«نهايات الليل»... كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة

ترجمة مغربية لقصص المكسيكي إدواردو أنطونيو

«نهايات الليل»... كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة
TT

«نهايات الليل»... كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة

«نهايات الليل»... كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة

في مجموعته القصصية «نهايات الليل»، يزج بنا الكاتب المكسيكي إدواردو أنطونيو بارا بين أتون «مغامرات مفعمة بطعم القسوة والعنف، في مدن المكسيك المتاخمة للولايات المتحدة»، لتصير «نهايات الليل» بهذا المعنى، كما يقول عنها مترجمها المغربي أحمد الويزي «رواية في تسع حلقات عن ليل الهوامش والهامشيين: الشواذ والمنبوذين والهاربين من وعيد الانتقام وإنذار الخيانة؛ هؤلاء السهارى والسكارى والمصابين بلوثة الحزن والحنين الذين يعيشون بمفردهم ليلاً آخر مضاعفاً من العزلة والوحدة والضياع، في مدن تخومية بلا قلب».
لم يكتفِ الويزي بترجمته للمجموعة القصصية للكاتب المكسيكي، الصادرة عن دار النشر الأردنية «خطوط»، متضمنة قصصاً ساحرة «تشد على خناق القارئ منذ الأسطر الأولى»، وهي «القسم» و«لذة الموت» و«لحظات ليلية هاربة» و«فراغ ذريع» و«البئر» و«كيف تمضي الحياة» و«القناص» و«المتاهة»، بل عمل على تحفيز القارئ، من خلال مقدمة انطلق فيها من الصُّدفة التي أفضت به إلى التعرّف على العالم القصصي المميّز لكاتبها الذي ينتمي إلى الاتجاه الأدبي الذي أبدع فيه على نحو مدهش مواطنه خوان رولفو صاحب المجموعة القصصية الفريدة «سهل الإليانو المحترق» الذي يُعد بحق أبدع رواد المدرسة الأدبية الطبيعية الإيبيرو-أميركية في كتابة القصة القصيرة والرواية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
يشدد الويزي، في مقدمة ترجمته لـ«نهايات الليل»، على أن «أول ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة الرائعة هو التوليفة الموضوعاتية التي تجمع بين قصصها كافة، إذ اختار لها بارا إطاراً دينامياً واحداً يُهيْكلها، هو زمن الليل، أو بالأحرى زمن نهاية الليل». ولذلك، جاءت ليلية بامتياز، تقع فيها الأحداث الحاسمة ضمن «اللحظات الفارقة من عمر الليل المكسيكي». ومن ثم، فـ«ليس من قبيل الاعتباط أن يركز عنوان المجموعة على لحظة الـنهاية، باعتبارها حداً فاصلاً بين زمنين: الليل والنهار».
وإلى جانب الإطار المميز الذي يحيل على «زمن البيْن-بيْن المفعم بالالتباس والتوتر» لأن «نهاية الليل هي فترة فاصلة بين زمن الظلمة والنور»، بمعنى «تأطرها ضمن اللحظات الأخيرة التي ينزع فيها الليل إلى الموت، بينما يندفع أثناءها النهار إلى التولد، عبر توليفة رمادية رفيعة يختلط فيها الضوء بالعتمة، والسواد بالبياض»، يشير الويزي إلى أن بارا «اختار إطاراً مكانياً مشبعاً كذلك بدلالة البيْن-بيْن، تحبل تربته بعدة تفاعلات وتجاذبات واضطرابات، وذلك باختيار مدن مكسيكية متاخمة للولايات المتحدة مسرحاً للقصص: مونتيري وسيوداد خواريز الواقعتين في الشمال خاصة»، حيث «طبع هذا الاختيارُ شخوصَ المجموعة بسمته البارزة، وجعلها كائنات تعيش أوضاعاً ليلية تمور بالقلق والاضطراب والتقلب»، بحيث يُلاحَظ أن شخصيات «نهايات الليل» كافة هي تقريباً «شخصيات نواسة، تعيش قلقاً محموماً بين الهنا والهناك، يعمقه تقلبها الحرون بين لحظة الآن ولحظة ما قبل الآن، بين الواقع والذاكرة والحلم المفتوح على الرغبة التي قد تتحقق، وكثيراً ما لا تتحقق».
