الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

من امرئ القيس إلى محمود درويش

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد
TT

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

يرى كثيرون أنه لا يمكن الوثوق بآراء الشعراء حين يكون في ميدان السياسة، منطلقين من فكرة أنَّ الشعراء انفعاليون آنيون، يتفاعلون مع الحدث بطريقة غير عقلانية، وبالنتيجة لا يمكن التعويل على آرائهم في السياسة. وبصراحة، هذه الفكرة من الممكن أنْ تفتح باباً للحديث عن الشعراء السياسيين، وأقصد بذلك الشعراء الحقيقيين الذي عُرفوا ووسِموا بأنهم شعراء مؤثرون في خريطة الشعر، ولكنهم في الوقت نفسه عملوا في السياسة، فمنهم من نجح ومنهم من أخفق.
إنَّ خريطة الشعراء السياسيين خريطة طويلة عريضة، ولا يمكن رسم حدود واضحة تفك هذا الاشتباك، فمن امرئ القيس الذي فقد ملك أبيه بسبب الشعر إلى آخر شاعر معاصر معنا دخل ميدان السياسة، وله رأي في العملية السياسية، فما بينهما، عددٌ كبيرٌ من الشعراء الذين التصقت السياسة بمشروعهم الثقافي، ولم تنفك تسير بخطٍ موازٍ مع الشعر. والشعراء السياسيون هم غير الشعراء الذين كتبوا في السياسة، فلا تكاد تخلو تجربة شاعر من الشعراء العرب من رأي له في السياسة، من خلال نصوصه واحتجاجه، على ما دار أو ما يدور حوله، وهذا الصنف هو غير الصنف الذي أبحث عنهم، إنَّما هؤلاء مشتركون بالهموم العامة للناس، سابقاً وحالياً.
الشعراء السياسيون -كما قلنا- ابتداء من امرئ القيس الذي لهث وراء ملك أبيه، ولكن الشعر واللهاث خلف النساء، سواء في الواقع أو في النصوص، أعميا عينه عن أنْ يحافظ على ملك أبيه، ويضيع بشكل نهائي، حيث يقول:
بكى صاحبي لمَّا رأى الدرب دونه
وأدرك أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلتُ له لا تبكِ عينُك إنَّما
نحاول ملكاً أو نموت فنُعذرا
وفي هذين البيتين إشارة للملك الذي يحاوله امرؤ القيس، والذي ضاع منه، ويبدو أيضاً أن التحالفات منذ زمن طويل بالنسبة لنا، نحن العرب، والحفاظ على ملكنا، لا تتم إلا برضا القيصر عنا.
ومن امرئ القيس إلى بعض الخلفاء الذين عُرفوا بأنَّهم شعراء، أمثال يزيد بن معاوية الذي يروي له ابن خلكان في وفيَّات الأعيان بعضاً من عيون شعره، ومنها:
تقول نساء الحي: تطمعُ أنْ ترى
محاسن ليلى؟ مت بداء المطامعِ
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها
سواها؟ وما طهرَّتها بالمدامعِ
وكذلك الوليد بن عبد الملك الذي يقول:
وإنْ لم أكن فيكم خطيباً فإنَّني
إليكم إذا جدَّ الوغى لخطيبُ
ولكنهم خلفاء أشداء، لم يكن الشعر هاجسهم الرئيس، إنما الملك والخلافة هي التي تسوسهم، بخلاف امرئ القيس الذي خلق للشعر، وليس للملك، لذلك حافظوا على ملكهم بقوة، وهذا يُحيلنا إلى بعض الخلفاء الشعراء من العباسيين الذين تولوا الحكم، وفقدوه لأيام وأسابيع، أو بالكاد سنة واحدة، مثل «ابن المعتز» الذي عُرف بشعره، وبكتابه المهم في البديع، كما أن الأندلس فتحت شهية الخلفاء للشعر كثيراً، فمثلاً «المعتمد بن عبَّاد» الخليفة الأندلسي الذي حكم إشبيلية وقرطبة، واتسع سلطانه حتى وصل إلى مرسية، وله ديوان شعر طبع في القاهرة عام 1951، حيث جمعه «أحمد أحمد بدوي وحامد عبد المجيد»، يقول في بعضٍ من قصائده:
ولقد شربتُ الراح يسطعُ نورها
والليل قد مدَّ الظلام رداءَ
حتى تبدَّى البدر في جوزائه
ملكاً تناهى بهجة وبهاء
إنَّ معظم الخلفاء الذين كتبوا الشعر كان فعلهم ذلك من باب الإلمام بكامل المعارف التي تأدبوا عليها، حيث يقف الشعر في المقام الأول من تلك المعارف، ولكن جل كتابات الخلفاء هي من الشعر الخالي من روح الشاعر المتمرد المجنون، وهو أقرب إلى شعر العلماء أو النظم بشكل عام، لذلك لم تحفظ ذاكرة الشعر على طول رحلة الشعر العربي إلَّا نادراً من نصوص بعض الذين حكموا أو عملوا في السياسة، حتى إن هناك طرائف تُروى عن أبي نؤاس بأنَّه في أحد الأيام، وفي مجلس الخليفة «المأمون»، وهو من أكثر الخلفاء ثقافة ووعياً، أنشد المأمون قصيدة له في مجلسه، ومن ثم طلب رأي أبي نؤاس بها، فأجابه أبو نؤاس بأنها خالية من البلاغة، فغضب المأمون وأمر بحبسه في الإسطبل مع الحمير والبغال، وظل أبو نؤاس شهراً في ذلك المكان، ولمَّا أفرج عنه ذهب إلى مجلس الخليفة المأمون ثانية، وعندها أنشد المأمون قصيدة جديدة له أيضاً، ولمَّا انتهى منها قام أبو نؤاس، فنادى عليه المأمون: إلى أين يا أبا نؤاس، فقال له: إلى الإسطبل، يا أمير المؤمنين.
