«كورونا» يغزو «الحزام الشمسي» الأميركي

مخاوف من نوبة تفشٍ جديدة مع عودة النشاط الاقتصادي

أميركية تسير بجانب مركز تجاري مقفل في مدينة نيويورك التي تُعدّ إحدى بؤر تفشي فيروس «كورونا» (أ.ف.ب)
أميركية تسير بجانب مركز تجاري مقفل في مدينة نيويورك التي تُعدّ إحدى بؤر تفشي فيروس «كورونا» (أ.ف.ب)
TT

«كورونا» يغزو «الحزام الشمسي» الأميركي

أميركية تسير بجانب مركز تجاري مقفل في مدينة نيويورك التي تُعدّ إحدى بؤر تفشي فيروس «كورونا» (أ.ف.ب)
أميركية تسير بجانب مركز تجاري مقفل في مدينة نيويورك التي تُعدّ إحدى بؤر تفشي فيروس «كورونا» (أ.ف.ب)

لم تشكل الأرقام الجديدة مفاجأة بعد أن تردد التحذير على نحو مشؤوم لأسابيع من علماء الأوبئة، وعُمَد المدن الصغيرة والمسؤولين الصحيين بالمقاطعات الذين حذروا من حدوث ارتفاع في حالات الإصابة بفيروس «كورونا» بمجرد معاودة النشاط الاقتصادي.
يحدث هذا السيناريو الآن بالفعل في كثير من الولايات الأميركية في عموم البلاد، خصوصاً ما يعرف بمناطق «الحزام الشمسي» وغرب البلاد، حيث أصيب الآلاف من الأميركيين بالفيروس في نوبة تفشٍ جديدة مثيرة للقلق.
على سبيل المثال، تلقت المستشفيات في ولاية أريزونا تحذيرات لتفعيل خطط الطوارئ للتعامل مع فيضان مرضى فيروس «كورونا»، وشهدت ولاية فلوريدا أكبر عدد من الحالات في يوم واحد منذ بداية تفشي الوباء. كذلك فشلت ولاية أوريغون في احتواء انتشار الفيروس في العديد من المناطق، ما دفع حاكم الولاية، الخميس الماضي، إلى إيقاف ما يعرف بإعادة «الفتح التدريجي».
وفي تكساس، قفزت الحالات بسرعة كبيرة في المدن الكبرى، بما في ذلك هيوستن وسان أنطونيو ودالاس.
وفي هذا الصدد، قال إريك جونسون، عمدة دالاس: «إنني قلق للغاية مما يجري»، مشيراً إلى أنه بعد أشهر من التحذيرات وفرض العزلة، توقف العديد من السكان عن ارتداء الأقنعة والحفاظ على مسافة التباعد الاجتماعي. وأضاف: «لقد طالبتهم بالبقاء بعيدين عن أحبائهم لبعض الوقت. وأعلم أن ارتداء القناع ليس بالأمر المريح، لكن الناس متعبون».
ومنذ ما يقرب من شهرين، كانت الولايات المتحدة تبدو كأنها الدولة المفتوحة أو على وشك إعادة الافتتاح، وبدت غير ملتزمة بشكل متزايد بالقيود الرامية إلى الإبطاء من انتشار الإصابة بفيروس «كورونا» المستجد. ومع التخفيف، وربما إزالة كثير من القيود الحكومية المفروضة مع ترك المواطنين لاختيار القرارات الفردية بشأن اتخاذ الاحتياطات، عاد المواطنون الأميركيون مرة أخرى إلى ارتياد الصالونات، والذهاب إلى المطاعم، والظهور في الحدائق العامة، فضلاً عن المشاركة في المظاهرات العامة الكبيرة التي اندلعت في عشرات المدن الأميركية على خلفية سوء سلوكيات بعض عناصر الشرطة الأميركية أخيراً.
وبصفة عامة، فإن هناك حالة ملحوظة من الثبات في حالات الإصابة بالفيروس المستجد في كل أرجاء الولايات المتحدة بشكل أساسي، كأنها عالقة على قمة المنحنى. ولقد بلغ إجمالي حالات الإصابة بالفيروس المستجد نحو مليوني حالة في الولايات المتحدة حتى الآن، وذلك وفقاً لقاعدة بيانات صحيفة «نيويورك تايمز». ويجري الإبلاغ في كل يوم يمر عن نحو 21100 حالة إصابة جديدة في طول البلاد وعرضها، وهو رقم لا يقل كثيراً عن الأعداد المبلغ عنها خلال الشهر الماضي. ويلقى ما يقرب من 800 مواطن حتفهم جراء الإصابة بالفيروس بصفة يومية، غير أن تلك الأرقام انخفضت بصورة ملحوظة منذ بلوغ ذروتها في أبريل (نيسان).
لكن اعتباراً من يوم السبت، كان العدد اليومي المبلغ عنه لحالات الإصابة الجديدة بالفيروس المستجد في تصاعد مستمر عبر 22 ولاية أميركية، في تحول واضح عن المسجل من المسارات التنازلية في كثير من تلك الأماكن. وتدفع حالات الإصابة الجديدة المبلغ عنها حكام تلك الولايات نحو مفترق طرق: إما قبول الواقع الراهن من الزيادات المستمرة في حالات الإصابة باعتبارها تكلفة متوقعة لقرارات إعادة افتتاح الاقتصاد أو التفكير في إبطاء وتيرة رفع قيود الإغلاق العام الرامية إلى وقف انتشار الفيروس أو حتى فرض حزمة جديدة تماماً من القيود على المواطنين.