وبناء على هذا التأرجح القلق بين عوالم الزمان والمكان المتقابلة، يضيف الويزي: «يلعب الزمن النفسي المتموج المتقلب، متمظهراً في عناصر الرغبة والذاكرة والحلم وهواجس الخوف، دوراً محورياً في قصص هذه المجموعة، وإليه يؤول الحسم النهائي في كثير من الأحيان، إذ سرعان ما ينقلب السرد المتوالي الاطراد في عدة قصص إلى ارتدادات استرجاعية، ويغدو الحوار مجرد مونولوغ هذياني، لأن لحظة الحاضر غالباً ما ترتهن للماضي، فتتحول بذلك مصائر الشخصيات القصصية إلى مجرد نهايات تراجيدية تكون قد تقررتْ سلفاً، بالدم والإصرار على الثأر، لا يمكن لأي شخصية منها أن تهرب من الحتمية المقضية».
وإلى جانب ذلك، تتميز هذه الشخوص الليلية كافة بكونها «كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة القاتلة في أمكنة تعج بالآخرين»، تلوك «هذيانها المحموم بمفردها، حتى إن ظل المكان الذي يأويها يجمع بينها وبين أشباهها من (خفافيش) الليل الباحثة عن المتعة والصحبة والسمر. وكأن الكل يحيا في خلية تعج بالنسخ والأشْباه، إنما ضمن عزلة الخُرْنوب الخاص الذي هو خرنوب الذاكرة الموارة والوحدة القاتمة».
يتعلق الأمر بشخصيات استثنائية، بقدر ما هي «مسكونة بالخشونة والغلظة والفظاظة والعنف»، تبقى «أسيرة لمشاعر رقة وتحنن آسرة، تنتهي بجعل القارئ يتعاطف معها حتى في أشد حالات القسوة التي تصدر عنها». ومن ذلك ما تطالعنا به قصة «البئر»، حيث نقرأ: «إذن، أنتَ بهذا تخاف من الظلام؟ يا لسوء حظك، يا ولدي! يبدو أنك تعودْت على حياة المدينة. هنا، الليالي طويلة. في بعض الأحيان، يمتد الليل ليصل إلى اثنتي عشرة ساعة، فيلقنك بأن الأسوأ هو الضوء، والشمس، وامتداد النهار السحيق. هذا، نعم، إنه خطير: يعمي الأبصار، ويقتل. يُذهب ببطء بَشَرَتك وحنجرتك ولسانك، وينتهي بك إلى الموت على نار هادئة. عكس الظلمة تماماً، فهي رطبة وممتعة، ويمكنك التنقل بين أحضانها، مثلما تتنقل السمكة في الماء. هيا، تقدمْ، ولا تتباطأ. لستُ أدري لماذا لا تسير على نحو مستقيم، ما دام يكفيك أن تتبع مسار الحبل. أنا دليلك. لا تتوقف. انظر إليّ: أنا رجل عجوز وأعرج ورجلاي ملتويتان، ومع ذلك لا أسير مائلاً أبداً، ولا أتهاوى على الأرض. لا، ليس لك عذر. أنت فتى يافع، وبرجلين سويتين. إيه، اسمع... ربما هذه أصوات الذئاب، أليس كذلك؟! لا، إنها من فصيلة الكُيوط. في بعض الأحيان، تقترب من البئر. هيا، قمْ، سنستأنف السير. انهض، انهض... مع انصرام العمر، يأتي على المرء حينٌ من الدهر، لا يكون فيه بحاجة إلى أن يبصر أبداً. لهذا السبب، نصبح نحن الشيوخ بلا شك عمياناً من غير أن نشعر بذلك، إذ نكون قد رأينا الكثير من الأمور، فتشرع العيون في العبوس والتقطيب، ولا ترغب في عدها في رؤية أي شيء، فتعبر بمثل ذلك عن الشكوى. حينها، يتعين علينا تركها لتستريح، وهذا أفضل. أنا اليوم، مثلاً: إذا انتُزعَتْ مني العينان، فلن أقاوم بالكل. إنهما أنجزتا مهمتهما الأخيرة: رؤيتك، والتعرف عليك... أنت لا تصدق، أليس كذلك؟! أما أنا، فهذا ما أعتقده. أنا متأكد من أنه كان يتعين على الظلمة أن تكون عنصراً فعالاً بالنسبة إلى الإنسان».
ويشير الويزي إلى أن الكاتب «استعمل على نحو حاذق مجموعة من عناصر الكتابة السردية السينمائية، حيث يتم التبئير في كثير من القصص على مشاهد وحركات وملامح وأعضاء جسدية بعينها، من خلال تنويع الرؤية وتكثير الإطارات»، إلى جانب «تقنية التقطيع المعتمدة في كتابة السيناريو السينمائي، وخاصة سيناريو الفيلم القصير»، كما أبدع في «وضع النهايات غير المتوقعة لقصصه».
وإدواردو أنطونيو بارا كاتب مكسيكي معاصر، وُلِد بمدينة ليون المكسيكية، سنة 1965، ودرس الآداب الإسبانية بجامعة نويبو ليون، ثم تخرج منها، وعمل في الصحافة الأدبية، وحصل على جائزة خوان رولفو سنة 2000، ثم جائزة أنطونين أرثو سنة 2009، عن «نهايات الليل».



