بعد عقدين على غياب الأسد... سوريا من لاعب إلى ملعب

بعد عقدين على غياب الأسد... سوريا من لاعب إلى ملعب
TT

بعد عقدين على غياب الأسد... سوريا من لاعب إلى ملعب

بعد عقدين على غياب الأسد... سوريا من لاعب إلى ملعب

لم يشارك الرئيس فلاديمير بوتين، في جنازة الرئيس الراحل حافظ الأسد قبل عقدين. لكن القوات الروسية باتت، في الذكرى العشرين لرحيله، موجودة في سوريا ومعززة بقواعد عسكرية، يطمح بوتين إلى توسيعها وتعزيزها بـ«إقامة ناعمة» في الاقتصاد والثقافة والسياسة.
حضر الرئيس التركي السابق نجدت سيزر، تشييع الأسد. وها هي قواته تنتشر حالياً في جيوب واسعة في شمال غربي سوريا، وشمالها، وشمالها الشرقي. كما هو الحال مع الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، حيث إن «الحرس» الإيراني يقيم «دولة ظل» ويدرب وينشئ ميليشيات سورية وغير سورية. أيضاً، الجيش الأميركي موجود بعدته وقواعده في شرق الفرات، بعد عشرين سنة على مشاركة وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت في الجنازة.
وعندما حضر الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، أو وزير الخارجية البريطاني روبن كوك، إلى دمشق، لوداع الأسد، لم يتوقعا أن قوات بلديهما ستكون أيضاً في عداد التحالف الدولي الذي يملك سماء شمال شرقي سوريا، ويمنع الطيران السوري منها. التحالف يدعم في الأرض، حلفاءه من «قوات سوريا الديمقراطية»، التي تضم «وحدات حماية الشعب» الكردية. هذه «الوحدات» التي تدرب بعض عناصر على أيدي «حزب العمال الكردستاني» وزعيمه عبد الله أوجلان، الذي يقيم في سجن تركيا بعد قرار الأسد فتح الباب له للخروج من سوريا، لتجنب حرب مع تركيا في منتصف 1998.
أيضاً، لم يكن الرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود، الذي كان آخر من تحدث مع الأسد قبل وفاته، وأول الواصلين للإقامة في دمشق والمشاركة في العزاء، يتخيل أن يتدخل حليفه «حزب الله» في سوريا في 2012 للمساهمة في «إنقاذ النظام»، وتنتشر قواته في مناطق مختلفة من سوريا، ويكون صاحب الكلمة والهامش لـ«الدور السوري في لبنان»، في شكل تصاعدي، بدءاً من مشاركة زعيمه حسن نصر الله في مراسم التشييع في القرداحة في يونيو (حزيران) قبل عقدين.
استعراض قائمة المشاركين في تشييع الرئيس الأسد بعد وفاته في 10 يونيو 2000، تدل على حجم التغيير الذي طرأ في سوريا ودورها. كانت لاعباً إقليمياً، وتتمتع بعلاقات دولية واسعة، تحولت إلى ملعب تتصارع فيه دول إقليمية ودولية. كان «وكلاؤها» وعناصر جيشها وضباطه واستخباراته يقيمون في دول مجاورة وأخرى بعيدة. أما، الآن، فإن «وكلاء» الآخرين وجيوشهم يقيمون في أرضها وجوها.

