إقالات وتنقلات وتعيينات واسعة شملت نصف الولاة في تركيا

باباجان «لا يخشى الاعتقال» وينتقد {خنق الحريات}

إردوغان يلقي خطاباً بعد اجتماع وزاري في أنقرة الثلاثاء (أ.ف.ب)
إردوغان يلقي خطاباً بعد اجتماع وزاري في أنقرة الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

إقالات وتنقلات وتعيينات واسعة شملت نصف الولاة في تركيا

إردوغان يلقي خطاباً بعد اجتماع وزاري في أنقرة الثلاثاء (أ.ف.ب)
إردوغان يلقي خطاباً بعد اجتماع وزاري في أنقرة الثلاثاء (أ.ف.ب)

أصدر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قرارات بإقالة وتعيين ونقل نصف الولاة في ولايات تركيا البالغ عددها 81، في الوقت الذي واصلت فيه السلطات حملات الاعتقال المستمرة منذ 3 أيام في صفوف الجيش والشرطة بزعم ارتباط عناصر منهما بحركة الخدمة التابعة لفتح الله غولن الذي تتهمه بتدبير محاولة انقلاب فاشلة شهدتها تركيا في 15 يوليو (تموز) 2016.
في غضون ذلك، قدم محامي حزب الشعوب الديمقراطي (مؤيد للأكراد) طعنا أمام المحكمة الدستورية في قرار البرلمان بإسقاط عضوية اثنين من نوابه. وانتقد رئيس حزب الديمقراطية والتقدم المعارض، علي باباجان، ممارسات حكومة إردوغان التي أفقدتها سمعتها على الساحة الدولية، وقادتها إلى حالة الفقر التي كانت عليها في سبعينات القرن الماضي. ونشرت الجريدة الرسمية في تركيا، أمس (الأربعاء)، سلسلة مراسيم تضمنت تعيين 18 والياً جديداً، ونقل 23 آخرين بين الولايات. وعُيّن 17 واليا ممن عُزلوا من مناصبهم في الولايات ككبار مفتشين بعدد من الوزارات، بينما تقرر تعيين والي ولاية موغلا (جنوب غربي تركيا)، ضمن فريق كبار مستشاري الرئيس التركي.
وجاءت حركة الولاة الذين عينتهم وزارة الداخلية بعد أن سبق وشنت السلطات التركية حملة إقالات شملت نحو 60 رئيس بلدية منتخبا من التابعين لحزب الشعوب الديمقراطي في شرق وجنوب شرقي البلاد من مناصبهم، وتعيين أوصياء من الحزب الحاكم في مناصبهم بزعم دعمهم للإرهاب وارتباطهم بحزب العمال الكردستاني المحظور، وكان من أبرزهم أحمد تورك رئيس بلدية ماردين، وعدنان سلجوق مزراقلي رئيس بلدية ديار بكر، وبديعة أوزجوكتشيه أرطان رئيسة بلدية وان، واعتُقِل الأخيران. وكانت آخر مجموعة من رؤساء البلديات تمت إقالتهم في مايو (أيار) الماضي، حيث احتجزت السلطات 4 من رؤساء البلديات في مناطق ذات غالبية كردية في إطار تحقيقات في مزاعم حول صلتهم بالإرهاب.
في الوقت ذاته، واصلت السلطات التركية، أمس، لليوم الثالث على التوالي حملات الاعتقالات في صفوف الجيش والشرطة والمواطنين في إطار تحقيقات تتعلق بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو 2016، والتي ينسبها الرئيس رجب طيب إردوغان إلى حركة الخدمة التابعة لفتح الله غولن. وأصدرت النيابة العامة بولاية إزمير، غرب تركيا، فجر أمس، أمر اعتقال جديد بحق 63 شخصا بينهم عناصر من الشرطة سبق فصلهم من عملهم بموجب مراسيم أصدرها إردوغان في ظل حالة الطوارئ عقب محاولة الانقلاب.
وجاءت أوامر الاعتقال في إطار تحقيقات مركزها إزمير، وشملت أيضا كلا من إسطنبول ومرسين. ويواجه المطلوبون اتهاما بتأمين المؤن والمساعدات المالية للمشتبه في انتمائهم إلى حركة غولن، التي أعلنتها الحكومة منظمة إرهابية تحت اسم « منظمة فتح الله غولن».
