«كورونا» يفرض تأجيل «الأوسكار»

ينتقل من شتاء إلى ربيع العام المقبل

هل ضمنت الأكاديمية التنوع المنشود بين أعضائها فعلاً؟
هل ضمنت الأكاديمية التنوع المنشود بين أعضائها فعلاً؟
TT

«كورونا» يفرض تأجيل «الأوسكار»

هل ضمنت الأكاديمية التنوع المنشود بين أعضائها فعلاً؟
هل ضمنت الأكاديمية التنوع المنشود بين أعضائها فعلاً؟

أثار إعلان أكاديمية العلوم والفنون السينمائية تأجيل حفلة الأوسكار الثالثة والتسعين من موعدها المقرر سابقاً (في الشهر الثاني كما جرت العادة من كل سنة) إلى الشهر الرابع من العام المقبل، الكثير من ردات الفعل المتوقعة وغير المتوقعة.
في إعلانها عن هذا التأجيل ذكرت الأكاديمية بوضوح أن السبب الرئيسي يعود إلى أن العديد من الأفلام التي توقف إنتاجها أو تصويرها بسبب وباء كورونا لن تكون جاهزة للتوزيع في الوقت المحدد لها عادة، وبالتالي لن تكون جاهزة لدخول سباق الأوسكار مع نهاية كل سنة كما كان الحال في السابق.
بناء عليه، فإن التأجيل لم يكن أمراً يمكن تجنبه. على العكس، هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن، عبرها، إقامة حفل فعلي مليء بالأفلام والنجوم والسينمائيين. إما هذا أو خلو المسابقات المتعددة ما يكفي من الأفلام المتسابقة.

