مثقفو «فلسطين 48» وفنانوها بين حصار عربي وملاحقات إسرائيلية

جواز السفر الإسرائيلي «مواطنة».. والهوية مثل الأرض فلسطينية متجذرة

سميح القاسم  -  أنطوان شلحت  -  منال موسى  -  هيثم خلايلي  -  نسرين فاعور
سميح القاسم - أنطوان شلحت - منال موسى - هيثم خلايلي - نسرين فاعور
TT

مثقفو «فلسطين 48» وفنانوها بين حصار عربي وملاحقات إسرائيلية

سميح القاسم  -  أنطوان شلحت  -  منال موسى  -  هيثم خلايلي  -  نسرين فاعور
سميح القاسم - أنطوان شلحت - منال موسى - هيثم خلايلي - نسرين فاعور

عند سؤاله عن منعه من دخول بعض الدول العربية، ومهاجمة البعض للجهات المنظمة لأمسياته في دول عربية أخرى، كونه يحمل «الجنسية الإسرائيلية»، أجابني الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم، قائلا: «لو خيروني أن يدمغوا نجمة داود على جبيني أو قفاي أو أن أغادر منزلي وبلدي الرامة لاخترت الدمغ».
واستغرب صاحب «منتصب القامة» هذه «المعادلة العربية الغريبة في التعامل مع أصحاب الأرض ممن صمدوا في منازلهم». وقال: «الدول العربية هي المسؤولة عن ضياع فلسطين، والآن تعاقبنا لأننا صمدنا في منازلنا، ورفضنا التهجير، وأجبرنا على حمل الجنسية الإسرائيلية كي لا نخسر أرضنا وحقوقنا».
ويعاني الفنانون والمثقفون في الأراضي المحتلة عام 1948 (الذين أطلقت عليهم نعوت مختلفة: الفلسطينيون في الداخل المحتل، فلسطينيو الخط الأخضر، عرب الداخل، عرب إسرائيل)، من حصار من بعض الدول العربية بدعوى أنهم «إسرائيليون».
ومن الحكايات التي تجسد هذا الوضع، ما رواه لي، ذات مرة، سمير جبران، الأخ الأكبر والمؤسس لفرقة عازفي العود الفلسطينية الهوية والعالمية الشهرة، المعروفة بـ«الثلاثي جبران»، وهم من مدينة الناصرة المحتلة عام 1948. قال جبران، وكان يدرس الموسيقى في القاهرة، إنه قرر، من باب تحسين وضعه المادي، العمل، فبحث كثيرا، إلى أن وجد عملا كعازف عود خلف راقصة. ولكن هذه طردته حين علمت أنه «إسرائيلي».
أما الممثلة نسرين فاعور، بطلة فيلم «أميركا» للمخرجة الفلسطينية الأردنية الأميركية شيرين دعيبس، وهي من ترشيحا في أراضي 48، فقد حازت جائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة السينمائي، قبل سنوات عن دورها في «أميركا»، لكن إدارة المهرجان لم تقدم لها دعوة للحضور، بذريعة أنها «إسرائيلية»، فما كان منها إلا أن سافرت إلى القاهرة بجواز إسرائيلي كـ«سائحة»، حيث فاجأت إدارة المهرجان وبعض الإعلاميين بصعودها غير المتوقع إلى المسرح، عند إعلان اسمها كأفضل ممثلة، وهو ما أثار عاصفة إعلامية في اليوم التالي.

