«كورونا» يفرض تأجيل «الأوسكار»

ينتقل من شتاء إلى ربيع العام المقبل

هل ضمنت الأكاديمية التنوع المنشود بين أعضائها فعلاً؟
هل ضمنت الأكاديمية التنوع المنشود بين أعضائها فعلاً؟
TT

«كورونا» يفرض تأجيل «الأوسكار»

هل ضمنت الأكاديمية التنوع المنشود بين أعضائها فعلاً؟
هل ضمنت الأكاديمية التنوع المنشود بين أعضائها فعلاً؟

أثار إعلان أكاديمية العلوم والفنون السينمائية تأجيل حفلة الأوسكار الثالثة والتسعين من موعدها المقرر سابقاً (في الشهر الثاني كما جرت العادة من كل سنة) إلى الشهر الرابع من العام المقبل، الكثير من ردات الفعل المتوقعة وغير المتوقعة.
في إعلانها عن هذا التأجيل ذكرت الأكاديمية بوضوح أن السبب الرئيسي يعود إلى أن العديد من الأفلام التي توقف إنتاجها أو تصويرها بسبب وباء كورونا لن تكون جاهزة للتوزيع في الوقت المحدد لها عادة، وبالتالي لن تكون جاهزة لدخول سباق الأوسكار مع نهاية كل سنة كما كان الحال في السابق.
بناء عليه، فإن التأجيل لم يكن أمراً يمكن تجنبه. على العكس، هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن، عبرها، إقامة حفل فعلي مليء بالأفلام والنجوم والسينمائيين. إما هذا أو خلو المسابقات المتعددة ما يكفي من الأفلام المتسابقة.

من دون هرولة
الموعد المقرر سابقاً للدورة الجديدة من جوائز الأوسكار كان الثامن والعشرين من فبراير (شباط) السنة المقبلة. الموعد الجديد هو الخامس والعشرين من شهر أبريل (نيسان) 2021. وإعلان ذلك فاجأ الكثيرين رغم أن السؤال حول ما يمكن لحفل الأوسكار أن يفعله لإنقاذ نفسه من آثار الوباء الشديد.
مثل هذا الإعلان بالنسبة لهوليوود جاء ليهدئ من روعة أبناء الصناعة وشركاتها المختلفة فالسؤال الذي سبق هذا الإعلان كان حول كيف يمكن للأفلام التي توقف تصويرها (ومنها فيلم ريدلي سكوت «المبارزة الأخيرة») أو تأجل عرضها (مثل فيلم جيمس بوند المقبل «لا وقت للموت»)، تلبية نداء الأوسكار السنوي إذا ما كان العمل متوقفاً وصالات السينما مقفلة.
الآن زال التساؤل لكن ما حل مكانه هو سلسلة من النتائج والتبعات التي توالت مثل أحجار الدومينو.
صحيح أنه من حسنات القرار أنه سيتيح لهذه الإنتاجات أن تواصل العمل من دون هرولة صوب تأمين العروض والتقدم إلى المسابقة في المواعيد المبكرة السابقة. شهران إلى الأمام، بالنسبة لموعد الحفل، يعنيان شهران إلى الأمام بالنسبة لموعد التقدم بالأفلام إلى الأكاديمية بغية ترشيحها. بالتالي، فإن الأكاديمية لا تفعل ذلك من باب تفهم الوضع الحالي بالنسبة للإنتاجات السينمائية وحدها، بل أيضاً تقدم على حماية حفلتها من الجفاف فيما لو لم تجد أكثر من نصف عدد الترشيحات المعتادة في كل عام.
لكن هناك عدة ردات فعل متوترة ناتجة عن هذا التغيير. فالأوسكار ليس الجائزة السنوية الوحيدة الممنوحة كل سنة، ولا هو المناسبة اليتيمة في كل عام، بل هناك مناسبات سنوية أخرى اعتادت أن تحافظ على مواعيدها في كل سنة وتسبق الحفل الأكبر بأسابيع قليلة. هذه أيضاً تجد نفسه، وبصورة طبيعية، مُطالبة بإجراء مشابه.
والإجراء المشابه ورد بعد يومين فقط من إعلان الأكاديمية تأجيل موعد الأوسكار وجاء من لندن عندما احتذت «الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون» بالقرار ذاته وأعلنت تأجيل حفلتها المعتادة إلى الخامس عشر من شهر يونيو (حزيران) بعدما اعتادت على إقامة حفلتها في شهر أبريل (نيسان).
وتبع ذلك إعلان مهرجان سانتا باربرا تأجيل دورته المقبلة من الواحد والثلاثين من شهر مارس (آذار) إلى السابع عشر من يونيو.
وصدر هذا الإعلان بعدما أقدمت مؤسسة «فيلن إندبندنت سبيريت» تأجيل حفلة توزيع جوائزها السنوية الخاصة بالأفلام المستقلة من الرابع عشر من الشهر الثاني من العام المقبل إلى منتصف شهر يونيو.
تأثير الدومينو
هذا هو جانب واحد من الوضع الذي يخلقه تأجيل حفل الأوسكار هذه السنة.
الوضع الآخر نجده في حقيقة أن مهرجانات السينما الكبيرة جعلت الأوسكار محوراً مهماً في فلكها السينمائي.
المعتاد مثلاً أن تتسلل الأفلام المهمة والفائزة بجوائز أولى من مهرجانات «كان» و«نيويورك» و«فينيسيا» و«تورونتو» و«تليورايد» إلى سباق الأوسكار، مما يجعل هذه المهرجانات سعيدة بكون أفلامها هي التي اجتازت المسافة ما بين المهرجان والأوسكار واستطاعت دخول مسابقته. هذا حدث مع مهرجان «فينيسيا» قبل عامين عندما اختطف فيلم «روما» لألفونسو كوارون جائزة المهرجان الذهبية ثم حصل على أوسكار أفضل فيلم أجنبي أيضاً.
في العام الماضي شهدنا كيف قفز فيلم «فطري» من مهرجان كان حاملاً بيده سعفة المهرجان إلى حفل الأوسكار حيث خرج بأربع جوائز من بينها أوسكار أفضل فيلم وأوسكار أفضل فيلم أجنبي.
الآن سيختلف هذا الوضع بسبب أن المسافة بين فينيسيا وتورونتو وباقي المهرجانات الرئيسية في النصف الثاني من هذا العام، ازدادت تباعداً مما سيمنح الأفلام الأخرى (تلك التي لم تنضم إلى عروض المهرجانات الكبيرة) فرصة أفضل في مسابقات الأوسكار على حساب انخفاض التوقعات بالنسبة للأفلام التي ستعرضها مهرجانات النصف الثاني من السنة.
لكن ليس كل المهرجانات ستعاني من أن تأثير ما ستعرضه قد يتبخر قبل حلول نهاية العام. هناك مهرجانات ستستفيد من تأجيل الأكاديمية لحفلتها وبالدرجة الأولى مهرجان صندانس السينمائي الحافل بالأفلام الأميركية والعالمية في شتى المسابقات: الروائية الأميركية والروائية العالمية والأفلام التسجيلية الأميركية وتلك الآتية من دول العالم. بما أن «صندانس» باق في موعده المعلن (21 إلى 31 يناير (كانون الثاني)، 2021) فإن الأفلام المشتركة ستجد نفسها وقد استفادت من الموعد الجديد لأنها ستشهد نشاط توزيع وعروض ساخن أكثر من المعتاد كونها قريبة من الموعد الجديد لإغلاق باب ترشيحات الأوسكار (نهاية فبراير).