من دون هرولة
الموعد المقرر سابقاً للدورة الجديدة من جوائز الأوسكار كان الثامن والعشرين من فبراير (شباط) السنة المقبلة. الموعد الجديد هو الخامس والعشرين من شهر أبريل (نيسان) 2021. وإعلان ذلك فاجأ الكثيرين رغم أن السؤال حول ما يمكن لحفل الأوسكار أن يفعله لإنقاذ نفسه من آثار الوباء الشديد.
مثل هذا الإعلان بالنسبة لهوليوود جاء ليهدئ من روعة أبناء الصناعة وشركاتها المختلفة فالسؤال الذي سبق هذا الإعلان كان حول كيف يمكن للأفلام التي توقف تصويرها (ومنها فيلم ريدلي سكوت «المبارزة الأخيرة») أو تأجل عرضها (مثل فيلم جيمس بوند المقبل «لا وقت للموت»)، تلبية نداء الأوسكار السنوي إذا ما كان العمل متوقفاً وصالات السينما مقفلة.
الآن زال التساؤل لكن ما حل مكانه هو سلسلة من النتائج والتبعات التي توالت مثل أحجار الدومينو.
صحيح أنه من حسنات القرار أنه سيتيح لهذه الإنتاجات أن تواصل العمل من دون هرولة صوب تأمين العروض والتقدم إلى المسابقة في المواعيد المبكرة السابقة. شهران إلى الأمام، بالنسبة لموعد الحفل، يعنيان شهران إلى الأمام بالنسبة لموعد التقدم بالأفلام إلى الأكاديمية بغية ترشيحها. بالتالي، فإن الأكاديمية لا تفعل ذلك من باب تفهم الوضع الحالي بالنسبة للإنتاجات السينمائية وحدها، بل أيضاً تقدم على حماية حفلتها من الجفاف فيما لو لم تجد أكثر من نصف عدد الترشيحات المعتادة في كل عام.
لكن هناك عدة ردات فعل متوترة ناتجة عن هذا التغيير. فالأوسكار ليس الجائزة السنوية الوحيدة الممنوحة كل سنة، ولا هو المناسبة اليتيمة في كل عام، بل هناك مناسبات سنوية أخرى اعتادت أن تحافظ على مواعيدها في كل سنة وتسبق الحفل الأكبر بأسابيع قليلة. هذه أيضاً تجد نفسه، وبصورة طبيعية، مُطالبة بإجراء مشابه.
والإجراء المشابه ورد بعد يومين فقط من إعلان الأكاديمية تأجيل موعد الأوسكار وجاء من لندن عندما احتذت «الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون» بالقرار ذاته وأعلنت تأجيل حفلتها المعتادة إلى الخامس عشر من شهر يونيو (حزيران) بعدما اعتادت على إقامة حفلتها في شهر أبريل (نيسان).
وتبع ذلك إعلان مهرجان سانتا باربرا تأجيل دورته المقبلة من الواحد والثلاثين من شهر مارس (آذار) إلى السابع عشر من يونيو.
وصدر هذا الإعلان بعدما أقدمت مؤسسة «فيلن إندبندنت سبيريت» تأجيل حفلة توزيع جوائزها السنوية الخاصة بالأفلام المستقلة من الرابع عشر من الشهر الثاني من العام المقبل إلى منتصف شهر يونيو.
تأثير الدومينو
هذا هو جانب واحد من الوضع الذي يخلقه تأجيل حفل الأوسكار هذه السنة.
الوضع الآخر نجده في حقيقة أن مهرجانات السينما الكبيرة جعلت الأوسكار محوراً مهماً في فلكها السينمائي.
المعتاد مثلاً أن تتسلل الأفلام المهمة والفائزة بجوائز أولى من مهرجانات «كان» و«نيويورك» و«فينيسيا» و«تورونتو» و«تليورايد» إلى سباق الأوسكار، مما يجعل هذه المهرجانات سعيدة بكون أفلامها هي التي اجتازت المسافة ما بين المهرجان والأوسكار واستطاعت دخول مسابقته. هذا حدث مع مهرجان «فينيسيا» قبل عامين عندما اختطف فيلم «روما» لألفونسو كوارون جائزة المهرجان الذهبية ثم حصل على أوسكار أفضل فيلم أجنبي أيضاً.
في العام الماضي شهدنا كيف قفز فيلم «فطري» من مهرجان كان حاملاً بيده سعفة المهرجان إلى حفل الأوسكار حيث خرج بأربع جوائز من بينها أوسكار أفضل فيلم وأوسكار أفضل فيلم أجنبي.
الآن سيختلف هذا الوضع بسبب أن المسافة بين فينيسيا وتورونتو وباقي المهرجانات الرئيسية في النصف الثاني من هذا العام، ازدادت تباعداً مما سيمنح الأفلام الأخرى (تلك التي لم تنضم إلى عروض المهرجانات الكبيرة) فرصة أفضل في مسابقات الأوسكار على حساب انخفاض التوقعات بالنسبة للأفلام التي ستعرضها مهرجانات النصف الثاني من السنة.
لكن ليس كل المهرجانات ستعاني من أن تأثير ما ستعرضه قد يتبخر قبل حلول نهاية العام. هناك مهرجانات ستستفيد من تأجيل الأكاديمية لحفلتها وبالدرجة الأولى مهرجان صندانس السينمائي الحافل بالأفلام الأميركية والعالمية في شتى المسابقات: الروائية الأميركية والروائية العالمية والأفلام التسجيلية الأميركية وتلك الآتية من دول العالم. بما أن «صندانس» باق في موعده المعلن (21 إلى 31 يناير (كانون الثاني)، 2021) فإن الأفلام المشتركة ستجد نفسها وقد استفادت من الموعد الجديد لأنها ستشهد نشاط توزيع وعروض ساخن أكثر من المعتاد كونها قريبة من الموعد الجديد لإغلاق باب ترشيحات الأوسكار (نهاية فبراير).