وتتذرع النقابات والاتحادات الثقافية والفنية، وحتى الصحافية في عدد من الدول العربية، في تبرير مواقفها، بقول إن ما تقوم به من إجراءات، من بينها منع مشاركة الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، في المهرجانات والفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، وحتى منعهم من المشاركة في أعمال درامية أو أفلام عربية، بما فيها التي تتناول القضية الفلسطينية، بأنه عمل «وطني مقاوم للتطبيع»، ويحول دون «تغلغل الثقافة الإسرائيلية في المجتمعات العربية».
أما على صعيد الأدب، فالكتب المنشورة في دور النشر في المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948، على قلتها، تعاني من صعوبة تسويقها عربيا، لذلك بدأت مساع للتشبيك ما بين دور النشر الفلسطينية ودور نشر أردنية لتسويق الروايات والدواوين والكتب المهمة والرائجة عربيا (طبعات عربية عن دور نشر في الأردن أو أية دولة عربية أخرى).
ولعل آخر «صيحات» سلطات الاحتلال في هذا المجال، التهديدات التي رافقت ولا تزال، مشوار الفنانين الشابين المشاركين في برنامج الهواة «محبوب العرب»، منال موسى، التي خرجت من المسابقة قبل أيام، وهيثم خلايلي، وكلاهما من فلسطينيي 48، وهي تهديدات صدرت عن مسؤولين إسرائيليين، بسبب إصرار الشابين، على فلسطينيتهما، تتهمهما بزيارة دولة معادية (لبنان).
وسرّبت مصادر إعلامية إسرائيلية، قبل أيام، أن منال وهيثم، سيتعرضان للاستجواب من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية فور عودتهما من لبنان. فيما كشفت أسرة منال موسى، في أكثر من مناسبة، أنه عند اجتيازها مرحلة الاختبار الثانية في بيروت، وعودتها إلى منزلها في بلدة دير الأسد، قام جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) باستجوابها ومصادرة جواز سفرها الإسرائيلي، كما حدث مع هيثم خلايلي. إلا أن تدخل منظمات حقوقية، دفع سلطات الاحتلال إلى إعادة جوازي السفر خاصتهما، مع العلم أن بانتظارهما «مصيرا مجهولا»، خاصة مع تشديد منال موسى عند خروجها من البرنامج، على أنها «فلسطينية.. فلسطينية.. فلسطينية». فالقانون الإسرائيلي يعاقب كل من يسافر إلى «دولة معادية» بالسجن لمدة 4 سنوات، أو بفرض غرامة مالية باهظة، حيث يقدم من تثبت زيارته إلى القضاء الإسرائيلي.
وفي حديث خاص بـ«الشرق الأوسط»، مع الكاتب الفلسطيني أنطوان شلحت، الذي كانت السلطات الإسرائيلية منعته، قبل أعوام، من السفر بقرار من رئيس حكومتها آنذاك، إيهود أولمرت، بدعوى أن «سفره يهدد أمن إسرائيل»، قال: أعتقد أن مسألة تواصل فلسطينيي 48 الثقافي مع العالم العربي هي مسألة محسومة تاريخيا ومبدئيا، فضلا عن أنها تتم بأشكال متعدّدة وإن في الحدود الدنيا، وهي لم تُحسم في الآونة الأخيرة فقط، وإنما كانت كذلك منذ عام 1948، وحتى قبل حرب يونيو (حزيران) 1967 التي تسببت من جملة أشياء أخرى، بالتفات العالم العربي إلى هذا الجزء الحي والواعي من الشعب الفلسطيني، بفضل ما عُرف في حينه باسم «ظاهرة شعراء المقاومة».
وأضاف شلحت: «يكفي إيراد حيثية واحدة لإثبات أنه على الرغم من أن العالم العربي كان قبل 1967 يتغاضى، بصورة تكاد تكون تامة، عن العرب الفلسطينيين الذين بقوا في داخل (الكيان الصهيوني) وعن إبداعهم الأدبيّ، فإن سؤال هويتهم القومية العربية كان موتيفا متميزا في الشعر الذي كتبه أبرز شعرائهم منذ أوائل خمسينات القرن العشرين الفائت».
ودللّ: بالإمكان أن نلاحظ أن قصائد تلك الأعوام تنطوي، في معظمها، على قاسم مشترك يتمثل في التماهي مع العالم العربي الكبير، الذي أقيمت إسرائيل في قلبه على الأقلية العربية الباقية فيها. مع ذلك، والحديث لشلحت: «فإن السؤال الذي لا بُدّ من طرحه في هذا السياق هو: هل مسألة هذا التواصل مُدرجة في جدول أعمال القيادة الفلسطينية في الداخل؟.. إن هذا التساؤل لا يأتي من فراغ، ذلك بأنها لو كانت مُدرجة، فمن الحتم أن يسفر ذلك عن اعتماد خطة أو برنامج عمل في سبيل الدفع بها قُدما.. وربما حان الوقت من ضرورة الهجس بخطة كهذه، على أن تُطرح أيضا بمبادرة منّا على أجندة وزراء الثقافة العرب، وعندها لا مفرّ كذلك من الإلحاح على مطلب إزاحة (عقبات قانونية) وسياسية عربية تحدّ بدورها من تكريس هذا التواصل، حتى على المستوى الفرديّ.. ولعلّ التقصير في هذه المسألة هو تقصير في المسؤولية الجماعية لهؤلاء الفلسطينيين من جهة، وتقصير أشد فداحة في المسؤولية الجماعية القومية العربية من جهة أخرى».
وقال شلحت: «علي أن أشير إلى أن الثقافة كانت مفتاحا رئيسيا في تغذية معركة الهوية القومية للفلسطينيين في الداخل وكذلك في مدّها بالوقود اللازم كي تبقى متقدة. وعلى الرغم من جميع التطورات والمستجدات السياسية، الداخلية والإقليمية والدولية، لا تزال الثقافة محتفظة بهذا الموقع المتقدّم في معركة الهوية، التي لم تضع أوزارها بعد. وليس المقصود التغذية التعبوية، على ما فيها من أهمية، وإنما أساسا التغذية الإدراكية العقلانية الحضارية التي يتعاظم وزنها حاليا في ضوء الهجمة الضارية على الثقافة العربية والإسلامية في العالم طرّا».
وتابع: «مثلما أن الثقافة العربية في حواضرها المختلفة لم تكن غائبة عن معركة الهوية التي خاضها فلسطينيو الداخل طوال الأعوام التي انقضت منذ عام 1948، فإنه ينبغي بهذه الثقافة الآن لا أن تبقى حاضرة فقط، وهي كذلك، وإنما أن تعمّق من التحامها مع مختلف جوانب الحياة الثقافية لدينا.. ويستدعي تعميق اللحمة تعريضنا لمختلف الظواهر الثقافية النوعية التي تعزز الانتماء القومي وتكرّس الأفق الحضاري على قاعدة هذا الانتماء».
وخلص شلحت: «يمكن القول، دون خشية الوقوع في المبالغة، إن حضور الثقافة العربية وإسهامها في وقاية الهوية، نجما حتى الآن، عن قوة الإصرار لدى الغالبية الساحقة من الفلسطينيين في الداخل، وكذلك لدى الغالبية الساحقة من قواهم السياسية منذ ثمانينات القرن الفائت، على الانتماء إلى فلسطين والعروبة، والاعتقاد السائد لدى هؤلاء بأن هذا الحضور مقدّر له أن يتعزز أكثر فأكثر إذا ما وقف في صلب غايات مشاريع ثقافية عربية، تكون المبادرة إليها من خلال التنسيق مع أصحاب القرار العرب أنفسهم».



