هل نجحت الرواية الخليجية في تفكيك الخطاب العنصري؟

نقاد وروائيون خليجيون يشاركون في استفتاء «الشرق الأوسط» حول دور الأدب في رصده وكشفه (1 ـ 2)

فريد رمضان - د.فهد حسين - د. حسن النعمي
فريد رمضان - د.فهد حسين - د. حسن النعمي
TT

هل نجحت الرواية الخليجية في تفكيك الخطاب العنصري؟

فريد رمضان - د.فهد حسين - د. حسن النعمي
فريد رمضان - د.فهد حسين - د. حسن النعمي

منذ تفّجرت قضية العنصرية مجدداً في الولايات المتحدة، بعد مقتل المواطن الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد أثناء توقيفه في مدينة مينيابوليس، بولاية مينيسوتا، والعالم يتقاسم الحديث بشأن العنصرية، البعض اشتغل بالتصويب على المجتمعات الغربية والمجتمع الأميركي تحديداً، وقلة هم من نظر في المرآة ليكتشف ندوب السلوك العنصري في محيطه.
ومع الإيمان بأن العنصرية هي قضية سياسية أولاً، فإن تجذرها وانتشارها مسألة ثقافية، ولذلك فنحن نبحث في هذا التحقيق (على حلقتين) عن دور الأدب، خصوصاً الأعمال الروائية الخليجية في فضح وكشف خطاب العنصرية، وتفكيكه، والنماذج الجريئة التي تصّدت للعنصرية بأشكالها المقيتة: اللون، والعنصر، والجنسية، والقبلية، والمذهبية، والطائفية، والمناطقية، والطبقية، والجندرية، وكل أشكال التفاضل وانعدام المساواة بين البشر.
منذ أن توسع هامش حرية التعبير في الخليج، توسع اهتمام الروائيين بالقضايا المسكوت عنها، وكلما كان الكاتب جريئاً اقترب من القضايا الأكثر سخونة وحساسية. وأشكال التفرقة العنصرية تأخذ مكانها كحالات فردية غالباً وليست قضايا عامة، وبعض الأعمال كانت حذرة حتى لا تثير سخطاً اجتماعياً.
على أنه يمكن القول إن الرواية كانت من أجرأ الخطابات في مناهضة أشكال التمييز والتصنيفات القبلية والمذهبية المختلفة، وهذا دور تنويري يذكر للرواية دون غيرها من الوسائل الأخرى.

- الناقد السعودي د. حسن النعمي: العنصرية خطاب عام
في كتابه «بعضُ التأويل»، يرى الناقد والأكاديمي السعودي الدكتور حسن النعمي، أن «الربط بين الرواية والخطاب العنصري يأتي في سياق العلاقة الجدلية بين الرواية والمجتمع. فالرواية هي العين الناقدة والنافذة في طبقات المجتمع، وليست مجرد نص للتوثيق والتأريخ، من هنا تتعقب الرواية الظواهر ذات النزعات الإشكالية، لمساءلة بواعثها ومكوناتها. ومن بين هذه النزعات التي تطفو على سطح المجتمع، التمييز العنصري بين فئات المجتمع. غير أن العنصرية خطاب عام، قبل أن يكون خطاباً خاصاً، فهي خطاب تمتد جذوره إلى بدء أزمة الإنسان مع التصنيف العرقي، هي خطاب عام في الثقافات الإنسانية يقف ضد وحدة الإنسان وفكرة الأصل الواحد.
عن الرواية السعودية، يلاحظ النعمي، أن «الرواية السعودية وجدت في العنصرية مادة مغرية بالتناول، غير أن معظمها اتخذ من تيمة الزواج مدخلاً ملائماً لتناول معضلات العنصرية. ومثلما تباينت الروايات في التناول، تباينت في موقفها من المشكلة. ويتمثل التمييز العنصري في سياق أكبر وهو الموقف من الآخر بكل مستوياته، غير أن أبرز ملامح هذا الخطاب تظهر في تمثيلات سردية تتخذ من الزواج كشفاً للاختلاف، وتأكيداً لرفض التلاقي. والرواية تتخذ من الزواج رمزاً لاختبار قسوة التمييز العنصري بين أبناء المجتمع الواحد، ديناً ولغة وانتماءً، كما تتخذ الرواية من الزواج رمزاً لاختبار إشكاليات التلاقي بين الشعوب والمجتمعات الأخرى، أو ما يمكن أن يدور في فلك السياق الحضاري.
ولا تفرق الرواية بين الرجل والمرأة في الوقوع تحت طائلة التمييز العنصري. فقد نجحت الرواية في التنويع في تقديم أشكال الخطاب المختلفة. فأظهرت تحيز المجتمع ضد الفرد. فالمجتمع سواء في شكله القبلي أو العشائري أو العائلي أو الطائفي أو المذهبي، هو الذي يمارس التمييز بسلطة الأعراف والتقاليد والمعتقدات التي لا تخلو من تحيز مطلق ضد الفرد. ففي رواية «أنثى تشطر القبيلة» لإبراهيم شحبي، يواجه شاهر والد تغريد، الذي قرر أن يزوّجها لفرد من خارج القبيلة، الإقصاء ومقاطعة القبيلة. ولا تسأل القبيلة عن هذا التصرف، إنه العرف العنصري الذي يشكّل تحدياً للجميع.