مسائل أخرى
يحدث كل ذلك وسط مسألة كبيرة أخرى لا علاقة لها بـ«كورونا» ولا بتأجيل المشاريع أو العروض السينمائية، بل بجورج فلويد، أو بالأحرى ما نتج عن تلك الواقعة التي ذهب فلويد ضحيتها.
فقد تنادت أطراف عديدة في الأيام القليلة الماضية مطالبة هوليوود بتحرك فعلي حيال فقدان معايير التنوع في شتى نواحي العمل السينمائي. هذا بعدما لوحظ (مجدداً) كيف أن أقل من 20 في المائة من العاملين في شتى كيانات واختصاصات العمل السينمائي خلف الكاميرا هم من ذوي البشرة السوداء.
هذا الوضع سائد بين طاقم الرؤساء والمديرين في أعلى الهرم نزولاً للمنتجين ومروراً بالمصورين والموسيقيين والمهندسين والمصممين وصولاً إلى القاعدة البشرية ذاتها من عاملين في مهن التنفيذ.
هذا النداء ليس جديداً إلا من حيث السعي حثيثاً الآن على تعزيزه ودفع هوليوود لتبنيه ذلك لأن نداءً مماثلاً كان صدر في العام الماضي وتوجه خصيصاً للأكاديمية تحت عنوان Oscars So White الذي انتقد أن غالبية الأعضاء هم من البيض.
تبعاً لذلك، وفي محاولة الأكاديمية البرهان على أنها تولّي المسألة جل اهتمامها في هذه الظروف بالتحديد، أعلنت أن التنويع العرقي والجنسي قد تم بالفعل ويوم الجمعة الماضي أصدرت الأكاديمية مما أكّد استجابتها لذلك النداء على صعيدي زيادة عدد المنتسبين من أصحاب البشرات غير البيضاء (مكسيكيين وسود وآسيويين) وزيادة عدد المنتسبات الإناث.
أدى ذلك إلى قبول معظم المعنيين والمعنيات بهذا القرار في الوقت الذي لم يشهد أي معارضة من أي جانب باستثناء رغبة البعض بمعلومات أكثر حول كيف يتم ذلك، وإذا ما كانت الزيادة ستؤدي إلى التأثير على النتائج ذاتها.
كل ما سبق يأتي في وقت حرج بالنسبة للأكاديمية وجائزتها الشهيرة فالإقبال على متابعة الحفل المبثوث تلفزيونياً كل عام يتدنى سنة بعد سنة ووصل إلى أدنى مستوى له هذا العام. في هذا النطاق أخبرني المنتج ستيڤن إ. دَ سوزا مؤخراً: «لا تملك الأكاديمية حرية حركة واسعة في هذا النطاق. نعم تستطيع أن تعالج بعض المسائل الداخلية واستنباط حلول وبل العمل على جعل المناسبة أكثر جذباً، لكني أتفق معك على أن كثرة المناسبات التي تدور حول عدد محدود من الأفلام يجعل من الصعب إقناع المشاهدين بأن الأوسكار مختلف جداً عن سواه من المناسبات السنوية في هذا الاتجاه».



السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
TT

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام التي تنتقد السياسة الداخلية وتكشف عن أوضاع الفلسطينيين تحت ممارسات الدولة، والتفرقة العنصرية التي تنفيها الدولة وتؤكدها الأحداث والدلائل المختلفة.

في المواجهة وزارة الثقافة الإسرائيلية التي تمسك بزمام المنح التي توفرها الحكومة الإسرائيلية لمنتجي وصانعي الأفلام في كل عام، والتي تبلغ ما يوازي 40 مليون دولار. التوجه الحالي للوزارة هو تشجيع الصناعة المحلّية من ناحيةٍ، ودعم الأفلام التي لا تناهض توجهات وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر إحكام القبضة على من يمكن له التمتع بمنحة حكومية لتحقيق فيلمه، وذلك بناءً على موقفه السياسي منها.

