمكننا أن نشعر ببعض الثقة لأننا أتينا كلنا هنا وبدأ الحوار، وثانيا، مشاركة هذا العدد الكبير من الدول لأنهم عازمون على حل الأزمة وهذا أمر مهم. أعتقد أن هذه القضية ستحتاج إلى عملية أكبر وليس فقط إجراءات لبناء الثقة، وتحتاج أيضا إلى اتفاق المجتمع الدولي والوقوف وراء العملية ومساعدة الطرفين في الدفع إلى الأمام.
* هناك دول مقتنعة بذلك ولكن أخرى لا، هل يمكن القول بأن المجتمع الدولي داعم لهذه العملية؟
- أعتقد نعم، المجتمع الدولي بات أكثر وحدة الآن من أي وقت مضى في الأشهر الكثيرة الماضية. الكثير من ذلك يعود إلى عمل وزيري خارجية الولايات المتحدة جون كيري وروسيا سيرغي لافروف. ولكن أعتقد أيضا أن عمل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن لجلب أطراف مختلفة، مثل مشاورات لندن مع دول مجلس التعاون الخليجي. خلال الشهرين الماضيين، كنا واضحين بأن «جنيف2» هي العملية الوحيدة الموجودة، وهذا ما نقوله لكل حلفائنا، وأعتقد أن هذا الأمر بات مفهوما ورأينا ذلك هنا في مونترو.
* حدثت ضجة حول إمكانية مشاركة إيران في المؤتمر، فهل برأيك في النهاية كان من الأفضل عدم دعوتها؟
- نعم أعتقد ذلك، لأنه من الضروري أن تصل الأطراف المعنية إلى مستوى معين من الاتفاق قبل أن يكون من المجدي دعوتهم. كل من شارك في المؤتمر كان واضحا في أن المطلوب حل سياسي بناء على جنيف1 لأنه لا يمكن أن يكون حلا عسكريا. وإيران تعمل فعلا على الأرض لحل عسكري وترفض جنيف1. وبينما نريد أن نرى إيرانيين هنا (أي في الاجتماعات السياسية)، إلا أن عليهم قبول مبادئ محددة قبل ذلك، وإذا لم يفعلوا ذلك سيكون الأمر خطيرا جدا.
* لكن الحكومة السورية نفسها غير مقتنعة بهذه المبادئ، فكيف يمكن بدء العملية من دون اعترافها بجنيف1؟
- النظام لا يعترف بكل مبادئ جنيف1، وذلك يشكل عراقيل. وأكبر حجرة عثرة، بناء على ما سمعناه منهم، هي مستقبل الرئيس (السوري بشار) الأسد ولا أعتقد أن هناك شخصا في الوفد الحكومي السوري يمكن أن يواجه حقيقة أن مستقبل سوريا لن تشمل الرئيس السوري. لم يصلوا إلى هذه القناعة بعد. النهاية المنطقية لعملية جنيف1، أي حكومة مبنية على التوافق المتبادل، والتوافق لن يحدث في حال وجود الأسد كرئيس لأن المعارضة ترفض ذلك والحكومة تعرف ذلك. وذلك يجعله من الصعب للحكومة المصادقة على جنيف1.
* لقد انقطعت الحكومة السورية عن المحافل الدولية منذ فترة، كيف كان التعامل معهم خلال المؤتمر؟
- لا بد أن نعد هذا تطورا. يمكن الاستماع للخطابات، ولكن وجود الحكومة والمعارضة في نفس القاعة مع الأمم المتحدة وروسيا والولايات المتحدة، وهما الداعمان للطرفين، مع أكثر من 30 دولة، هذا وجود دولي مهم وذلك يعطي رسالة للمعارضة والحكومة بأنه مطلوب منهم التوصل إلى اتفاق ولكن الطريق ما زال طويلا.
* ولكن هناك ضرورة لتحديد إطار زمني للمفاوضات كي لا تستمر إلى ما لا نهاية، هل يمكن وضع مثل هذا الإطار؟
- أعلم أن تقليديا هذا ما يحدث، تضع إطارا زمنيا وتدفع الأطراف إلى التوافق خلال هذا الإطار الزمني. ولكن إذا نظرنا إلى النزاعات التي عايشتها، فكنت جنديا في آيرلندا الشمالية وكانت تفاصيل النزاع مختلفة لكن مع ذلك عندما بدأت عملية السلام ووضع إجراءات لبناء الثقة وتشجيع الطرفين للجلوس سويا، لم يكن هناك جدول زمني للعملية. والأمر نفسه خلال عملية السلام في البوسنة. أعتقد في الوقت الراهن، إذا جرى تحديد موعد، سيضيعون الوقت ويمر الموعد المحدد ويعود كل طرف إلى نقطة الصفر.