وبهذا، فإن تاريخنا العربي، تاريخ الحكم والسياسة والشعر، هو تاريخٌ ملتبسٌ، بحيث وقف الدين في بدايته موقفاً حاداً من الشعر، وكأنَّ الشعر مصدرٌ للقلق على الزعامة، بوصف الشاعر متصدياً معروفاً ناطقاً باسم القبيلة، وبهذا فهو في الواجهة التي تُعدُّ موقفاً ثقافياً يُحاصِر في بعض المرات المواقفَ السياسية، ومن تلك اللحظة فالصراع قائمٌ بين الثقافي والسياسي، ونادراً ما اجتمعا بشخصٍ واحد، وحين يجتمعان، فإنَّ الصراع بين السياسي والثقافي، والشعري تحديداً، لن يكفَّ أبداً، وحين تنتصر القصيدة على الموقف السياسي، سيسقط ذلك الحاكم في العادة، كامرئ القيس وابن المعتز، اللذين اتخذا من الشعر طريقة سلوك وحياة، لذلك فإنَّ السياسي الذي بداخلهما انهزم أمام الثقافي، ولكن الثمن هو فقدان الملك.
إنَّ صراع السلطة والشعر تجلَّى في شخصية «المتنبي» تجلياً كبيراً، وهو الشاعر العظيم الذي لم يستطع الشعر أنْ يملأ روحه، فقد بقي لاهثاً وراء السلطة والملك، فهو العظيم الذي ينتظر من كافور ولاية ليكون عليها أشبه بالمحافظ أو القائم مقام، حيث يقول:
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أنالُه؟
فإنَّي أغنَّي منذ دهرٍ وتشربُ
فيما نرى موقفاً آخر للشريف الرضي الذي يمتدح أحد الخلفاء العباسيين، ولكنه يقول له لا فرق بيني وبينك بصفتهما أبناء عمومة:
عطفاً أمير المؤمنين فإنَّنا
في دوحة العلياء لا نتفرَّقُ
ما بيننا يومَ الفخار تفاوتٌ
أبداً كلانا في المعالي معرقُ
إلَّا الخلافة ميّزتك فإنَّني
أنا عاطلٌ عنها وأنت مطوَّقُ.
وحين نصل للعصر الحديث، نجد على سبيل المثال «الجواهري» الذي يصف في «مذكراته» لحظة الحنق والغضب التي وصل لها في يوم من الأيام لأنَّ الحكومة استوزرت «محمد رضا الشبيبي» مرة، ومرة «علي الشرقي»، وهما من أقاربه، ولم تستوزره، فيقول: «كنتُ أكاد أمزَّقُ عباءتي لأنَّني لم أستوزر مثلهما، وإلا فبماذا يفضلانني»، فيما يورد الدكتور «محمد حسين الأعرجي» رسالة كتبها الجواهري في عام 1980 إلى أحد أصدقائه من زعماء المعارضة العراقية، يقول في بعض منها: «المصيبة، يا حبيبي، أن هناك من لا يتذكرني إلَّا عندما يحتاج أنْ أغنَّيه، حتى لكأنَّي لستُ شيئاً غير ذلك، وحتَّى لكأنَّ كل ذلك التاريخ وكل تلك الجولات وكل تلك التضحيات لا تستحق أكثر من أنْ تُسمَّى شعراً، وصاحبها شاعراً، وعلى هذه المقاييس المضحكة المبكية معاً كان الواقع المر يطبق علي حين تُقتسمُ الحصص، ولك أنْ تتذكر الشواهد عليها». والغريب أنَّ الجواهري لم يتغير إزاء طموحه للسلطة، فمنذ أن كان عمره في الثلاثينيات، كان غاضباً لأنَّه لم يستوزر، وحتى حين وصل عمره إلى الثمانينيات، كان غاضباً أيضاً لأنَّه لم يُشمل بتوزيع الحصص، والأغرب من ذلك أنَّه كان منزعجاً من صفة الشاعر فقط، فهي لا تُشبع غرورَه -على ما يبدو- رغم أنَّه ملأ الدنيا المعاصرة، لكنَّه بقي طامحاً لأن يكون له مستقبلٌ سياسي.