سبق لعدد من المخرجين الإسرائيليين المعروفين بمواقفهم المعارضة، من بينهم آفي مغربي ونيتا شوشاني وناداف لابيد، أن استفادوا من المنح الحكومية لإنتاج أفلام تنتقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين أو تعيد مساءلة السردية الرسمية لتأسيس إسرائيل. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم شوشاني «1948: تذكّر، لا تتذكّر»، (1948: Remember, Remember Not) الذي أُنتج عام 2023 وأثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزارة الثقافة للمخرجة بإعادة المنحة الحكومية التي حصلت عليها لإنجاز الفيلم.

محمد غزاوي في «البحر» (ماجدال فيلمز).

ما وراء البحر

في العام الماضي، نفذ فيلم «البحر» لمخرجه شاي كارميلي-بولاك بنفسه من هذا القرار. حققه شاي كارميلي- بولاك متناولاً قصّة ولد فلسطيني قرر الوصول إلى البحر الذي لم يره من قبل. مثَّل الفيلم إسرائيل في ترشيحات الأوسكار بعد أن نال أربع جوائز من مهرجان «القدس السينمائي»، بينها جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثل التي فاز بها الصبي محمد غزاوي. مما دفع وزير الثقافة ميكي زوهار، إلى قرار حجب المساعدة الحكومية لمهرجان القدس احتجاجاً منه على خروج «البحر» بتلك الجوائز عنوةً عن أفلام رآها أكثر استحقاقاً.

الترشيح الإسرائيلي لأوسكار العام المقبل هو دراما عاطفية عنوانها «أخبرني كل شيء» (Tell Me Everything) لموشي روزنثال. فيلم محافظ حول صبي (في الثانية عشرة من عمره أيضاً) يكتشف سرّاً عن أبيه يؤدي به إلى طرح تساؤلات حوله مع سعي الأب لإعادة بناء الثقة بينهما.

بدوره من المتوقع جداً أن يدخل فيلم «نازا»، المعروض حالياً في صالات أميركية محدودة، الترشيحات الرسمية في سباق أوسكار أفضل فيلم تسجيلي طويل في العام المقبل.

لكن في الوقت الذي يُثير «نازا» هذا القبول العالمي والتقدير لا بد من الإشارة إلى أنه يطمر بعض الإنجازات الفلسطينية التي تتحدّث عن الوضع الفلسطيني حيال الجبروت الإسرائيلي مثل «غزّة 13» لحسام أبو دان، و«المواطن أسامة» (ترشيح فلسطين الرسمي للأوسكار) لأحمد حسّونة، و«حوار مع البحر» لمؤيد عليان، وهي بعض النتاجات ذات الشأن الفلسطيني الذي خرجت هذا العام.

لا بد من التذكير بأن «نازا» ليس فيلماً إسرائيلياً على الإطلاق. الإنتاج انطلق من مؤسسة «ذ غارديان» البريطانية، وانضمّت إليها شركة «JW Films» الأميركية، وتبنّت توزيعه شركة «MK2» الفرنسية. لهذا السبب لم يكن في استطاعة الحكومة الإسرائيلية سوى الاحتجاج ضدّه والتحقيق مع الجنود الذين أدلوا بتصريحاتهم و-تلقائياً- عدم عرضه في البلاد. وهذا هو حال أفلام إسرائيلية معارضة تجد نفسها أمام جدار منع غير رسمي بسبب عزوف صالات السينما عن عرضها خوفاً من احتجاج اليمين المتطرّف.

راشل شور ويوڤال إبراهام مخرجا «نازا» (ذا غارديان فيلمز)

«نازا» مضاد

تداعيات سياسة البطش الإسرائيلية توالت منذ العام الماضي على أصعدة رسمية وغير رسمية حول العالم. على سبيل المثال تبنى مهرجان «IDFA» في أمستردام سياسة تستبعد المؤسسات والأفلام المرتبطة مباشرةً بتمويل حكومي إسرائيلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يقاطع المخرجين أو الأفلام الإسرائيلية المستقلة. وفي الثاني من مارس (آذار) هذا العام تم إلغاء مهرجان «الفيلم اليهودي في أونتاريو (كندا)»، وفي أبريل (نيسان) اضطر منتجو فيلم «Seret»، (إخراج دانييلا غرودسكي وداني كوهن)، إلى الاكتفاء بعرض خاص للفيلم في لندن بعدما تعذّر إيجاد صالة سينمائية عامّة له.