«التصحيح»
بعدما لعب دوراً في اللجنة العسكرية في حزب «البعث» الحاكم، نفذ بصفته وزيراً للدفاع في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) انقلاباً عسكرياً عُرف بـ«الحركة التصحيحية»، وأطاح برئيس الجمهورية حينها نور الدين الأتاسي، ووضعه في السجن، ثم أصبح رئيساً في مارس (آذار) في العام اللاحق. وفي 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، خاض مع الرئيس المصري أنور السادات «حرب تشرين» ضد إسرائيل، وقع بعدها بسنة «اتفاق فك الاشتباك» مع إسرائيل في الجولان برعاية أميركية. وفي يونيو، زار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، دمشق، لاستعادة العلاقات الدبلوماسية المجمدة بعد «نكسة حزيران» 1967.
وأول تدخل خارجي مباشر لسوريا، كان في 1976 لدى دخول الجيش السوري في الحرب الأهلية اللبنانية بضوء أخضر أميركي ومباركة سوفياتية. وبعد ذلك بعام، انتشر في معظم الأراضي اللبنانية. بقيت القوات والاستخبارات السورية في لبنان إلى أبريل (نيسان) 2005، لدى خروجها تنفيذاً للقرار 1559 وضغوط دولية هائلة بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري.
وإذا كانت العلاقات مع الجار الجنوبي، الأردن، اتخذت منحى آخر، بعد تسلم الأسد السلطة من «اليسار» في «البعث»، فإن العلاقات مع الجار على الحدود الشرقية كانت أكثر تعقيداً. في عام 1979، اتهم الرئيس العراقي صدام حسين، الذي برز دوره في بغداد، الأسد بـ«التآمر». دخل البلدان، اللذان يحكمها فرعان متنافسان لـ«البعث»، في صراع وتنافس وتآمر. لكن السنوات الأخيرة، من حكم الأسد شهدت عودة العلاقات التجارية بين البلدين بفعل حاجة الطرفين، ثم استئناف العلاقات الدبلوماسية التي قطعت في 1980، بعد دعم دمشق لطهران في الحرب العراقية - الإيرانية.

«التوازن»
مجرد وصول علي الخميني إلى الحكم بعد «الثورة» في طهران في 1979، فتحت صفحة استراتيجية في العلاقات السورية - الإيرانية ستترك أثارها في الشرق الأوسط لعقود. لكن الأسد، كان يوازنها في التسعينات بعلاقات مع «الحضن العربي» والدولتين العربيتين الكبيرتين، السعودية ومصر، وما عرف لاحقاً بـ«الحلف الثلاثي» السوري - السعودي - المصري، الذي شكل ركيزة أساسية للعمل العربي، ووفر خيمة لقرارات وتنسيق في منعطفات أساسية.
وفي فبراير (شباط) 1982، تصدى الأسد لانتفاضة قادها «الإخوان المسلمون» في مدينة حماة، وذهب ضحيتها بين عشرة آلاف وأربعين ألف شخص. وفي نهاية 1983، أصيب الأسد بأزمة قلبية نقل على أثرها إلى مستشفى في دمشق. وقتذاك، حاول شقيقه رفعت الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب، قبل أن يستعيد الشقيق الأكبر عافيته. وبعد عام، أُجبر رفعت على مغادرة سوريا بتسوية إقليمية دولية. ولا يزال مقيماً في أوروبا، رغم محاولته الانغماس بعد وفاة شقيقه في 2000.

دون غطاء
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي وقعت سوريا معه اتفاقية صداقة وتعاون عام 1980، اتجه الأسد إلى الغرب، وحسن علاقته مع أميركا. هو كان امتنع عن توقيع اتفاق استراتيجي مع «السوفيات» أو إعطائهم قواعد عسكرية دائمة باستثناء ميناء صغير في طرطوس، كي يترك خياراته مفتوحة مع الغرب.
واستفاد من هذا القرار بعد زيارته إلى موسكو في أيامه الأخيرة ولقائه الرئيس السوفياتي الأخير، ميخائيل غورباتشوف، حيث أيقن بانهيار حليفة الأكبر، وضرورة الاتجاه غرباً بحثاً عن غطاء جديد. وفي بداية التسعينات، انضمت سوريا إلى القوات متعددة الجنسيات في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة ضد صدام بعد غزو العراق للكويت. وفي نهاية 1991، شاركت سوريا في افتتاح مؤتمر مدريد لإطلاق المفاوضات العربية - الإسرائيلية.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1994، التقى الرئيس الأميركي بيل كلينتون، الأسد في دمشق التي كان زارها عشرات المرات وزراء خارجية أميركا لتطوير العلاقات الثنائية، وتحريك مفاوضات السلام مع إسرائيل، علماً بأن الأسد كان يلتقي الرؤساء الأميركيين في جنيف. وبعد أربع سنوات، زار الأسد باريس في أول زيارة له إلى بلد غربي منذ 22 عاماً، واستقبل بحفاوة من شيراك، الذي لعب دوراً رئيسياً في فتح الباب أمام الأسد أوروبياً.