- الروائي السعودي يوسف المحيميد: غياب الأبعاد التاريخية
تمّثل رواية «القارورة» ليوسف المحيميد، واحدة من بين الروايات السعودية المميزة التي ناقشت موضوع العنصرية، حيث المُغْتَصِبْ يقول لضحيته (فاطمة) التي تطالبه بحفظ كرامتها المهدورة عبر الزواج: «ما بقي إلا أتزوج حساوية». ثم تعرج الرواية إلى فضاء أوسع عبر إيقاع عقاب مخفف للجاني على جريمته.
وفي ردّه على سؤالنا: كيف تناولت الروايات السعودية موضوع العنصرية؟ يجيب: «أعتقد أن الرواية السعودية تناولت العنصرية والمناطقية بشكل واسع، ويمكن القول إنها ركزت على التمايز بين المناطق، وعلى الطبقية أكثر مما يمكن التعارف عليه بالعنصرية، إلا إذا ارتكز التمييز المناطقي على تمييز عنصري على أسس إثنية أو ثقافية، وأظن أن كثيراً من الروايات السعودية تناولت العنصرية، سواء على المستوى القبلي أو العرقي أو الإثني، لكن ذلك من خلال موقف أو سلوك أو جملة ما، وليس من خلال شخصيات تعاني من النبذ والإقصاء، وحتى لو تم ذلك فلا يتناول جذور هذا التمييز، وأبعاده التاريخية».
وعما إذا موضوع ومثله أشكال التمييز والتمايز المختلفة، يجري الاقتراب منها في الأعمال الأدبية والفنية بخجل وسطحية، ونكران، وتمويه أحياناً، وحتى بالتواطؤ... حيث لا نجد أعمالاً تقارب حجم الظاهرة وتجذرها في المجتمع، يقول المحيميد: «بالضبط، لم تعمل الرواية على تجذير وكشف هذه العنصرية بشكل عميق، هي كما أسلفت مجرد مواقف ضبابية وبسيطة، لا تعود إلى الجذور إلا بحدود ضيقة».
بالإضافة إلى رواية «القارورة»، أصدر المحيميد عام 2003 روايته «فخاخ الرائحة»، حيث تناولت العنصرية ضد السود. عن هذه التجربة يقول المحيميد: «تناولت الرواية موضوع العنصرية ضد السود تحديداً، عبر تجارة الرقيق في بدايات القرن الماضي، من خلال شخصية توفيق، ووصفت رحلة الجلابة بخطف الرقيق من أحراش السودان إلى ميناء سواكن ثم بيعهم في جدة، فالرياض. ومع ذلك كانت هذه شخصية واحدة ضمن شخصيات الرواية، ولا يعني أن الرواية التي تفرد كل صفحاتها للأقليات المضطهدة أنها تناولت العنصرية بشكل عميق، فقد يكون التناول سطحياً وغير مقنع. أظن أن العمق النفسي والفلسفي، والقيمة الفنية الجمالية، هي ما يصنع العمل الروائي المميز، وهذه شروط يصعب تحققها في كثير من الأعمال الروائية، ليس السعودية فحسب، وإنما حتى الأعمال الروائية العربية. وأعتقد أن ممارسة العنصرية تكون في أبسط تجلياتها حين تأتي عابرة من أفراد المجتمع المؤسسين على ثقافة عنصرية، وأشرسها حين تأتي من الأنظمة والقوانين التي تميز بين المواطنين».

- الناقد البحريني فهد حسين: العنصرية تفرخ عنصريات
يتحدث الأمين العام السابق لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين، الناقد البحريني الدكتور فهد حسين، عن خطاب العنصرية في الأعمال الروائية، قائلاً: «الحديث عن العنصرية لا يقف عند اللون، بل تتخطى العنصرية حواجز كثيرة في المجتمع الإنساني، فهناك عنصرية باسم الديانات، وأخرى تحت مظلة الطائفية أو المناطقية، في حين جذّرت الثقافات والميثولوجيات والحضارات العنصرية تحت شعار الهويات وأفضلية بعضها على بعضها الآخر، وتحركت المعتقدات التي تكرس دونية اللون الأسود ورفعة أصحاب البشرة البيضاء، أو محاربة دين وضعي لدين سماوي والعكس، بل تؤكد لنا بعض الحضارات كيف كانت تسخر الناس البسطاء في خدمة مصالحها، وبناء الأهرامات دليل بارز على هذا. حتى الحضارة العربية لم تكن بعيدة عن المفاضلة، ألم يكن يعاب ويعيّر بلال (رضوان الله عليه) بلونه؟ وألم يكن لون (عنترة) حاجزاً مؤلماً في حياته؟».
وكان الدكتور فهد حسين قد قدم رسالته للدكتوراه عن «صورة المرأة في الرواية النسوية الخليجية الجديدة». وعن تناول الأدب الخليجي عموماً للعنصرية، يقول: «تناولت بعض الأعمال الروائية الخليجية العنصرية تحت موضوعات متعددة، فقد ناقشت ليلى الجهني في رواية (جاهلية) موضوع اللون ونظرة المجتمع إليه، كما ناقشت ليلى العثمان اللون أيضاً في رواية (صمت الفراشات). وناقش العنصرية بعدة أشكال الروائي البحريني الراحل عبد الله خليفة، في أكثر من عمل تحت سياقات الصراع بين ما يعتبر دونية مجتمعية لونية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، وبين علية المجتمع، وكذلك كتب الروائي البحريني فريد رمضان في روايته الأخيرة عن تجارة الرقيق في المنطقة، وكيفية سرقة الفتيات والفتية ذوي الأعمار الصغيرة من بلدان أفريقية وآسيوية».