كما تعذّر على المخرج آموس غيتاي تسويق فيلمه الجديد «الطريق إلى أريحا» عالمياً، فمنذ عرضه في مهرجان ڤينيسيا في الدورة ذاتها التي تم فيها عرض «نازا»، لم يشق طريقه صوب أي عرض تجاري خارج بلاده باستثناء العرضين اللذين خُصصا له يوم أمس (الخميس)، في مهرجان طوكيو السينمائي.

داخل إسرائيل ذاتها تم إنتاج 31 فيلماً جديداً هذه السنة؛ معظمها يواكب قرارات الحكومة ويتجنّب سطوتها، من بينها «نازا» آخر هو «نازا: القصّة الحقيقية». حققه ثلاثة مخرجين هم: هاغاي غوتمن، وآريَل أوربوش، وروي دانينو، وهدفه مناقضة «نازا» الأول والبرهنة على أن ما ورد في ذلك الفيلم غير صحيح. الملصق المختار للفيلم يصوّر مخرجَي «نازا»، راشَل شور ويوڤال أبراهام وعليهما كلمة «خائنان» مطبوعة باللون الأحمر.

معظم ما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية هذا العام (31 فيلماً) يختار الطريق الآمن. الموضوعات المطروحة تتناول، على سبيل المثال، قصّة فتاة جميلة تتعرّض لحادثة تُقعدها (Many Waters)، وزوجين يكتشفان بعد سنوات من زواجهما أسراراً (Thou Shalt Love)، وفتاة تبحث عن موقعها بين أسرة جديدة (Habaita‪!‬)، وأخرى تكاد تفقد عملها مفتشة في حافلات المدينة بسبب مشاجرة (Lev Zahav).


شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
TT

شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).

مفيش راجل بيعيط

★★★

* إخراج: محمد مصطفى

* مصر (2026) | عروض مهرجان الجونة

في منتصف هذا الفيلم التسجيلي يطرح المخرج محمد مصطفى سؤالاً مهمّاً: «هل يتصرّفون الآن لأنهم أمام الكاميرا؟ ماذا لو لم تكن هناك كاميرا؟».

المعنيّون بسؤاله هم مجموعة من الرجال الذين يُظهرون المودّة والألفة والمحبّة في مشهد يجمع بينهم. نعم، تلعب الكاميرا دورها. لا أحد يمكن أن ينسى الكاميرا التي تصوّره منفرداً أو بين مجموعة. يدرك أنها هناك وسيتصرّف حسب هذا الإدراك. لذلك السؤال وجيه من حيث محاولة المخرج قراءة حقيقة موازية.

الرجال هم رافعو حديد وبناة أجسام يفاخر كل منهم بعضلاته وتكويناته البدنية؛ نفور العضلات، وصلابة الجسد، وجمال التكوين عموماً، لكن أليس هناك من عوامل داخلية كالغيرة أو الشعور بأن أحدهم أفضل من الباقين؟ هل يبقى عنصر «الأنا» مطموراً؟

إنها أسئلة مُحقّة يوحي بها الفيلم لكنه لا يرصدها كفاية. لا يجيب عنها جميعاً، وربما يعود ذلك إلى أن المخرج لم يُرِد التطرّق إلى هذا الموضوع حتى لا يثير خلافات أو يشعل ناراً تحت القش. من هذه الناحية فإن الفيلم حسناً يفعل بطرح هذه الخواطر من دون الدخول إليها. يهتم بتصوير بيئتها الداخلية وبعض تطلّعاتها وأحوالها. بعضهم يرغب في التمثيل في فيلم روائي، آخر يود الاستقالة من عمله كحارس مرقص ليلي، وآخر يبدأ، عند نهاية الفيلم بالتساؤل حول نبذ كل ذلك والبحث عن حياة جديدة.