5 جيوش
قبل وفاة الأسد، كانت القوات السورية في لبنان، ودمشق صاحبة «كلمة السر» فيه. كانت سوريا جزءاً من المحور الثلاثي مع تركيا وإيران للتنسيق ضد إقامة كيان كردي شمال العراق. في الوقت نفسه، كانت ضمن مجموعة «إعلان دمشق» التي تضم السعودية ومصر والدول العربية، و«الحلف الثلاثي» مع السعودية ومصر. كانت فتحت الباب مع صدام، وتركت معارضيه لديها.
كانت سوريا تستضيف المنظمات المعارضة لإسرائيل، وكانت تفاوض إسرائيل برعاية أميركية. وفي نهاية مارس (آذار) عقدت قمة بين الأسد وكلينتون في جنيف في آخر محاولة لإنجاز السلام.
وفي ربيع 1996، كان في دمشق في آن واحد، وزراء الخارجية لخمس دول متناقضة المصالح، الأميركي والروسي والفرنسي والإيراني والاتحاد الأوروبي، لإنجاز «تفاهم نيسان» بعد عملية «عناقيد الغضب» الإسرائيلية في جنوب لبنان.
الآن، سوريا خارج الجامعة العربية. هناك عزلة وعقوبات أميركية وأوروبية. فيها خمسة جيوش، الأميركي والروسي والإيراني والتركي والإسرائيلي (جواً). بعد احتجاجات 2011، نصف الشعب السوري خارج منازله، و690 ألف ضحية، وخسائر اقتصادية بقيمة 530 مليار دولار أميركي، حسب مركز أبحاث. فيها تظاهرات وأزمة غذاء ودواء وماء.
سوريا التي كانت تصارع في خارج حدودها، باتت مسرحاً لصراعات الآخرين. من لاعب إلى ملعب. ربما الشيء الوحيد الذي ارتفع سعره، هو الدولار الأميركي. كان يساوي 44 ليرة قبل عشرين سنة، أصبح الآن 3200 ليرة.



الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)

أظهرت بيانات حكومية يمنية أن أكثر من 158 ألف شخص فرُّوا من المناطق التي دخلتها جماعة الحوثيين في الساحل الغربي، بينما حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين، مع فرار العائلات من العنف، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم للنازحين والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم مواردها المحدودة.

ووفقاً للوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد الفارين من مناطق الساحل الغربي والمسجلين في 8 محافظات إلى 158109 أشخاص، يمثلون 23550 أسرة، نتيجة استمرار العمليات العسكرية والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وتشير البيانات الحكومية، حتى 20 سبتمبر (أيلول)، إلى أن محافظة تعز تصدَّرت المحافظات المستضيفة، باستقبال 11867 أسرة، تضم 83123 شخصاً موزعين على 15 مديرية، تلتها محافظة لحج بـ5472 أسرة (38304 أشخاص) في 9 مديريات، أبرزها المضاربة ورأس العارة وتبن والمسيمير.

وفي العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3114 أسرة، تضم 15003 أشخاص موزعين على مديريات المحافظة، بينما سجلت محافظة الحديدة 1471 أسرة، تضم 10297 شخصاً في مديريتي حيس والخوخة.

عشرات الآلاف من اليمنيين النازحين يعيشون تحت الأشجار (إعلام محلي)

ورصدت الوحدة الحكومية حركة نزوح جديدة من مديريتي حيس والخوخة جنوب الحديدة باتجاه عدن، وقالت إنها تتابع هذه الحركة، في وقت استقبلت فيه محافظة أبين 1420 أسرة، تضم 9940 شخصاً في مخيمَي خنفر وزنجبار.

وتوزعت بقية الأسر النازحة -وفق البيانات الحكومية- على حضرموت بواقع 110 أسر، والمهرة 70 أسرة، وشبوة 26 أسرة.

وأكدت الوحدة أن معظم الأسر اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها بصورة مفاجئة، الأمر الذي فاقم معاناتها الإنسانية وزاد هشاشتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً تشمل المأوى ومواد الإيواء الطارئة والسلال الغذائية والمساعدات النقدية متعددة الأغراض، إلى جانب مياه الشرب والخدمات الصحية ومستلزمات النظافة.