وفور صدور قرار الاعتقال، أطلقت قوات مكافحة التهريب والجريمة المنظمة والإرهاب، التابعة لولاية إزمير، عمليات أمنية متزامنة مدعومة من القوات الخاصة؛ لضبط المطلوبين. وأصدر الادعاء العام في إزمير، أول من أمس، أوامر اعتقال بحق 191 من عناصر القوات الجوية ممن يزعم وجود اتصالات لهم مع حركة غولن. كما أصدر الادعاء العام في بالكسير وبورصة وكونيا، يوم الاثنين الماضي، أوامر اعتقال بحق 149 من قيادات وعناصر الشرطة والمدنيين بتهمة الارتباط بحركة غولن والتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة. واعتقلت السلطات التركية في الأسبوع الماضي 118 آخرين من صفوف الجيش في حملة مشابهة.
وإجمالا، اعتقلت السلطات التركية أكثر من 80 ألفا واحتجزتهم بانتظار المحاكمة، وفصلت أو أوقفت عن العمل أكثر من 180 ألفا آخرين، في حملة استهدفت من يشتبه بانتمائهم لحركة غولن، لكنها توسعت لتشمل مختلف أطياف المعارضين لإردوغان. وتثير الحملة انتقادات داخلية وخارجية واسعة لإردوغان.
في سياق مواز، قدم محامو حزب الشعوب الديمقراطي طعنا أمام المحكمة الدستورية العليا، أمس، ضد قرار البرلمان بإسقاط عضوية نائبي الحزب، ليلى جوفان وموسى فارس أوغللاري، يوم الخميس الماضي، حيث اعتقلتهما السلطات في اليوم التالي بموجب تأييد محكمة الاستئناف العليا في تركيا قرارين بحبسهما بتهم تتعلق بدعم الإرهاب، بينما قال المحامون إنه لم يتبق من عقوبتيهما إلا شهران وهو ما يستوجب عدم وضعهما بالسجن، وإن ما حدث معهما هو انتهاك لحقوقهما القانونية.
وكان البرلمان أسقط أيضا عضوية نائب حزب الشعب الجمهوري عن مدينة إسطنبول أنتيس بربر أوغلو لاتهامه بالتجسس العسكري، بسبب تسريبه مقطع فيديو حول نقل أسلحة إلى «تنظيم داعش» الإرهابي في سوريا عام 2014 في شاحنات كان يرافقها عناصر من المخابرات التركية.
في السياق ذاته، أكد رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» التركي المعارض علي باباجان أنه لا يخشى ما يتردد حول إمكانية اعتقاله، مشيرا إلى أن الرئيس رجب طيب إردوغان وحكومته أفقدا تركيا سمعتها على الساحة الدولية بسبب الممارسات المناهضة لحرية الرأي والتعبير وحبس الصحافيين والمعارضين. وأضاف أن إردوغان أعاد تركيا إلى دولة فقيرة كما كانت عليه في السبعينات من القرن الماضي، موضحا أن مناخ الحرية كفيل بتحسين الوضع الاقتصادي بالبلاد، وضرب المثل بفترة النمو الاقتصادي التي شهدتها البلاد عندما كان مسؤولا عن ملف الاقتصاد، سواء كوزير للاقتصاد أو نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، لافتا إلى أن تلك الفترة شهدت تزايد الحريات في تركيا، «أما الآن فهناك صحافيون لا يزالون قيد الاعتقال والمحاكمات، كما يوجد صحافيون بلا عمل بسبب قمع النظام الحاكم، وفي ظل هذه الضغوط لا يمكن للصحافيين طرح الأسئلة بحرية، فحرية التعبير هي مفتاح حل المشكلات، والحكومة تحظر حتى مجرد الكلام لأنها لا تستطيع حل المشاكل».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».