* أهذا لأن الطرفين لم يقتنعا بعد بالحل السياسي وما زالا يعتقدان أنه من الممكن كسب المعركة عسكريا؟
- لا أعلم، كل المعلومات التي نحصل عليها تشير إلى أنه لا يوجد حل عسكري. إذا نظرنا إلى الوضع على الأرض، نجد أنه من المثير أن الأسد لديه عتاد عسكري أكثر بكثير من المعارضة ولكنه لا يسيطر على نسبة كبيرة من البلاد. فشل خلال ثلاث سنوات لكسب المعركة عسكريا، وبالتالي يجب أن يكون ذلك عبرة للحكومة.
* مع خلفيتك العسكرية، في رأيك ما يمنعه من كسب المعركة عسكريا؟
- لا أعلم، هذا أمر لا يمكن إلا أن نحزره، ولكن من الواضح أنهم لم يكسبوا عسكريا ولكن لا أعلم إذا كان النظام فهم ذلك أم لا.
* بعد انتهاء الاجتماع الوزاري في مونترو، ما هو دور المجتمع الدولي في دعم هذه العملية؟
- من الضروري الإبقاء على تواصل مكثف مع الأمم المتحدة والمبعوث الخاص الأخضر الإبراهيمي والحفاظ على الائتلاف الدولي حول هذه القضية وتجنيد هذا الائتلاف عندما تصل المحادثات إلى مرحلة تحتاج إلى ضغوط دولية على الطرفين من أجل إبقائهم على التفاوض.
* وزير الخارجية الأميركي جون كيري شدد في خطابه على ضرورة أن يرحل الأسد عن السلطة، ولكن وزير الخارجية البريطاني لم يقل ذلك؟
- الأساس بالنسبة لنا هو بيان جنيف1. هذه هي النقطة الجوهرية بالنسبة لنا والأساس. البيان لا يقول: إن الأسد يجب أن يترك السلطة ولكن يقول: إنه يجب تشكيل حكومة بناء على توافق متبادل. وإذا تم تطبيق مبادئ جنيف1، لا يمكن تصور بقاء الأسد في السلطة.
* هناك حاجة ماسة لتوصيل المساعدات الإنسانية والغذائية للملايين من السوريين، هل حدث أي تقدم في هذا المجال خلال اجتماع مونترو، خاصة أن مبعوثة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فاليري ايموس حضرت الاجتماع؟
- لا توجد وثيقة الآن تؤكد إمكانية وصول المساعدات، ولكن الكثير من الدول عبرت عن عزمها تسهيل هذا الأمر وتوصيل المساعدات الإنسانية من بين الإجراءات المطروحة لبناء الثقة ولكن الأمر ليس سهلا على الإطلاق عند التطبيق.
* كانت هناك تقارير تفيد بأن الحكومة السورية تتعاون مع تنظيم القاعدة بل وتمول بعض مقاتليها، هل يمكنك تأكيد ذلك؟
- لقد قرأت التقارير الإعلامية حول هذه المسألة ولكن شخصيا لم أر أي معلومات استخبارية تربط الأسد نفسه بتنظيم القاعدة أو تمويلهم من خلال النفط والغاز. أنا لم أر مثل هذه التقارير، هذا لا يعني أنها لم تحدث أو أن النظام قادر على ذلك.
* هناك من يطالب بإحالة الرئيس السوري وبعض مسؤوليه إلى المحكمة الدولية، خاصة بعد نشر التقارير عن تعذيب الآلاف من السوريين ومطالبة محامين دوليين بذلك، هل تعتقد أنه حان الوقت لمثل هذه الخطوة؟
- في هذه اللحظة، سيشكل هذا الأمر عرقلة للمفاوضات. لا يوجد شك لدي أن المرحلة المقبلة للأسد يجب أن تكون في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وأعتقد سيحدث ذلك لاحقا. ولكن في هذه المرحلة، لا أعتقد ذلك. يجب التركيز في الوقت الحالي على وقف القتال والتهجير.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.