أرقام أممية

من جهتها، حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين في اليمن، ودعت المجتمع الدولي إلى دعم الفارين من العنف والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم «ما تملكه من موارد شحيحة».

وأظهرت أحدث بيانات المنظمة أن 129438 شخصاً، أي ما يعادل 21573 أسرة، نزحوا في 7 محافظات منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بالقتال، مع تسجيل زيادة قدرها 11352 شخصاً خلال 3 أيام فقط، مقارنة بـ118086 نازحاً في 18 سبتمبر.

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن كثيراً من النازحين اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة بحثاً عن الأمان، محذراً من أن الأعداد «في ازدياد مستمر».

الغالبية العظمى من النازحين اليمنيين يفتقدون أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وتستضيف تعز العدد الأكبر من النازحين المسجلين لدى المنظمة، بواقع 73494 شخصاً، تليها لحج بـ33828، وعدن بـ8946، والحديدة بـ8244، إضافة إلى أبين وحضرموت ومأرب.

وقال بلبيسي إن هذه العائلات فقدت منازلها ومصادر دخلها، وتصل إلى بلدات تعاني أصلاً أوضاعاً صعبة، مضيفاً أن المجتمعات المضيفة «لا تستطيع القيام بذلك بمفردها»، في إشارة إلى الحاجة المتزايدة للدعم الإنساني.

وبالتزامن مع النزوح الداخلي، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 3106 أشخاص عبروا البحر الأحمر من اليمن إلى جيبوتي حتى مساء الأحد الماضي، مشيرة إلى أنها تقدم مساعدات عاجلة لعدد من الوافدين، ومجددة دعوتها إلى توفير مزيد من الدعم في ظل استمرار حركة الفرار.


التضليل... سلاح حوثي للتضليل حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
TT

التضليل... سلاح حوثي للتضليل حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)

لم يتوقف التصعيد العسكري للجماعة الحوثية عند خطوط الجبهات؛ إذ فتحت بالتوازي جبهة أخرى في الفضاء المعلوماتي، مستخدمة التسجيلات المفبركة والمقاطع القديمة والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وإشاعات الانتصارات وتهويل نتائج الهجمات لتقديم رواية مغايرة لمسار المعارك.

وتترافق الحملة الدعائية الحوثية مع نشر مقاطع تحت مسمى «توثيق انتصارات عسكرية واسعة»، بينها مشاهد للسيطرة على مواقع في تعز والجوف ومأرب، وأخرى أعيد تقديمها بوصفها لعمليات حديثة، في حين تشير الخريطة الميدانية إلى واقع أكثر تعقيداً.

جاء ادعاء الجماعة إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 في أجواء مأرب نموذجاً بارزاً؛ إذ بث إعلامها الحربي مقاطع زعم أنها لحطام الطائرة، قبل أن تكشف منصات تدقيق الحقائق عن أن اللقطات مقتطعة ومعاد تدويرها من حادثة قديمة، وجرى دمجها مع مشاهد لسقوط مسيّرة أميركية.

ويصف سكان مديرية الشمايتين جنوب غربي تعز الإشاعات التي تبثها الجماعة عن قرب سقوط مناطقهم بـ«الغزو الفيسبوكي»، بعد تدفق أنباء مفبركة حول سقوط مواقع حاكمة، عقب فشل محاولات تسلل؛ بهدف إثارة الذعر بين القوات الحكومية وسكان مدينة التربة.

يقول نجيب عباس، وهو معلم وناشط سياسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإشاعات لم تؤثر كثيراً في معنويات السكان، لكنها دفعت بعضهم إلى تخفيف الحركة في الأسواق والمرافق العامة وشراء احتياجات منزلية إضافية؛ خشية استهداف الطرق ومركبات نقل المواد الضرورية.

ويستقبل سكان مناطق تعز التي تسعى الجماعة للسيطرة عليها رسائل التودد الحوثية ومحاولات استمالتهم بالتهكم، مبدين مخاوفهم من ممارساتها ورفضهم توسعها.