«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».


شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو
TT

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ اسْماً لَهُ»، تسمية المهلكةِ بالمفازة ليس تفاؤلاً عابراً تمارسه اللغة العربية، بل تجاوز بالخيال إلى واقعٍ موازٍ يبعث الأمن في محل الخوف، ويستردّ السكينة من قلب التهديد. ولأن المسافة بين الاسم والمسمّى لا تتغيّر في واقع الصحراء؛ ظلّ العربي يقاربها بالمجاز... بينما تستمر هي في فعلها الأبدي... أن تنأى.

هناك كتبٌ تفتح شهية الحوار حولها، كتبٌ تمتلك جرأة اجتراح المناطق الجديدة، حيث يقترح هذا الكتاب «مهاكاة ذي الرمة: أطروحة الهايكو العربي» لحيدر العبد الله، صيغةً عربية للهايكو، عبر بناء جسور: بين الشعرية العربية ونظيرتها اليابانية، وبين التصوف الإسلامي وتصوّف الزن. ومنذ اللحظة التي يقول فيها: «إذا كان الشعر ديوان العرب، فقد يكون الهايكو اليوم ديوان العالم»، يتّضح أن طموح الكتاب ليس استيراد نوعٍ شعري، بل توطينهِ، بعد أن يُستدعى ذو الرمة، عبقريّ الوصف وآخر حجّةٍ على اللغة، ليعبّد الطريق أمام ضيفٍ قادم من أقصى الشرق.