بين الاكتفاء بالعائلة والعزلة... لماذا قد تشعر بأنك لست بحاجة لأصدقاء؟

بعض الأشخاص يعتمدون على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم (بيكسلز)
بعض الأشخاص يعتمدون على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم (بيكسلز)
TT

بين الاكتفاء بالعائلة والعزلة... لماذا قد تشعر بأنك لست بحاجة لأصدقاء؟

بعض الأشخاص يعتمدون على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم (بيكسلز)
بعض الأشخاص يعتمدون على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم (بيكسلز)

ثمة أسباب عديدة قد تدفعك إلى القول: «لستُ بحاجة إلى أصدقاء»، أو إلى التساؤل ببساطة: «لماذا ليس لديّ أصدقاء؟». أحد التفسيرات المحتملة هو شعورك بأن الصداقة لا تضيف قيمة كبيرة إلى حياتك. وتفسير آخر قد يكون أنك تحظى بالفعل بدعم اجتماعي كافٍ من عائلتك، فلا ترى حاجة إلى تكوين دائرة واسعة من الأصدقاء أو المعارف، بحسب موقع «فيري ويل هيلث».

ومهما تكن أسبابك، فقد يكون من المفيد أن تتعرّف إلى مصدر هذا الشعور بعدم الحاجة إلى أصدقاء (أو إلى أسباب عدم وجود أصدقاء لديك)، وأن تدرك مدى شيوع هذه التجربة، إلى جانب الاطلاع على بعض فوائد تكوين الصداقات.

أسباب شعورك بعدم الحاجة إلى أصدقاء

إذا كنت تشعر بأنك لا تملك أصدقاء في حياتك، فهناك عدة عوامل قد تفسّر هذا الشعور، من بينها:

تفضيل العزلة: يفضّل بعض الأشخاص قضاء الوقت بمفردهم على الوجود بصحبة الآخرين، ولا سيما مَن يميلون إلى الانطواء.

الخوف من خيبة الأمل: كغيرها من العلاقات الاجتماعية، تنطوي الصداقة على توقعات متبادلة وعلى قدر من الأخذ والعطاء. فإذا كنت تخشى عدم قدرتك على تلبية هذه التوقعات، أو تعتقد أن الآخرين قد يخيّبون ظنك، فقد تتجنب الصداقات لتقليل احتمالات الإحباط أو خذلان الآخرين.

القرب من العائلة: قد تشعر بأن أفراد عائلتك يقومون مقام الأصدقاء في حياتك. فإذا كانوا يوفّرون لك التواصل والدعم اللذين تحتاج إليهما، فقد لا ترى ضرورة للبحث عن صداقات خارج هذا الإطار.