هذا الأخير هو عبد الله الذي يُعيره المخرج الاهتمام الأكبر بين أترابه. رجل دخل السجن قبل مدّة وخرج بعد عامين واتصل بالمخرج وقال له إنه مستعد ليكون تحت تصرّفه في مشروع الفيلم.

الفيلم يبقى خاصّاً وليس للعموم. بعض ذلك يعود إلى أن شخصياته مغلقة وهو مُغلق بدوره عليها. لكن العمل بأسره جديد كموضوع لم نرَ مثيلاً له من قبل. تقوم الكاميرا بدور أساسي أكبر من الدور الذي يقوم به المونتاج، بينما كان من الممكن إضافة مشاهد موازية خارج الإطار المحصور برجاله وتمريناتهم وحواراتهم. مشاهد من شأنها توسيع انشغالات الفيلم قليلاً لتتضمن تصوير علاقة هؤلاء بالمجتمع من حولهم. من ناحية أخرى، هناك حرص جيّد من المخرج على أن يجعل من حضوره جزءاً مما يعرضه الفيلم. هو حاضر بنفسه، صورةً وتعليقاً، كما من خلال حواراته.

«كلايفايس» (سينيموندو)

Clayface

★★☆

* إخراج: ‪جيمس ووتكنز‬

* الولايات المتحدة (2026) | رعب | عروض تجارية

شخصية «كلايفايس» من تلك التي ظهرت في الأربعينات، في مجلات الكوميكس. تم تقديمها كشخصية شريرة قادرة على تغيير وجهها بملامح مختلفة. ظهرت في بعض أعداد مجلة «باتمان». مثل شخصية «جوكر» كان «كلايفايس» أحد أعداء ومناوئي شخصية «باتمان». وعلى نحو «جوكر» في فيلمي تود فيليبس، ينطلق الفيلم الجديد ليؤسس للشخصية الجديدة حضوراً تجارياً قد يؤدي إلى سلسلة منفصلة.

في مطلع الفيلم نجد مات هاغن (الذي سيُكنى بكلايفايس ويؤديه توم رايز هاريس) ممثلاً شاباً وطموحاً يتطلع إلى النجاح ومرشّحاً لإحدى جوائز التمثيل. هو إنسان طيّب وسط عالم يشعر بأنه ينتمي إليه ويود النجاح فيه ليتحوّل إلى نجم كبير. لكن ما يحدث له قلَب ذلك الطموح رأساً على عقب وحوّله إلى شخص آخر (أو إلى عدة أشخاص في الواقع). فهو التقى فتاةً جميلةً (جوانا ريبييرو) ليكتشف أنها عشيقة زعيم عصابة (ديڤيد دنسيك) الذي لن يرضى بأن يخسر عشيقته، فيقتحم خلوته ويشوّه وجه هاغن بمادّة سامّة.

هذه هي الأرضية التي سيعمل الفيلم عليها لكي يرينا كيف انهارت أحلام الشاب الوسيم وتحوّل إلى مجرم يستطيع، بسبب تناوله عقاراً كيميائياً يجعله قادراً على تغيير وجهه المشوّه وتقمص ملامح أخرى. لكن كلما عمد إلى حقن نفسه بالمادة الخطرة زاد خطره وعنفه. هو عالق وسط حالات يائسة ووضع تراجيدي، ولو أن الفيلم لا يود التوقف عند هذا البعد بقدر ما يريد استعراضه. ما يُثير اهتمامه هو توفير مشاهد عنف وتشوّهات بدنية وإبر تدخل العين وأشياء أخرى كُتبت وصُورت بغرض جذب المشاهدين لشخصية لا يمكن أن تُثير تعاطفاً ولا حتى تفهّماً كافياً. على ذلك، يعرف المخرج كيف يلعب بأعصاب مشاهدي فيلمه ويضم عمله، ولو بصعوبة، إلى ما يتم إنتاجه من مسلسلات.