وفي مدينة هيوستن، حذر أكبر مسؤول منتخب عن المدينة يوم الخميس الماضي، من أن المجتمع يقف على حافة الكارثة المحققة، وحض السكان على الإقلال قدر الإمكان من التواصل مع الآخرين، لا سيما مع الإبلاغ عن 300 حالة إصابة جديدة في تلك المدينة في كل يوم من أيام الأسابيع الأخيرة.
بيد أنه كانت هناك علامات طفيفة مثيرة للقلق في مركز «غاليريا» التجاري في المدينة: كان الناس يصطفون في طابور ضيق المسافات أمام أحد الأكشاك التي تبيع الحلوى والكعك. وفي أحد صالونات التجميل النسائية في كاليفورنيا، شوهد بعض النساء يتلقين بعض الخدمات من دون ارتداء الكمامات الواقية. وعلى الرغم من انتشار اللافتات التي تحض على التباعد الاجتماعي، نرى المتسوقين يتجاوز بعضهم بعضاً عبر الممرات المزدحمة بالمارة خارج كثير من المتاجر ويقف بعضهم على مسافات قريبة للغاية من الآخرين أثناء التسوق.
وفي أغلب أنحاء ولاية فلوريدا، سمحت إعادة افتتاح الحياة العامة بعودة العمل إلى المطاعم، والحانات، ودور السينما، ولكن بنصف طاقتها التشغيلية، فضلاً عن صالات الألعاب الرياضية التي تعمل بكامل طاقتها. وكانت حكومة الولاية، منذ 5 يونيو (حزيران) الحالي، قد خففت من قيود الإغلاق المفروضة حتى مع استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس في مختلف أنحاء الولاية.
وهناك سبب وجيه يربط أحدث موجة من موجات انتشار الإصابة بالفيروس بالعودة المبكرة إلى مظاهر الحياة الطبيعية بصفة نسبية. إذ تواصل تجمعات الإصابة بالفيروس في مرافق إعداد وتجهيز الأطعمة، والمؤسسات العقابية، ودور الرعاية الاجتماعية في إنشاء نقاط الإصابة الساخنة في بعض الأماكن دون غيرها، غير أنها لا تفسر النمط الأوسع من أنماط الإصابة الأخرى.
وشرع أغلب الولايات الأميركية العشر الأكثر تضرراً من تفشي الفيروس، التي قد شهدت ارتفاع معدلات الإصابة بين سكانها، في إعادة الافتتاح بحلول أو قبل 8 مايو (أيار) الماضي. فقد شرعت ولاية لويزيانا، التي بدأت في شهود ارتفاع حالات الإصابة مرة أخرى بعد فترة ممتدة من الانخفاض الملموس، في إعادة الافتتاح مجدداً اعتباراً من 15 مايو الماضي. ومن الولايات الأخرى الأكثر تضرراً بشدة مع كثير من حالات الإصابة المتزايدة، ولاية كاليفورنيا، التي بدأت في إعادة الافتتاح وإنما بصورة تدريجية مع استمرار فرض القيود على بعض المناطق في الولاية.
غير أن كثيراً من الولايات التي كانت بطيئة في قرارات إعادة الافتتاح قد شهدت مساراً مختلفاً تماماً، حتى الآن على أقل تقدير. إذ إن أغلب الولايات العشر الأكثر تضرراً في البلاد من تفشي الوباء - ولكنها تشهد انخفاضاً راهناً في عدد حالات الإصابة اليومية بالفيروس - قد بدأت في تنفيذ إعادة الافتتاح اعتباراً من منتصف مايو الماضي أو ربما في وقت لاحق. وبدأت ولايتا بنسلفانيا وإنديانا فقط في إعادة الافتتاح قبل منتصف مايو. وبعض الولايات الأخرى، مثل ولايات نيو جيرسي أو ميشيغان، قد شرعت في إعادة الافتتاح اعتباراً من يونيو الجاري. وهناك ولايات أخرى، مثل نيويورك وإيلينوي، لا تزال تفرض القيود والإغلاق في المناطق الأكثر تضرراً مع إعادة الافتتاح المتحفظ في المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة من الولاية. ومع ارتفاع إمكانات اختبارات الإصابة، ارتفع كذلك عدد حالات الإصابة المبلغ عنها، ويقول المسؤولون في ولايات مثل أريزونا وفلوريدا أن الارتفاع المسجل في حالات الإصابة يسهل تفسيره - بصفة جزئية - من خلال زيادة توافر الاختبارات.