وكثّفت خلال التصعيد الأخير حملات التضليل والفبركة لاستهداف المواطن اليمني بالدرجة الأولى، عبر نشر الإشاعات وإرباك الرأي العام ورفع معنويات أنصارها، مع محاولة استثمارها خارجياً لصناعة صورة غير حقيقية عن الوضع في اليمن، هذا ما يقوله وكيل وزارة الإعلام اليمنية، فياض النعمان، الذي شرح لـ«الشرق الأوسط» كيفية تعامل الحكومة مع سيل التضليل.

يوضح النعمان أن الحكومة ترصد المحتوى وتتحقق من مصدر التزييف وتاريخ نشره ومكان تصويره ومقارنته بالمعلومات الرسمية والميدانية، مؤكداً أن سرعة التحقق خلال العمليات العسكرية ضرورية لمنع تحول المعلومة الكاذبة روايةً يصعب تصحيحها.

لقطة من فيديو فبركه الحوثيون عن استهدافهم مواقع للجيش اليمني بالطيران المسيَّر (إعلام حوثي)

ومنذ إعلان الحوثيين في يوليو (تموز) الماضي بدء التصعيد في البحر الأحمر، تصاعدت روايات الجماعة عن إجبار قطع بحرية دولية على مغادرة الممر، وتدمير سفن وناقلات نفط بالكامل، مع تضخيم نتائج الهجمات البحرية لتقديم الجماعة بوصفها قادرة على تغيير قواعد الملاحة.

«معركة» الرواية

رفعت الهجمات الحوثية مخاطر الشحن وتكاليف التأمين وأدت إلى تغيير بعض الناقلات لمساراتها، إلا أن الجماعة، وبعد سيطرتها على باب المندب ناقضت نفسها وأعلنت أنها لن تمنع مرور السفن، بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب كشف فيها عن مبادرة الجماعة للتواصل مع حكومته وطمأنته بعدم الدخول في قتال معها أو استهداف سفنها. وتعمد الجماعة إلى الخلط بين الأحداث الحقيقية وتأويلها المبالغ في نتائجها، بما يجعل الرواية أكثر قابلية للانتشار.

العروض العسكرية من أهم وسائل الدعاية الحوثية (أ.ف.ب)

وتتخذ الدعاية الحوثية في مأرب طابعاً أكثر تنظيماً، يستهدف ضرب التلاحم القبلي والعسكري من خلال مزاعم «التسليم الوهمي» للمواقع، وإشاعات عن قرب دخول المدينة أو خلافات مالية داخل الجيش اليمني أدت إلى انسحابات من مواقع استراتيجية.

ويرى أنور العامري، المستشار السياسي والإعلامي لرئيس هيئة الأركان العامة السابق، أن خطورة الإشاعة تكمن في وصولها إلى المتلقي قبل المعلومة الموثقة، منتقداً عدم اهتمام الحكومة الشرعية بهذا الجانب بالشكل المناسب، بما يسهل انجرار ناشطين وإعلاميين ومثقفين محسوبين عليها إلى الاستجابة للروايات الحوثية.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن سرعة الاتصال العسكري ووضوح المعلومة يمثلان جزءاً أساسياً من الحفاظ على المعنويات، مشيراً إلى جهود وزارة الدفاع ودائرة التوجيه المعنوي في هذا الجانب.

الحوثيون استغلوا استيلاءهم على مدينة المخا لرفع معنويات مقاتليهم (أ.ب)

وينوّه إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطوراً نوعياً في أدوات التضليل، لكنه لا يلغي أساليب الحرب النفسية التقليدية، وإنما يزيد سرعة إنتاج المحتوى وحجمه وإمكانات التلاعب به. ويقسم الدعاية الحوثية إلى ثلاثة مستويات: الإشاعة والبيان الدعائي والمبالغة في الانتصارات، ثم إعادة تدوير المحتوى عبر المنصات والحسابات المتعددة، وأخيراً إنتاج وتعديل الصور والأصوات والفيديوهات والنصوص بالذكاء الاصطناعي.

انتصارات مصنّعة

كانت الجماعة الحوثية ردّت على مقاطع الجيش اليمني التي توثق استهداف عناصرها بطائرات مسيَّرة، بمقاطع مشابهة مولدة بالذكاء الاصطناعي، وظهر التزييف بوضوح في غالبيتها، في محاولة لرفع معنويات مقاتليها، إلى جانب إعادة تداول محتوى قديم أو مصطنع لتقديم صورة عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية.