الخوف من التعرّض للأذى مجدداً: إذا مررت بتجربة مؤلمة مع صديق في الماضي، فقد تنشأ لديك صعوبات في الثقة بالآخرين. ونتيجة لذلك، قد تتردد في بدء صداقات جديدة.

الانشغال الشديد: يتطلب بناء الصداقات والحفاظ عليها وقتاً وجهداً. وإذا كنت منشغلاً بالتزامات أخرى، مثل العائلة أو العمل أو الدراسة، فقد تشعر بأنك لا تملك الوقت أو الطاقة الكافيين لتخصيصهما للأصدقاء.

ومن الأسباب الرئيسية التي قد تجعل بعض الناس يمتلكون عدداً قليلاً من الصداقات اعتمادُ الكثيرين على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم. وتشير الدراسات الاستقصائية إلى أن الناس باتوا يعتمدون على الأصدقاء كمصدر رئيسي للدعم بدرجة أقل مما كان عليه الحال في الماضي. فعلى سبيل المثال، في عام 1990، أفاد 26 في المائة من البالغين بأنهم سيلجأون أولاً إلى صديق مقرّب عند مواجهة مشكلة شخصية، بينما في عام 2021، قال 16 في المائة فقط إنهم سيتحدثون إلى صديق قبل أي شخص آخر.

لماذا ليس لديك أصدقاء؟

لماذا يُبلّغ العديد من الشباب عن قلة أصدقائهم أو انعدامهم؟ على الرغم من أن الأسباب الدقيقة لا تزال غير واضحة تماماً، فإن تزايد استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي دوراً رئيسياً في ذلك.

فقد أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة يميلون إلى الشعور بمستويات أعلى من الاكتئاب والوحدة.

كما أسهمت جائحة «كوفيد-19» في تغيير واقع الصداقة لدى كثير من البالغين في الولايات المتحدة. فقد أفاد نحو 60 في المائة من الشابات بفقدان التواصل مع بعض الصديقات خلال الجائحة، بينما ذكرت 16 في المائة أنهن فقدن التواصل مع معظم أو جميع صديقاتهن.

وتشير استطلاعات الرأي كذلك إلى أن الشباب قد يواجهون صعوبة في بناء علاقات اجتماعية وثيقة؛ إذ لا يملك 28 في المائة من الرجال دون سن الثلاثين أي علاقات شخصية قريبة.

هل من الطبيعي ألا يكون لديك أصدقاء؟

إذا كنت تردد في نفسك: «ليس لدي أصدقاء»، فقد تتساءل عما إذا كان هذا الأمر طبيعياً. ورغم أن الدراسات تؤكد أهمية الصداقة للصحة النفسية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون محاطاً بالآخرين أو أن تمتلك قائمة طويلة من الأصدقاء المقرّبين كي تكون سعيداً أو تتمتع بصحة جيدة.

يتوقف تأثير قلة الأصدقاء في صحتك النفسية على نظرتك الشخصية إلى الأمر ومشاعرك حياله. وبعبارة أخرى، ثمة فرق كبير بين أن تقول: «لست بحاجة إلى أصدقاء»، وأن تشعر: «ليس لدي أصدقاء».

إذا كنت سعيداً وراضياً من دون أصدقاء، فقد لا يكون لذلك أثر سلبي عليك. بل إن للوحدة جوانب إيجابية أيضاً؛ إذ ربطت بعض الدراسات بين العزلة وقضاء الوقت منفرداً وبين آثار مفيدة، مثل:

- زيادة الإبداع

- تحسين التركيز والذاكرة

- تعزيز الوعي الذاتي

- رفع مستوى الإنتاجية

- إتاحة مزيد من الوقت للنمو الشخصي

كما تشير أبحاث إلى أن قضاء الوقت بمفردك قد يسهم في تحسين العلاقات القائمة. فقد أظهرت بعض الدراسات أن الأشخاص ذوي الذكاء العالي، كلما زاد الوقت الذي يقضونه مع الأصدقاء، انخفض مستوى رضاهم. ومن ثم، قد يتيح لك القيام ببعض الأمور بمفردك شعوراً أكبر بالرضا والسعادة تجاه علاقاتك بالآخرين في حياتك.