أبرز ما أستوقفني في الكتاب - وهو من 312 صفحة تجمع النظرية والتطبيق والتقويم الشعري -، تلك البراعة في التطويع العروضي لإيقاعات الهايكو اليابانية على البحور الخليلية. والتي تُضفي على الفكرة لبوساً جمالياً، وتؤكد قدرة الشعر العربي على توليد الموسيقى مرةً تلو مرة. وقيمتها العملية أنها قابلة للتنفيذ، حيث تمنح الهُكاة العرب – أي شعراء الهايكو العرب حسب تعبير الكتاب- إطاراً شكليًّا يتّكئون عليه، فيتفرّغون للمحتوى بدل الانشغال بالشكل. وأضيف إليها الفصل الأخير، المتعلق بالفلك ومواضع النجوم وقرائن المواسم، الذي ينمّ عن اطلاعٍ كبيرٍ ونظرٍ وتمحيص، ويفتح عمليًّا معجماً طبيعيًّا عربيًّا جاهزاً لمن أراد أن يكتب قصيدةً تنتمي للجزيرة العربية.

وبقدر ما وجدت نفسي أتماهى مع الكتاب في نصف المسافة، وجدتني أتوه في نصفها الآخر؛ فالشكل يُستعار والرؤية تستعصي على الاستعارة. والعروض الذي طوَّعه الكتاب بكل إتقانٍ لتوطين الهايكو هو الأداة؛ أما النظر إلى الطبيعة فمشتقٌّ من غايةٍ، والغايةُ هي ما لا يُستورد. وسأمضي إلى هذا الحوار من طريقين (التصوف، والطبيعة) وسيفضي الطريقان إلى تصور واحد.

أولاً: الغاية تصنع الأسلوب

في الفصل الأول من الأطروحة، «مصباح التصوف»، يعقد الكتاب الروابط بين التصوف الإسلامي وفلسفة الزن. والملاحظة الجوهرية ليست في التقاء الممارسات الروحية - فهي تلتقي كثيراً في أديان متعددة- بل في افتراق الغايات: توحيدٌ وتوجّهٌ نحو خالقٍ متجاوز، مقابل ذوبانٍ طبيعيٍّ محايث خالٍ من إله. وهذا الافتراق ليس تفصيلاً عقديًّا يُترك للمتكلمين، بل هو المصنع الذي تخرج منه الأساليب.

فالتصوف الإسلامي يتمتع بـ«التوق الإلهي» ويتطلع نحو الإله المتجاوز والذي يستدعي المجاز بالضرورة، لا بالاختيار. حين تكون المسافة بين الذات وغايتها مسافةً لا تُلغى، لا يبقى أمام اللغة إلا التوسّل بالمجاز مثل (التغزّل بالأنثى، والخمر، والرمز العاطفي)؛ لبناء جسورٍ إيحائية صاعدة نحو ما لا يُدرَك. وقد لخّص عبد الوهاب المسيري هذا في «اللغة والمجاز» حين جعل المجاز وسيلتنا لإدراك الإله لا الإنسان وحده؛ إذ يربط بين ما تدركه الأسماع والأبصار وما يتجاوزها؛ ومع ذلك يظل الإطار التوحيدي حاكماً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فلا تجسّد ولا حلول ولا كمون، والمسافة باقية مهما بلغ المجاز من تركيبٍ وعمقٍ وجمال.

وبإزاء هذا، يقول ماساوكا شيكي عن الهايكو ما يشبه إغلاق الباب على المجاز: «معنى هذا الهايكو هو تماماً ما يقوله، وليس هناك أي معنًى آخر».

فالمجاز عندنا ضرورةٌ لاهوتية، إن صح التعبير، وهو في الزن عائق. اللغة الكثيفة عندنا فضيلة، وهي هناك حجاب. وليس هذا اختلافاً في الذوق يُرجى ردمه بالتمرين، بل هو اختلافٌ جوهري يترك أثراً أصيلاً على البلاغة ذاتها.