هاريس مشروع جيد كممثل لكنه ليس آل باتشينو في فيلم «Dick Tracy»، (إخراج وارن بيتي، 1990) حين لعب دور الشرير «كابريس» في فيلم مستقى بدوره من روايات التحري «دك ترايسي» الشعبية. هنا الرحلة طويلة ما بين إصابة وجه مات هاغن بالتشوّه وبين تحوّله إلى منتقم يستطيع الانتقال ما بين الشخصيات بدافع الانتقام.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
TT

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً، وإنما يحارب بسيف مضمونه.

في البداية، تقدّم إلى حقل الألغام فيلم «قلب الوحش» من بطولة براد بِت وإخراج ديفيد آير. استند هذا الفيلم إلى حكاية عاطفية إنسانية تربط بين كلب وصاحبه. كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لينقذه من مخاطر المنطقة الموحشة التي وجدا نفسيهما فيها. تكلَّف الفيلم 82 مليون دولار، وحقَّق نحو 134 مليون دولار عالمياً، علماً بأن الإيرادات الإجمالية لا تمثّل أرباحاً صافية بعد اقتطاع حصة دور العرض وتكاليف التسويق.

الثاني هو فيلم «ديغر» الذي يحمل اسمين مهمّين؛ أحدهما تجاري هو توم كروز، والآخر فنّي هو المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو. بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقديرات منشورة، ما بين 160 و180 مليون دولار، وحقَّق نحو 35 مليون دولار عالمياً خلال أيامه العشرة الأولى.

توم كروز في «ديغر» (وورنر برذرز)

الفيلم الثالث، «سوشال ريكونينغ»، انطلق هذا الأسبوع بميزانية محدودة لا تتجاوز 30 مليون دولار، وحقَّق افتتاحاً متواضعاً بلغ 5.5 مليون دولار في أميركا الشمالية. هو الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحمل أسماء ممهورة بالشهرة التجارية نفسها. مخرجه آرون سوركين معروف لمتابعي الأفلام وهُواتها، وبطلاه جيريمي ألن وايت ومايكي ماديسون معروفان خصوصاً لدى متابعي السينما. على ذلك، فإن سقوطه في «شباك التذاكر» له أهمية تتساوى مع أهمية الفيلمين الآخرين.

إقبال وعزوف

«قلب الوحش» يحمل مواصفات تجارية أكثر ممّا يحمل عناصر فنية. هو فيلم مغامرات تقع أحداثه في مناطق غير مأهولة في ولاية ألاسكا، بطلها ضابط من القوات الخاصة نجا من تحطّم طائرته. معه في الطائرة كلبه الوفي. كلاهما يتعرَّض على الأرض لمآزق تكاد تودي بحياته. بطل الفيلم (براد بِت) ينقذ الكلب أحياناً، والكلب ينقذه أحياناً أخرى.

حبكة جيّدة، بصرف النظر عن أنّ الحكاية تعرض خيطاً من الوقائع المتوقعة، وأداء بِت يبقي الفيلم دون مستوى الإثارة رغم نجاح مَشاهد الخطر. إلى ذلك، لا معنى وراء مشهد نرى فيه دباً ضخماً يُغيّر رأيه بعد تحديق طويل في الطيّار ويتركه وشأنه (ربما تذكّر الدب أن السيناريو لا ينصّ على مهاجمة البطل). ثم تبرد أجواء الفيلم بكاملها مع مشهد النهاية، حيث أحدهما سيقضي والثاني سيعيش.