ويلفت العامري، وهو إعلامي سابق في دائرة التوجيه المعنوي للجيش اليمني، إلى أن مواجهة إشاعات الحوثيين عن سقوط مناطق أو مدن تتطلب إدارة الفارق بين سرعة انتشار الرواية وقدرة الميدان على التحقق منها، محذراً من التضحية بالدقة في السباق مع الإشاعة.

الحوثيون يستخدمون مجسمات لطائرات مسيَّرة وصواريخ خلال تجمعات أنصارهم (غيتي)

ويشيد بدور الدائرة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة اليمنية في هذه المواجهة، عبر الرصد المبكر للإشاعات منذ ظهورها، وتحديد مصادرها ومضمونها ومدى انتشارها، ثم تصنيفها بين معلومة كاذبة أو ادعاء غير مؤكد أو خبر يحتاج إلى تحقق، عبر تنسيق المعلومات العسكرية وتوحيد مصدرها، ومقارنة الروايات، ثم إيصال المعلومات الموثقة بسرعة ووضوح يمنعان استغلال الفراغ المعلوماتي وتضارب التصريحات.

ولا تستهدف المواد الدعائية التي تنتجها الجماعة الحوثية القوات المسلحة الحكومية فقط؛ بل إنها موجهة أساساً إلى جمهورها الداخلي بدرجة أكبر، وإلى المجتمعات المحلية في مناطق سيطرة الحكومة، فالروايات عن السيطرة على المخا مثلاً، أو تحقيق انتصارات خاطفة يمكن أن ترفع معنويات المقاتلين والأنصار وتحجب أخبار الخسائر والتراجع الميداني.

وفي المقابل، تنقل روايات مثل «الحصار الاقتصادي» وتحميل الحكومة والتحالف مسؤولية أزمة الرواتب والأسعار النقاش من أداء الجماعة الداخلي إلى خصومها، خصوصاً في المناطق التي تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة.


معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

كثفت القوات الحكومية اليمنية، الثلاثاء، غاراتها الجوية على مواقع وتحصينات وتعزيزات تابعة للحوثيين في محافظة تعز (جنوب غرب)، بالتزامن مع استمرار المواجهات في عدد من الجبهات، بينما أعلنت القوات استعادة مواقع في جنوب وغرب المحافظة، وإسقاط طائرتين مسيّرتين، وأسر عدد من عناصر الجماعة قرب «باب المندب».

وقال محور تعز العسكري التابع للقوات المسلحة اليمنية إن الطيران الحربي شن خمس غارات على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في جبهة الأحكوم بمديرية حيفان، جنوب شرقي المحافظة، مشيراً إلى أن الضربات استهدفت، وفق مصادر عسكرية، تعزيزات كانت في طريقها إلى جبهتي حيفان والصبيحة.

وفي غرب تعز، تواصلت المواجهات في مناطق العنين وبني بكاري وجرداد والكدحة، وسط محاولات حوثية للتسلل والهجوم. وأعلن محور تعز إسقاط طائرتين مسيّرتين، إحداهما في جبل جرداد جنوب غربي المحافظة، والأخرى في جبهة الكدحة، وقال إن الأخيرة كانت محملة بقذيفة هاون قبل وصولها إلى هدفها.

وأفادت مصادر ميدانية باستعادة القوات الحكومية مواقع وتلالاً في جبهات جنوب وغرب تعز، بينها مواقع في محيط كهبوب القريبة من «باب المندب»، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين.

وقالت المصادر إن قوات «العمالقة» و«درع الوطن» استعادت عدداً من التلال المهمة والمسيطرة في كهبوب، بعدما كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الأيام الماضية. كما أعلنت القوات الحكومية أسر سبعة من عناصر الحوثيين على ساحل السقيا، جنوب «باب المندب»، والاستيلاء على عربة عسكرية تابع للجماعة.

وفي جبهة غرب جرداد بني عمر، الواقعة بين مديريتي الوازعية والشمايتين، قالت مصادر إن القوات الحكومية تصدت لهجوم حوثي وأجبرت المهاجمين على التراجع.