ثم إن الأنا نفسها ليست واحدة في الحالين. ففي الزن تمتزج الأنا بالطبيعة وتأخذ موقع المراقبة؛ أما في التصوف الإسلامي فهي كما عند محمد إقبال (الشاعر والفيلسوف والمتصوف الإسلامي) ليست ساكنة، بل خلقٌ وحركةٌ دؤوبة. وتجربة الاتحاد عند متصوفة الإسلام، بتعبيره، ليست إذابة الهوية في اللامتناهي، بل اجتياز اللامتناهي إلى وصال المتناهي. ومن هنا تُنحت وسائل تعبدية وجمالية حية: الحركة، الصلاة، القدر، الإخلاص، الاجتهاد. الإنسان هنا ليس مصوّراً فوتوغرافياً واقفاً في كواليس الطبيعة - كما هو في الهايكو - بل فاعلٌ يشارك بحريته في تغيير العالم. ويوضّح الفيلسوف بشير سليمان ديان مقصد إقبال بجملةٍ حاسمة: الهدف الأعلى للأنا ليس أن تشاهد شيئاً، بل أن تكون شيئاً.

وحتى استعارة الحيوان تفضح الفرق. يتخيّل الكتاب الهايكو حيواناً فيجعله ناقةً لا تعيش دون ماءٍ وكلأ، حيواناً «لا قلب لديه لأطماع الكائن البشري ومشاعره الفجّة»، غير متجاوز، في انسجامٍ كاملٍ مع الطبيعة. أما روبرت بلاي، فيتخيّل قصيدته الغربية حيواناً يعدو، تصدر عن جريها إيقاعاتٌ ملحوظة، وطاقته النفسية حرّةٌ في التحرك هنا وهناك. حيوان الهايكو مقيمٌ راضٍ؛ والغربي راكض متحرك قلق، أما حيوان القصيدة العربية فهو كما قال شاعر العربية المتنبي: «يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ... وما تبتغي، ما أبتغي جلَّ أن يُسمى»، وشعريّتنا تستمدّ نفسها من هذا التجاوز، السعي إلى ما جلَّ أن يُسمى.

ثانياً: محراب ميّة

في فصل «مشكاة الطبيعة» يبدأ الكتاب بقصةٍ متخيَّلة تجمع ابن قتيبة وذي الرمة، ثم يقرّر أن «تفوّق ذي الرمة يكمن في قدرته على احتواء الطبيعة احتواءً موضوعياً، غير مشروط، ولا انتقائي... دون أن يضع نفسه في مركزها، أو يجعلها فرعاً عن ذاته». ولعلي أختلف هنا تحديداً؛ فطبيعة ذي الرمة ليست موضوعية، وليست بلا مركز. بل هي مأهولة تماماً. يقول شوقي ضيف إن ذا الرمة أكثر شعراء العرب وصفاً لدموعه، وإنه مضى يتعزّى عن ميّة بمحرابها الذي كانت تعيش فيه، فإذا هو أكبر شاعرٍ تغنّى بالصحراء العربية، عشق أيامها ولياليها ورمالها وكثبانها. ويكشف الطاهر لبيب في «سيسيولوجيا الغزل العربي» عمّا هو أدقّ: أن المرأة في الكون العذري تُرفَع إلى مستوى المثال حتى تكاد تصير ميتافيزيقا؛ فيصبح الشريك بالنسبة للعذري ذاته الأخرى.

فالصحراء عند ذي الرمة ليست «ما هي عليه»؛ إنها محرابٌ واستعارةٌ كبرى لمحبوبة. والهكذائية تقتضي غياب المركز، وذو الرمة له مركزٌ اسمه ميّة، تدور حوله الرمال والأنواء والحيوان. ولا أعني أن وصفه إسقاطٌ عاطفيّ فجٌّ كما يفعل الشعراء عادة - فهو مزيجٌ فريد أخذ من أسلوب العذريين وحافظ على روح الجاهلية، حتى لا تكاد تفرّق بينه وبين محبوبه. فهو بناء خاص مركزه امرأة احتوت كل ذلك العالم الصحراوي. وهذا نقيض حياد الهايكو. والمفارقة أن الكتاب نفسه هو من نبّهَ بعبارة تحذيرية: «لن نفلح في خوض تجربة هايكو حقيقية، إذا نحن ألبسنا الهايكو ثيابنا وملامحنا، وجعلناه يتكلم عبر الأنا الخاصة بنا» والكتاب بانتباهٍ عالٍ لم يُلبِس الهايكو ثيابنا، لكنه ألبس ذا الرمة ثوب الزن.