اكتشاف أثري... البشر اصطادوا وأكلوا أسماك القرش قبل 7 آلاف عام

سمكة قرش تسبح في المياه (أرشيفية - رويترز)
سمكة قرش تسبح في المياه (أرشيفية - رويترز)
TT

اكتشاف أثري... البشر اصطادوا وأكلوا أسماك القرش قبل 7 آلاف عام

سمكة قرش تسبح في المياه (أرشيفية - رويترز)
سمكة قرش تسبح في المياه (أرشيفية - رويترز)

كشفت أبحاث جديدة أن سكان جنوب الجزيرة العربية في العصور القديمة كانوا يتناولون أحد أبرز المفترسات البحرية - أسماك القرش.

ووفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، تركّز الدراسة، التي نُشرت أخيراً في مجلة «Antiquity»، على مقبرة في وادي نفون، وهو موقع أثري في سلطنة عُمان يعود تاريخه إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد.

وجاء في بيان صحافي صدر في يناير (كانون الثاني) عن المعهد الأثري التابع لأكاديمية العلوم التشيكية (ARUP) في براغ أن المقبرة الميغاليثية توفّر «أدلة مفصّلة حتى الآن عن النظام الغذائي وحركة مجتمعات العصر الحجري الحديث في المنطقة».

عمل علماء الآثار في الموقع منذ عام 2020، في ظل مناخ قاحل لم يحفظ سوى القليل جداً من البقايا العضوية.

وبناءً على ذلك، جمعوا عينات من الأسنان وأخضعوها للتحليل في جمهورية التشيك.

قال عالم الأنثروبولوجيا ييري شنيبرغر إن الفريق استخدم تحليل النظائر المستقرة لإعادة بناء النظام الغذائي للسكان القدماء - وهو ما أشار، بحسب البيان، إلى احتمال تناول لحم القرش.

وأضاف: «استناداً إلى النتائج الأولية لتحليل النظائر المستقرة المستخدم لإعادة بناء النظام الغذائي، نرجّح أن السكان الذين درسناهم ربما اعتمدوا على لحم القرش بوصفه أحد مصادرهم الرئيسية للغذاء والتغذية».

وقالت ألجبِيتا دانييليسوفا، عالمة الآثار في «ARUP» وقائدة البعثة، إن هذه الدراسة هي الأولى من نوعها.

وقالت دانييليسوفا: «للمرة الأولى على الإطلاق، تمكنَّا من توثيق صيد متخصّص لمفترسات بحرية استناداً إلى بيانات من العلوم الطبيعية، مباشرة من خلال تحليل المجتمع المحلي المدفون».

وأضافت: «ارتباط هذه الجماعة المدفونة بأسماك القرش مثير للاهتمام للغاية، ويمثّل اكتشافاً جديداً - ليس فقط لمرحلة ما قبل التاريخ في الجزيرة العربية، بل لجميع ثقافات العصر الحجري الحديث في المناطق القاحلة». وقالت: «نحن نعلم أن هذه لم تكن مجرد بروتينات عادية، بل بروتينات من قمة السلسلة الغذائية».

ويعتقد مسؤولون أن للدراسة تداعيات دولية، فيما لا تزال الأبحاث حول الموقع - والأسنان التي عُثر عليها فيه - مستمرة.

وقال الباحثون إن النتائج حتى الآن تُعد دليلاً على «استراتيجية معيشية شديدة المرونة والتكيّف - تجمع بين الصيد وجمع الثمار والرعي والاستغلال المنهجي للموارد البحرية».

وأضاف البيان أن «النتائج تُظهر، على نطاق عالمي، كيف تكيَّف البشر مع مجموعة واسعة من الظروف البيئية والمناخية».

وتابع: «كما تؤكد أن وادي نفون كان يعمل لأكثر من ثلاثة قرون كموقع طقوسي مركزي وحَّد مجموعات مختلفة في أنحاء المنطقة».


الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
TT

الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)

ليس من المستغرَب مؤخراً أن يتحوّل طلب المتابعة على «لينكد إن» إلى طلب مواعدة. فالمنصة التي ارتبطت وما زالت بالمحتوى المهني والوظيفيّ تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مساحة خصبة للتلاقي العاطفي. هنا، ما عاد البحث جارياً فقط عن الشراكات المالية والاستثمارية والمهنية، بل عن شريك حياة.

لطالما نُظِرَ إلى «لينكد إن»، منذ تأسيسها عام 2002، على أنها أكثر منصّات التواصل الاجتماعي جدّيّةً. اقتصر استخدامها على الراغبين في التطوّر مهنياً أو في الحصول على وظيفة، لكنّ السنتَين الأخيرتَين شاهدتان على تواصل من نوعٍ آخر على المنصة. تتعدّد أسباب هذا التحوّل، على رأسها التعب والملل من تطبيقات المواعدة المعروفة، إضافةً إلى ميزة لدى «لينكد إن» هي أنها أكثر المنصّات مصداقيةً من حيث المعلومات المنشورة عن المستخدمين.

إدارة «لينكد إن» لم تُرِد لنفسها هذا المصير بدليل التصريح الذي أدلت به إلى مجلّة «نيوزويك» الأميركية عام 2024، تعليقاً على لجوء الناس إليها بحثاً عن شركاء عاطفيين. «(لينكد إن) مجتمع مهني، ونحن نشجع المستخدمين على المشاركة في حوارات هادفة وصادقة»، قال متحدّث باسم الشركة. وأضاف: «يُعدّ التحرش العاطفي أو أي شكل من أشكال المضايقة انتهاكاً لقواعدنا. ويمكن للمستخدمين الإبلاغ عن أي حالة تحرّش، ما يسمح لنا باتخاذ الإجراءات اللازمة».

لماذا تحوّلت «لينكد إن»؟

* مصداقيّة المنصة

غالباً ما يعتمد مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الزيفَ والنفاق في التعريف عن أنفسهم. ليس أسهل من استخدام صورة شخصية مزيّفة على «إنستغرام»، أو ادّعاء منصب مهني على فيسبوك، أو انتحال شخصية على «إكس». إلا أن «لينكد إن» ليس مكاناً مناسباً للهو، وهنا يكمن أحد عناصر جاذبيّته بالنسبة للساعين إلى علاقة عاطفية جادّة.

ما يضاعف عنصر المصداقية أن هذا الموقع المخصص للتواصل المهني، يطلب من المستخدمين ربط صفحاتهم الشخصية بصفحات أصحاب العمل الحاليين والسابقين.

تتميز «لينكد إن» عن سواها من منصات في المصداقية بعرض المعلومات الشخصية (لينكد إن)

يقول خبير الإعلام الرقمي ومنصات التواصل بشير التغريني في هذا الإطار، إنّ «المعلومات الشخصية على (لينكد إن) غالباً ما تكون دقيقة، من هنا تأتي ثقة المستخدم الباحث عن علاقة جادّة». لكن التغريني يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه مقابل الباحثين عن شريك عبر «لينكد إن» عن سابق إدراك، «ثمة مَن يفعلون ذلك من دون وعيٍ بماهيّة المنصة بل لمجرّد رواجها مؤخراً».

* سهولة الاختيار والتواصل

من بين الأسباب التي فتحت الطريق إلى التواصل العاطفي على «لينكد إن»، أنّها المساحة الافتراضية الأقرب إلى الواقع. هنا، يستطيع المستخدم تعزيز فرَصِه والاختيار على أساس المواصفات الشخصية والمهنية التي تناسبه. بكبسة زرّ واحدة، يمكنه الاطّلاع على السيرة الذاتية بتفاصيلها، بما فيها الدراسة والوظائف والهوايات والاهتمامات والأنشطة الإنسانية والخيريّة.