مسائل أخرى
يحدث كل ذلك وسط مسألة كبيرة أخرى لا علاقة لها بـ«كورونا» ولا بتأجيل المشاريع أو العروض السينمائية، بل بجورج فلويد، أو بالأحرى ما نتج عن تلك الواقعة التي ذهب فلويد ضحيتها.
فقد تنادت أطراف عديدة في الأيام القليلة الماضية مطالبة هوليوود بتحرك فعلي حيال فقدان معايير التنوع في شتى نواحي العمل السينمائي. هذا بعدما لوحظ (مجدداً) كيف أن أقل من 20 في المائة من العاملين في شتى كيانات واختصاصات العمل السينمائي خلف الكاميرا هم من ذوي البشرة السوداء.
هذا الوضع سائد بين طاقم الرؤساء والمديرين في أعلى الهرم نزولاً للمنتجين ومروراً بالمصورين والموسيقيين والمهندسين والمصممين وصولاً إلى القاعدة البشرية ذاتها من عاملين في مهن التنفيذ.
هذا النداء ليس جديداً إلا من حيث السعي حثيثاً الآن على تعزيزه ودفع هوليوود لتبنيه ذلك لأن نداءً مماثلاً كان صدر في العام الماضي وتوجه خصيصاً للأكاديمية تحت عنوان Oscars So White الذي انتقد أن غالبية الأعضاء هم من البيض.
تبعاً لذلك، وفي محاولة الأكاديمية البرهان على أنها تولّي المسألة جل اهتمامها في هذه الظروف بالتحديد، أعلنت أن التنويع العرقي والجنسي قد تم بالفعل ويوم الجمعة الماضي أصدرت الأكاديمية مما أكّد استجابتها لذلك النداء على صعيدي زيادة عدد المنتسبين من أصحاب البشرات غير البيضاء (مكسيكيين وسود وآسيويين) وزيادة عدد المنتسبات الإناث.
أدى ذلك إلى قبول معظم المعنيين والمعنيات بهذا القرار في الوقت الذي لم يشهد أي معارضة من أي جانب باستثناء رغبة البعض بمعلومات أكثر حول كيف يتم ذلك، وإذا ما كانت الزيادة ستؤدي إلى التأثير على النتائج ذاتها.
كل ما سبق يأتي في وقت حرج بالنسبة للأكاديمية وجائزتها الشهيرة فالإقبال على متابعة الحفل المبثوث تلفزيونياً كل عام يتدنى سنة بعد سنة ووصل إلى أدنى مستوى له هذا العام. في هذا النطاق أخبرني المنتج ستيڤن إ. دَ سوزا مؤخراً: «لا تملك الأكاديمية حرية حركة واسعة في هذا النطاق. نعم تستطيع أن تعالج بعض المسائل الداخلية واستنباط حلول وبل العمل على جعل المناسبة أكثر جذباً، لكني أتفق معك على أن كثرة المناسبات التي تدور حول عدد محدود من الأفلام يجعل من الصعب إقناع المشاهدين بأن الأوسكار مختلف جداً عن سواه من المناسبات السنوية في هذا الاتجاه».



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.