أخيراً: الموتُ في الخلاء

ولئن كان ذو الرمة أمويًّا بانتمائه، فإن وعيه الصحراوي أقرب إلى الجاهليين منه إلى أهل عصره. ويذكر محمد إدريس قاسم في «الشاعر الجاهلي والوجود» أن الجاهلي أدرك في صحرائه أنه (وجودٌ للموت)، فقرّر مواجهته والتحدي: أخذ أناه ووجوده وجعلها في مواجهة الطبيعة/الصحراء، وقرّر بمصطلح هايدغر أن يهزم «الوجود الزائف» رغبةً في «الوجود الأصيل»، فخرج من البقاء في (حالة العالم) إلى آفاق وجوده الماهوي.

هذا الوعي هو ما يفسّر لماذا لا تكون القصيدة العربية تأمّلاً محضاً. فهي كما يقول فتحي المسكيني في «الشعراء يحرسون هشاشة العالم»، محاولةُ هروبٍ من سجنٍ ما؛ والشعراء يدفنون من إمكانات الموت بقدر ما يبدعون من خطوط الهروب نحو الإنسانية. وحين كتب محمود درويش «لا غدٌ في هذه الصحراء إلا ما رأينا أمس... فلأرفع معلقتي... لينكسر الزمان الدائري... ويولدَ الوقتُ الجميلُ»، كان يصوغ الموقف نفسه: رفضُ اللحظة لا الإقامة فيها.

وهنا يلتقي الطريقان. الغاية الدينية تدفع نحو التجاوز؛ والغاية الوجودية تدفع نحو التجاوز؛ والزن يدفع نحو السكون. والهموم التي يسمّيها إيرفين يالوم جوهريةً في «هبة العلاج النفسي» هي الموت والعزلة ومعنى الحياة والحرية، هي بعينها ما تشتغل عليه القصيدة العربية منذ امرئ القيس، بينما الهايكو يسكن اللحظة؛ أما الشاعر العربي فيفرّ منها إلى الوجود الأصيل. ولذلك؛ ليس المجاز عندنا زينةً يمكن خلعها، بل بنيةٌ تحمل المعنى، ولعل محمود درويش في «مأساة النرجس ملهاة الفضة» أراد أن يشير إلى رفاهيةٍ في الوصف الطبيعي، فقد يطمح لها الشاعر العربي ولكنه لا يمتلكها لأسباب عدّة، منها تلك الهموم الوجودية، حين قال بنبرة تراجيدية: «عادوا إلى المألوف فيهم وهو يمشي/ فوق الرصيف ويمضغ الكسَلَ اللذيذ ووقتَهُ من غير غاية/ ويرى الزهورَ كما ترى الناسُ الزهورَ... بلا حكاية»، وهكذا الهايكو يقتضي وقتاً بلا غاية، ونحن لا نملك وقتاً كهذا.

ختاماً، لا بد لي أن أعترف بأني لم أفارق ذلك الفتى الصغير الذي حضر درس الحِكم العطائية في جامع الإيمان بدمشق، للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، حين سمع تلك العبارة التي لا تزال ترنّ في أذنه إلى الآن: «لا تنظر إلى السواقي وانظر إلى المعين»، ولا أسوق هذا دعوةً إلى الانصراف عن الهايكو، بل تحديداً لموضع المعين. فالمعين ليس التراث بوصفه ماضياً يُستعاد، ولا اليابان بوصفها نموذجاً يُستورد؛ إنه التجربة الوجودية الإنسانية نفسها، ومن ورد هذا المعين ستتطوع له كل الأشكال والنُظم اللغوية.

* شاعر سعودي