فالجواهري الشاعر لم يكتف بالشعر، إنما يطمح لمكانٍ سياسي، فيما يتخذ «صدام حسين» موقفاً آخر لا يقل غرابة عن موقف «الجواهري»، ولكنه في اتجاه مغاير تماماً، ذلك أن أحد الشعراء العراقيين يروي لي أنه جاء مع أحد وفود المحافظات لزيارة صدام حسين.
وبعد أن أنهى الوفد طلباته، انصرفوا جميعاً، لكن صدام حسين طلب من الشاعر أن يبقى. ويذكر لي ذلك الشاعر أنه بقي في القصر الجمهوري ما يقارب الثلاثة أيام، في كل ليلة يلتقي به صدام حسين، ويعرض عليه قصائده، حيث يقول لي صديقي الشاعر: بات الخوف يهيمن عليّ، فكيف لي أن أقول لصدام حسين إنك تكسر في الوزن. ولكنه كان يقول له: «سيدي، ثمة مشكلات في العروض»، فيقول له صدام حسين: نعم، أنا الآن أقرأ في ميزان الذهب، وأحاول أن أتعلم العروض. وقد بقي صديقي الشاعر على هذه الحال ثلاثة أيام، في كل ليلة يعرض صدام حسين عليه قصائده، والشاعر يبدي ملاحظاته، إلى أن دخلت أميركا إلى أفغانستان، عندها تغير جدول الرئيس، وعاد صديقي إلى محافظته؛ موقفان غريبان بصراحة، حاكم مثل صدام حسين يملك كل شيء، لكنه يطمح في أنْ يكون شاعراً، والجواهري الشاعر الذي يملك قيادة الشعر على مدى قرن من الزمن، يطمح أن يكون وزيراً أو مسؤولاً في الحكومات.
لقد انخرط معظم الشعراء العراقيين المعاصرين، وخصوصاً بعد الخمسينيات في الحركات السياسية، وانتظموا مع الأحزاب في ذلك الوقت، وكان الحزب الشيوعي من أكثر الأحزاب التي انخرط في صفوفه الشعراء، ولكن لم يصلوا إلى مصدر القرار المؤثر في حركة البلد، إلا أنهم حصلوا على الدعم الإعلامي من ماكينة الحزب في ذلك الوقت، أمثال عبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وآخرين، فيما اختط بعض الشعراء خط القومية العربية، وحزب البعث على وجه التحديد، ليكونوا جزءاً من ماكينته العقائدية، ومن خلاله تسلموا مناصب في إدارة الدولة، بعد سيطرة حزب البعث على مقاليد الحكم في العراق بعد 1968، وظهرت طبقة من الشعراء الذين خرجوا من حاضنة البعث، ليستلموا مناصب كبرى في إدارة الدولة، أمثال الشاعر شاذل طاقة الذي كان وزيراً للخارجية، والشاعر صالح مهدي عماش الذي كان وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الجمهورية، والذي كانت له سجالات شعرية معروفة مع الجواهري، وكذلك الشاعر شفيق الكمالي الذي أصبح وزيراً للثقافة، وحميد سعيد وسامي مهدي وعبد الأمير معلة الذين أصبحوا وكلاء لوزارة الثقافة على مدى سنوات طويلة من حكم حزب البعث، كما أن هناك قيادات أخرى في مفاصل حزب البعث، أمثال الشاعر كمال الحديثي وآخرين.
ولنا بـ«محمود درويش» مثالٌ كبيرٌ على ذلك، فهو من حرر «وثيقة استقلال فلسطين» التي كُتبت وأعلِنت في الجزائر عام 1987، ولكنَّه عاد واختلف مع «ياسر عرفات» بعد اتفاقية «أوسلو» التي وصفها «درويش» بأنَّها خيبة أمل، والتي على أثرها رفض درويش تولي منصب وزير الثقافة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.