كما شهدت الوازعية غارات جوية استهدفت مواقع للحوثيين في منطقتي الظريفة والمشجب، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات في عدد من مناطق التماس. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات ألحقت خسائر بالجماعة وأفشلت محاولات تعزيز مواقعها والتقدم في الجبهة.

وفي جبهة كهبوب المطلة على «باب المندب»، أعلنت «ألوية العمالقة الجنوبية» أسر قيادي حوثي وأحد مرافقيه، إلى جانب تنفيذ ضربات قالت إنها دمرت آليات واستهدفت تجمعات للحوثيين في كهبوب والوازعية.

خسائر بشرية

تأتي التطورات الميدانية وسط تقارير عن خسائر بشرية كبيرة خلال اليومين الماضيين. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية من الجانبين مقتل 154 شخصاً على الأقل في المعارك التي شهدتها عدة محافظات يمنية.

وقالت مصادر عسكرية تابعة للحوثيين إن 118 شخصاً قُتلوا جراء الغارات والمواجهات والقصف المدفعي في تعز والجوف ومأرب وصعدة، معظمهم في تعز، بينما أفادت مصادر عسكرية حكومية بمقتل 36 عسكرياً خلال يومين من المواجهات، غالبيتهم في جبهات جنوب وغرب تعز.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يتصدون للهجمات الحوثية غرب تعز (إعلام عسكري)

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر ميدانية بمقتل القيادي الحوثي محمد عبد الله سعد جلافة العوير، المعروف باسم «أبو مالك العوير»، مع عدد من مرافقيه، خلال المواجهات في محيط جبل جرداد بمديرية الوازعية.

امتداد القتال

لا تقتصر المواجهات على تعز ومحيط «باب المندب»، إذ استمر القصف والاشتباكات في عدد من الجبهات الأخرى. وفي مأرب، تواصلت المواجهات في حريب والجوبة والكسارة والمشجح، من دون تغير في خريطة السيطرة.

وفي الجوف، أعلنت القوات الحكومية غارات على مواقع حوثية في رحوب وصلبة بمديرية برط العنان، ومواقع في المراشي والظاهر. كما أعلنت القوات الحكومية استهداف عناصر وعتاد حوثي في البيضاء، وإسقاط طائرة مسيّرة في شبوة.

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

وفي تطور منفصل، أدانت وزارة حقوق الإنسان اليمنية قصفاً صاروخياً استهدف سوقاً شعبية في منطقة الحجف بمديرية المضاربة ورأس العارة في محافظة لحج، وقالت إن الهجوم أدى إلى إصابة عدد من المدنيين وإلحاق أضرار بالممتلكات والمركبات.

وذكرت الوزارة أن السوق تعرضت، الاثنين، لقصف بصاروخين باليستيين سقطا بفارق زمني يقارب ساعة، مشيرةً إلى أن المعطيات الأولية المتعلقة بالتوقيت والمسار تشير، وفقاً لها، إلى إطلاقهما من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في مديرية السبرة بمحافظة إب. وأكدت أنها تواصل جمع المعلومات والتحقق من حجم الإصابات والأضرار.

هجمات الحوثيين شردت نحو 150 ألف يمني من الساحل الغربي وغرب تعز (رويترز)

وفي الصبيحة، أكد رئيس الأركان والقائم بأعمال قوات «درع الوطن»، اللواء عبد الرحمن صالح اللحجي، ثبات القوات في الجبهة، وقال إن المنطقة لن تكون طريقاً لعودة الحوثيين إلى عدن، داعياً إلى مواصلة القتال والثبات في مواجهة الجماعة.

تأتي هذه التطورات امتداداً لمواجهات شهدتها خلال الأيام الماضية المرتفعات الواقعة بين غرب تعز وشمال لحج، حيث تركز القتال حول مواقع جبلية في الشمايتين وجبل حبشي والوازعية وكهبوب، وسط محاولات متبادلة لتثبيت المواقع والتحكم بالمرتفعات المطلة على طرق الساحل و«باب المندب». وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في وقت سابق استعادة مواقع وإحباط هجمات وتسللات حوثية في عدد من هذه الجبهات.