نقدياً، وُوجه الفيلم بنسبة عالية من غير المعجبين، لكن سقوطه يبقى غريباً، كون الجمهور السائد لا يقرأ النقد، وإذا فعل فلا يمتثل له. إلى ذلك، فإن وجود براد بِت في الواجهة كان يُفترض أن يسهم في تحقيق إيراد أعلى.

بالنسبة إلى فيلم «ديغر»، فإن المشكلة أكبر حجماً. هذا فيلم رسالة سياسية على غرار «معركة تلو أخرى» قبل عام، أو «أوبنهايمر» قبل 3 أعوام. لماذا نجح هذان الفيلمان وسقط هذا الفيلم تحديداً؟

فيلم بول توماس أندرسن «معركة تلو أخرى» هو فيلم أكشن. تكلّف نحو 140 مليون دولار، وحقَّق نحو 213 مليون دولار. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للجزم بأرباحه أو خسائره، لكنه حقّق إيرادات تفوق ميزانيته الإنتاجية.

أما «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، فإنّ تكلفته بلغت نحو 100 مليون دولار، لكنه وثب عالياً، محقّقاً نحو مليار دولار (975 مليوناً و811 ألفاً و333 دولاراً وفق بيانات «IMDb»). هذا ما دفع الشركة المنتجة «يونيفرسال» إلى رصد ميزانية ضخمة لفيلم نولان التالي «الأوديسة»، الذي حقّق إيرادات تجاوزت 1.7 مليار دولار عالمياً. الفيلم ليس جماهيرياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل عناصر تجارية وفكرية متوازية.

«ديغر» موضوع جاد أيضاً حول تهديد البيئة ومسؤولية ذلك الملياردير «ديغر» (توم كروز) عن تعريض البيئة والعالم للخطر. هذه الرسالة لم تُثر الجمهور مطلقاً، ولم يرغب في مشاهدة توم كروز بكرش، ولو صغير، وشعر خفيف، رغم أنّ تمثيله يستحق «الأوسكار» المقبل، وربما سيكسبه.

براد بِت في «قلب الوحش» (باراماونت)

رسالة لا تصل

إيضاحاً، يُضاف إلى الكلفة الإنتاجية المعلنة لفيلم «ديغر» (160 مليون دولار وفق أحد التقديرات) نحو 100 مليون دولار للدعاية والإعلام، ممّا يرفع مجموع الكلفة المقدّرة إلى 260 مليون دولار، لا قيمة الخسارة الصافية. هذا شأن كل فيلم آخر، وهو ما يوضح لماذا أخفق «قلب الوحش» تجارياً.

يلتقي «سوشال ريكونينغ» لآرون سوركين مع «ديغر» في أن كليهما فيلم رسالة. الأول يكشف عن سلطة «فيسبوك» ورئيسها مارك زوكربيرغ، في أحداث تشمل فضح التأثيرات السلبية للمنصة وطغيان الثروة، والثاني يهاجم جنوح رأس المال نحو نهب الثروات وضمّها إلى حسابه الخاص.

كلاهما فيلم برسالة متشابهة في موقفه ضد سطوة تقنيات القرن الحالي. يجمعهما كذلك مصير واحد: كلاهما حاول إيضاح الحقيقة عارية أمام المشاهد، لكن هذا كان قد قرّر منذ مدّة بعيدة أنه لا يكترث لما قد يقع للبيئة، ولا لمَن يؤثّر باسم التقنيات العصرية.

إنه موقف لم يتوقّعه أيّ من المخرجين إيناريتو وسوركين (ولا شركتا الإنتاج «وورنر برذرز» و«سوني بيكتشرز»). إيناريتو استند إلى نجاحاته السابقة، والآخر استند إلى نجاح فيلم كان سوركين قد كتبه ونال عنه «أوسكار» أفضل سيناريو مقتبس، هو «سوشال نتوورك»، الذي أخرجه قبل 16 سنة ديفيد فينشر. ليس أن سوركين أقل موهبة من فينشر فقط، بل وصل متأخّراً نحو هدفه.