- الروائي البحريني فريد رمضان: هويات ثقافية
يعدّ الروائي البحريني فريد رمضان، وهو روائي وسينارست ومنتج سينمائي (مواليد المحرق 1961)، من أبرز الروائيين الخليجيين الذين اشتغلوا على تفكيك خطاب العنصرية، عبر اشتغاله بموضوع الهويات الثقافية في البحرين، حتى أطلق عليه نقاد «روائي الهويات».
يبرز هذا الاشتغال في أغلب أعمال رمضان: «البياض» (قصص قصيرة - 1984)، «التنور» (رواية - 1994)، «السوافح ماء النعيم» (2006)، «البرزخ» (2000)، وحتى «تلك الصغيرة التي تشبهك» (نصوص - 1991).
في روايته «التنور؛ غيمة لباب البحرين» يبحث في هويات «الهولة» (العرب القاطنين برّ فارس، حيث هاجروا مجدداً إلى اأاليم عربية في الخليج)، ويتناول تحولاتهم من الساحل الفارسي، حتى استقرارهم في الجانب العربي من الخليج.
وتبحث رواية «المحيط الإنجليزي» بشكل استقصائي في «هجرة البلوش والأفارقة إلى البحرين، وشبه الجزيرة العربية».
وفي رواية «البرزخ»، يتناول فريد رمضان جذور هويات مواطنين بحرينيين من أصول عمانية وعراقية، تمتد في الهجرة والاستيطان في البحرين، أما رواية «السوافح» فتتقصى المجموعات السكانية التي هاجرت من الجنوب العراقي، ومن شرق السعودية.

- الناقد الكويتي فهد الهندال: ضرورة قراءة التاريخ الاجتماعي
ويجيب الناقد والكاتب الكويتي فهد الهندال عن سؤالنا: كيف ظهرت العنصرية في الأعمال الأدبية الكويتية؟ بقوله: «إذا أردنا تشريح موضوع العنصرية المتغلغلة في أي مجتمع إنساني، لا بد أولاً قراءة تاريخه الاجتماعي وعوامل التكوين البشري في قيام هذا المجتمع وظروفه الحياتية. وسنجد أن المجتمع الخليجي ومنه الكويتي، قام على وجود طبقية معينة، نتيجة وجود طبقة الملاك وأصحاب أموال وسلطة، مقابل طبقة كادحة تعتاش على فرص ضئيلة من العمل والحياة».
الكويت بالأصل بلد هجرات، هاجر إليه الناس من جهات مختلفة اجتماعياً وثقافياً وفكرياً واقتصادياً، وجميعها تجمعت في بوتقة واحدة، ولكن هل أسهم ذلك في إذابة الفوارق؟ يجيب الهندال: «طبعاً لا، كأي مجتمع إنساني متعدد، هناك من حافظ على تميّزه ويريد لأن يبقى مميزاً عن غيره. وهذا انعكس على كثير من الأعمال الأدبية الكويتية، منها ما كان قائماً على نبذ خطاب التمييز والكراهية، أو محاولة الحد من الطبقية والفئوية المتحكمة في المجتمع، أو تعزيز الهوية الإنسانية في التعايش السلمي بين مختلف الأعراق والأديان المكونة للحياة الاجتماعية في الكويت، ومنها ما كان يسير نحو إنصاف المهمشين في المجتمع وعلى رأسهم الكويتيون البدون.
ويرى الهندال أن «هناك دوافع عدة واتجاهات مختلفة من الكتابة، حملت رؤى متنوعة وأفكاراً صريحة أو ضمنية في الخطاب الروائي. وهو ما قد لمسناه بأعمال قصصية وروائية لعدد من الأدباء الكويتيين، كإسماعيل فهد إسماعيل، وليلى العثمان، وسليمان الشطي، ووليد الرجيب، وطالب الرفاعي، وفوزية شويش السالم، وناصر الظفيري، وباسمة العنزي، وحمد الحمد، وبثينة العيسى، وسعود السنعوسي، وبسام المسلم، وعبد الله البصيص، ومنى الشمري، وخالد النصرالله، وخالد تركي، وحمود الشايجي، وجميلة سيد علي، وعبد الوهاب الحمادي، وآخرين».



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.