كما أنّ المقاربة على «لينكد إن» ليست معقّدة ولا هي مدعاة للإحراج، إذ يمكن أن يتّخذ التواصل الأول شكل طلب نصيحة مهنية أثناء احتساء فنجان قهوة. وهكذا مقاربة تَقي من الضغوط والارتباك المصاحِبة عادةً للمواعدة.

تأسست «لينكد إن» عام 2002 بهدف تسهيل العثور على فرص عمل (رويترز)

* الإرهاق من تطبيقات المواعدة

يشتكي عدد كبير من مستخدمي تطبيقات المواعدة مؤخّراً من إرهاق، وخيبة، وملل من تلك المنصات المخصصة للبحث عن شركاء عاطفيين. ومن دون الغوص في تفاصيل الأسباب المتراوحة بين عدم الجدّيّة، والاختفاء المفاجئ، والابتزاز، وعدم التكافؤ الفكري، يفرض «لينكد إن» نفسه منصة عاطفية بديلة.

يشرح التغريني أن «الناس باتوا متردّدين في التعامل مع منصات المواعدة المعروفة مثل (تيندر) و(بامبل) وغيرهما، كما أنهم يُبدون حذَراً تجاه تلك المنصات تفادياً للصدمات السلبية والابتزاز الجنسي».

مستخدمو تطبيقات المواعدة مرهَقون منها ووجدوا البديل في «لينكد إن» (بكسلز)

* «ميكس» العمل والتسلية

فرض الجيل زد أو «الجيل الرقمي» خلال العقد الماضي تحوّلاً في العقلية الرقمية. لا يعترف هذا الجيل بالحدود المرسومة للمنصات وهي كلّها متداخلة وفق نظريته. قد يستخدم أبناء هذا الجيل «إنستغرام» مثلاً كمنصة لإيجاد فرص عمل وبناء شبكاتٍ مهنية، ويتعامل مع «لينكد إن» كرديفٍ لتطبيقات التعارف مثل «بامبل» و«تيندر». لا يمانع الجيل الجديد الدمج ما بين العمل والتسلية، وهذا ما فرض التحوّل المستجدّ على «لينكد إن».

* «لينكد إن cool»

منذ مدّة تشهد منصة «لينكد إن» على تحوّلاتٍ تجعلها تبدو أقلّ جدّيةً وصرامة، فالنشر عليها ما عاد ينحصر بالوظائف الشاغرة والإنجازات المهنية. تجد المقولات الملهمة هنا والصور والفيديوهات الطريفة هناك، إلى جانب ظهور مؤثّرين على «لينكد إن» كما هي الحال على المنصات الأخرى مثل «إنستغرام» و«تيك توك»، والتي تُعتبر cool مقارنةً مع «لينكد إن».

تقترب «لينكد إن» مؤخراً من المنصات الأخرى لناحية المحتوى الخفيف وانتشار ظاهرة المؤثرين (بيكساباي)

أخلاقيّات الحبّ على «لينكد إن»

في وجه هذا الاجتياح العاطفي لـ«لينكد إن»، ثمة عدد كبير من المستخدمين المستهجنين لما يحصل. يجدون أنه من المتطفّل وغير اللائق استعمال المنصة وسيلةً للعثور على شركاء عاطفيين.

أما الأخطر من ذلك فهو المزج بين العاطفي والمهني في مساحة مخصصة أصلاً للأعمال والوظائف. وثمة قناعة بأنّ مَن يتجاوزون الهوية المرسومة للمنصة يُخاطرون بعلاقاتهم المهنية وسُمعتهم، فالأمرُ أَشبَه بالمغازلة في المكتب.

يوافق التغريني هذا الرأي معتبراً أنّ «مقاربة شخص على (لينكد إن) بهدف التعارف ليس بالأمر المهني». ويضيف خبير الإعلام الرقمي أن «المحترفين والعارفين بهويّة تلك المنصة من المستبعد أن يستجيبوا أو أن يستسيغوا فكرة أن يتقرب منهم أحد لأسباب عاطفية على (لينكد إن) تحديداً». هذا بصورة عامة، أما عندما يتعلّق الأمر بموظّفين في الشركة نفسها فيصبح أكثر تعقيداً.