تركيا تحاول وقف هروب المستثمرين الأجانب من سوقها المالية

موجات بيع عنيفة تفاقمت جراء سياسات إردوغان على مدار 7 سنوات

تعرضت السندات التركية لموجات بيعية عنيفة مع الخفض الحاد والمتوالي للفائدة إلى ما دون مستوى التضخم (رويترز)
تعرضت السندات التركية لموجات بيعية عنيفة مع الخفض الحاد والمتوالي للفائدة إلى ما دون مستوى التضخم (رويترز)
TT

تركيا تحاول وقف هروب المستثمرين الأجانب من سوقها المالية

تعرضت السندات التركية لموجات بيعية عنيفة مع الخفض الحاد والمتوالي للفائدة إلى ما دون مستوى التضخم (رويترز)
تعرضت السندات التركية لموجات بيعية عنيفة مع الخفض الحاد والمتوالي للفائدة إلى ما دون مستوى التضخم (رويترز)

تبذل تركيا جهوداً لوقف خروج المستثمرين الأجانب من سوق السندات المحلية، بعدما تسارع الأمر خلال العام الجاري بسبب تزايد مخاوف تتعلق بمستقبل السياسة والاقتصاد في ظل توجهات حزب العدالة والتنمية الحاكم برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان.
وانخفضت حصة السندات المحلية التي يمتلكها المستثمرون من غير المقيمين في تركيا إلى النصف منذ يناير (كانون الثاني) الماضي إلى 5 في المائة من الإجمالي، وهو أدنى مستوى منذ عام 2005. وبلغت النسبة أكثر من 25 في المائة في منتصف عام 2013، بحسب الإحصائيات الرسمية.
ووقعت وزارة المالية والخزانة التركية صفقة مع «يوروكلير»، وهي شركة خدمات مالية مقرها بلجيكا، لفتح باب أمام المستثمرين لدخول سوق السندات الحكومية المحلية. ويمكن أن يسهم هذا الاتفاق في إعادة تنشيط الاهتمام الأجنبي بالسندات التركية، حيث شهدت تجارب روسيا وبولندا نجاحاً بعد اعتمادهما إجراءات مماثلة.
وباع الأجانب السندات التركية بكميات كبيرة، خلال السنة المالية الحالية، بعد أن خفض البنك المركزي أسعار الفائدة إلى ما دون معدل التضخم.
وكانت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية اتهمت في مايو (أيار) الماضي، 3 بنوك دولية؛ وهي «سيتي غروب» و«يو بي إس غروب» و«بي إن بي باريبا»، بالتلاعب في سوق الصرف وأسعار العملة في تركيا، حيث لم تفِ بالتزاماتها تجاه البنوك التركية من الليرة مقابل العملات الصعبة التي اشترتها.
وتعرضت «يوروكلير» لفترة حظر أيضاً، لكن وكالة التنظيم والإشراف المصرفي في تركيا أعلنت في مايو أنها ستستثنيها مع «كلير ستريم» من حدود فرضتها على عمليات البنوك بالليرة مع المؤسسات المالية الأجنبية.
وجاء بيع السندات خلال العام الجاري امتداداً لاتجاه استمر لمدة 7 سنوات تقريباً، حيث أثارته المخاوف بشأن السياسات الاستبدادية في البلاد والممارسات الاقتصادية غير التقليدية والمواقف المعادية للغرب.
وأكد خبراء أن احتجاجات متنزه جيزي بارك بتركيا، التي وقعت في مايو 2013 والحملة القمعية التي شنتها السلطات عليها، كانت حافزاً أولياً لبيع الأجانب للسندات، ما قلل حصتها في السوق من 25 إلى 20 في المائة خلال عام واحد.
أما عملية البيع الثانية، فجاءت عقب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016، عندما اعتقلت الحكومة عشرات الآلاف من المشتبه بهم وبدأت في استهداف خصومها السياسيين. ودفعت الأحداث الاتحاد الأوروبي إلى تجميد التقدم في مفاوضات انضمام تركيا إلى عضويته.
وجرت العملية الثالثة في منتصف عام 2018، حيث تورط الرئيس إردوغان في خلاف سياسي مع الولايات المتحدة بشأن اعتقال القس الأميركي أندرو برانسون بتهمة الإرهاب، ما أثار أزمة عملة في الصيف أدت إلى فقد الليرة التركية 40 في المائة من قيمتها في أغسطس (آب).
وتكرر الأمر نفسه العام الماضي، حيث فقد حزب إردوغان سيطرته على المدن الثلاث الكبرى في تركيا؛ أنقرة وإزمير وإسطنبول، في الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) 2019، حيث قررت اللجنة العليا للانتخابات في تركيا إعادة الانتخابات المحلية في إسطنبول، بعد أن طعن حزب العدالة والتنمية في نتائجها مسلّطاً ضغطاً سياسياً شديداً. وبعد أن شهد خسارة أخرى، أقال إردوغان محافظ البنك المركزي واستبدله بسبب ما قال إنه فشل في دعم سياساته الاقتصادية المؤيدة للنمو. وخفض البنك أسعار الفائدة إلى 8.75 في المائة من 24 في المائة في سبتمبر (أيلول) 2018. وارتفع مؤشر التضخم الرئيسي 11.4 في المائة على أساس سنوي. وتسبب التوغل العسكري التركي في سوريا في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، في مزيد من الأضرار لعلاقات تركيا مع الغرب.
وذكر تقرير نشره بنك «آي إن جي» في تركيا الأسبوع الماضي، أن صفقة «يوروكلير» ستسهّل توصّل وزارة المالية والخزانة إلى أهدافها، مستشهداً بأمثلة تشمل تجارب دول أخرى مثل روسيا.
وأوضح البنك أن صفقة أنقرة مع يوروكلير يمكن أن تمثل نقطة تحول في التصور بأن تركيا قد تنفصل عن الأسواق الدولية وأن النتيجة قد تكون عكسية. وتسعى تركيا إلى جذب استثمارات تساعدها في تمويل إجراءاتها الهادفة لدعم الاقتصاد والخروج من دائرة خطر الانكماش الاقتصادي الحاد الناجم عن وباء كورونا، حيث سجلت عجزاً في الميزانية قدره 43.7 مليار ليرة (6.4 مليار دولار) في مارس (آذار) و43.2 مليار ليرة في أبريل (نيسان).
كما تحتاج تركيا إلى الأموال الأجنبية لمساعدتها في تمويل عجز الحساب الجاري، الذي يتضاعف بسرعة بسبب تراجع الصادرات. وتفاقمت مشاكل تركيا المالية بسبب أزمة السياحة، حيث ساعد هذا القطاع البلاد في تحقيق 34.9 مليار دولار في 2019. وفي الوقت نفسه، تقلص الاستثمار الأجنبي المباشر بقوة.
وتخطط وزارة الخزانة والمالية لاقتراض 82 مليار ليرة من السوق المحلية بين يونيو (حزيران) الحالي وأغسطس (آب) المقبل لسداد 61.1 مليار ليرة من الديون المحلية المستحقة، وفقاً لأحدث برنامج للاقتراض. وتستخدم تركيا أي فائض في الاقتراض لتمويل الإنفاق الحكومي.
ويقول الخبراء إنه على الرغم من بعض التفاؤل بشأن فوائد صفقة «يوروكلير»، فإنها قد تكون محدودة. فقد تراجع صافي احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي، ما فاقم المخاوف بشأن عدم الاستقرار الاقتصادي. لكن، ورغم توقع تدفق عائدات السياحة لشهري يونيو ويوليو (تموز)، وربما أغسطس، قد تعود الليرة إلى أدنى مستوياتها بسرعة.
وتؤثر العوامل السياسية على المستثمرين الأجانب، حيث يعمق إردوغان دور تركيا في الصراع بليبيا، فضلاً عن تصعيد التوترات السياسية مع اليونان المجاورة والعالم العربي بعملياتها العسكرية في سوريا والعراق، وآخرها قصف شمال العراق في عملية جوية سمتها «مخلب - النسر»، استهدفت مواقع حزب العمال الكردستاني داخل إقليم كردستان أتبعتها بعملية برية باسم «المخلب - النمر».
في سياق متصل، أعلن البنك المركزي التركي أن الأصول الخارجية لتركيا بلغت 225.8 مليار دولار في نهاية أبريل الماضي، بانخفاض 10.9 في المائة عن نهاية عام 2019. كما انخفضت خصوم الدولة ضد غير المقيمين بنسبة 8.1 في المائة، لتصل إلى 550.2 مليار دولار خلال الفترة ذاتها.
وقال البنك، في بيان أمس، إن صافي وضع الاستثمار الدولي الذي يعرف بأنه الفرق بين الأصول والخصوم الخارجية لتركيا، سجل سالب 324.4 مليار دولار في نهاية أبريل، مقارنة مع سالب 345 مليار دولار في نهاية عام 2019.



الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.


ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
TT

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 في المائة التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي، وذلك بسبب التزام نيودلهي «بوقف استيراده بشكل مباشر أو غير مباشر».

وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط، التي تغطي نحو 90 في المائة من احتياجاتها، وساعدها استيراد النفط الروسي الأرخص في خفض تكاليف الواردات منذ الحرب الروسية - الأوكرانية في عام 2022.

وأوضح الأمر ‌التنفيذي أن المسؤولين ‌الأميركيين سيراقبون الوضع، وسيوصون بإعادة ‌فرض ⁠الرسوم ​الجمركية إذا ‌استأنفت نيودلهي شراء النفط من روسيا.

وكانت الولايات المتحدة والهند قد اقتربتا يوم الجمعة من التوصل إلى اتفاق تجاري، إذ أعلنتا عن إطار عمل مؤقت من شأنه خفض الرسوم الجمركية، وإعادة تشكيل العلاقات في مجال الطاقة وتعزيز التعاون الاقتصادي.

وذكرت الحكومتان في بيان مشترك، أن الإطار يعيد ⁠تأكيد الالتزام بالتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي أوسع ‌نطاقاً، مشيرتين إلى أن هناك حاجة لإجراء مزيد من المفاوضات لإتمام الاتفاق.

ولم يذكر البيان المشترك مشتريات نيودلهي من النفط الروسي. وكان ترمب قد أعلن يوم الاثنين، عن اتفاق مع نيودلهي لخفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية من 50 في المائة إلى 18 في المائة، مقابل التوقف عن شراء النفط الروسي وخفض ​الحواجز التجارية.

وفرض ترمب نصف النسبة البالغة 50 في المائة بشكل منفصل عقاباً للهند على مشتريات النفط ⁠الروسي، التي قال إنها تمول المجهود الحربي لموسكو في أوكرانيا.

ويقدم البيان المشترك الصادر مساء الجمعة، تفاصيل إضافية مقارنة بالاتفاق الأولي الذي كشف عنه ترمب يوم الاثنين، إذ أكد أن الهند ستشتري سلعاً أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى 5 سنوات، من بينها النفط والغاز وفحم الكوك والطائرات وقطع غيارها والمعادن النفيسة ومنتجات تكنولوجية.

وذكر البيان أن الهند ستلغي أو تخفض الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية ومجموعة ‌واسعة من المنتجات الغذائية والزراعية الأميركية. لكن الاتفاق سيطبق رسوماً جمركية 18 في المائة على معظم واردات الولايات المتحدة من الهند.


العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.