وقال الدكتور أنتوني فاوتشي، كبير خبراء الأمراض المعدية في البلاد، في مقابلة أجرتها معه شبكة «إيه بي سي» الإخبارية يوم الجمعة الماضي، إنه من المهم للغاية النظر في أعداد حالات الإصابة وفي النسبة المئوية في الاختبارات الإيجابية لتفهم ما إذا كان الارتفاع في عدد الحالات يعكس على وجه الحقيقة الانتشار الأوسع للإصابة بالفيروس في مختلف المدن الأميركية. وقال الدكتور فاوتشي معلقاً: «مع زيادة إجراء الاختبارات، من المرجح العثور على مزيد من حالات الإصابة بالعدوى، وبمجرد ملاحظة أن النسبة المئوية مرتفعة بالفعل، لا بد من اتخاذ الحيطة والحذر، نظراً لأننا نرى وقتذاك حالات الإصابة الإضافية التي كانت خافية علينا تماماً من قبل».
بيد أن علماء الأوبئة في الولايات المتحدة يقولون إنه حتى مع أخذ الزيادة في إجراء الاختبارات بعين الاعتبار، فإن الزيادة في حالات الإصابة المؤكدة في ولايات «الحزام الشمسي» تشير إلى ارتفاع نسب انتشار الفيروس. وهناك مقاييس أخرى، مثل النسبة المئوية للاختبارات الإيجابية والاستشفاء، تشير إلى تلك التوقعات الأكثر سوءاً. ففي ولاية فلوريدا، أكثر من نسبة 4.5 في المائة ممن خضعوا للاختبار بين 31 مايو و6 يونيو قد أصيبوا بالفيروس، مقارنة بنحو 2.3 في المائة من المواطنين الذين سعوا لإجراء الاختبارات في منتصف مايو فقط. وفي وقت سابق من تفشي الوباء، كانت نسبة المواطنين الذين كانت نتائجهم إيجابية في ولاية فلوريدا أعلى بكثير، ولكن ذلك خلال الفترة التي كان إجراء الاختبارات فيها محدوداً بكثير عن الآن. وهناك معدلات مماثلة في أريزونا وتكساس التي ارتفعت أيضاً خلال الأسابيع الأخيرة.
وفي ولاية أريزونا، جرى نقل أكثر من 1400 مواطن ممن يُعتقد بأنهم مصابون بالفيروس إلى المستشفيات يوم الجمعة الماضي، ارتفاعاً من 755 حالة إصابة قبل شهر من الآن، وأعلى من أي نقطة أخرى مسجلة في منحنيات الإصابة بالوباء. وفي ولاية تكساس، كان 2166 مريضاً بفيروس كورونا الذين دخلوا المستشفى يوم الجمعة هم أغلب حالات الإصابة في تلك الولاية.
أما بالنسبة إلى الولايات التي تشهد ارتفاعاً حاداً في حالات الإصابة بالفيروس، خلص بعض المسؤولين إلى النتائج السابقة نفسها: أي ارتفاع حالات الإصابة كان من الأنباء المؤسفة للغاية ولكن لا محيد عنها بحال.
تقول الدكتورة كارا كرايست، مديرة الصحة العامة في ولاية أريزونا: «لن نتمكن من وقف انتشار الفيروس، ولكننا لا نتوقف عن الحياة أيضاً».
ويشير علماء الأوبئة في البلاد إلى عامل آخر من شأنه أن يسفر عن مزيد من انتشار الإصابة بالعدوى الفيروسية خلال الأيام المقبلة، ألا وهو الاحتجاجات العارمة المنتشرة في كل أرجاء البلاد، حيث يخرج المتظاهرون في مسيرات حاشدة كتفاً إلى كتف ومن دون كمامات واقية في أغلب الأحيان.
وتخضع مدينة مينيابوليس - التي شهدت شرارة الاحتجاجات الأولى إثر مقتل الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد - للرصد والمراقبة عن كثب بصورة خاصة، على الرغم من أن مسؤولي الصحة في المدينة يقولون إنه من السابق لأوانه كثيراً الوقوف على تأثير المظاهرات على انتشار الفيروس بين جموع المواطنين.
وجاءت نتائج اختبارات عدد قليل من أفراد الحرس الوطني في ولاية مينيسوتا إيجابية من الذين جرى استدعاؤهم للسيطرة على الاحتجاجات العارمة في المدينة، كما تم إنشاء كثير من مواقع إجراء الاختبارات لأجل المتظاهرين.
* خدمة «نيويورك تايمز»
ولقد جرى ربط ما لا يقل عن 30 حالة إصابة بالفيروس على الصعيد الوطني بالاحتجاجات المستمرة في البلاد، بما في ذلك 10 من أفراد الحرس الوطني وضابطا شرطة في ولاية نبراسكا. وشرع متعقبو التواصلات في مدينة شيكاغو، وغيرها من الأماكن، في سؤال المواطنين الذين كانت نتائجهم إيجابية للإصابة بالفيروس ما إذا كانوا قد شهدوا الاحتجاجات في الشوارع من عدمه.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».