حان وقت الطبيعة

يوم البيئة العالمي يحتفي بالتنوع الحيوي

حان وقت الطبيعة
TT

حان وقت الطبيعة

حان وقت الطبيعة

يوم البيئة العالمي، الذي تحتفل به الأمم المتحدة في الخامس من يونيو (حزيران)، مرَّ هذه السنة بهدوء، وذلك للمرة الأولى منذ إطلاقه عام 1974. يحمل اليوم هذه السنة عنوان حماية التنوع الحيوي تحت شعار «حان وقت الطبيعة»، وكان يُفترض أن تستضيف كولومبيا احتفاله الرئيسي، قبل القرار القسري بتحويله إلى نشاطات إلكترونية. وتأتي هذه المناسبة بعد أسبوعين من اليوم الدولي للتنوع البيولوجي في الثاني والعشرين من مايو (أيار) ، وكان شعاره هذه السنة «حلولنا في الطبيعة»، للتأكيد على أنه لا يمكن للبشر إيجاد حلول لمشكلاتهم إلا إذا عملوا بالتناغم مع النظام الطبيعي لا ضده.
ترتبط سلامة النظام الإيكولوجي بصحة الإنسان ورفاهيته، وتؤثر التغييرات البيئية الناشئة عن النشاط البشري في أعداد الكائنات الحية وتقلل من التنوع الحيوي. وفي كثير من الأحيان، لا تقتصر الأضرار على البيئة والمحيط الحيوي بل تطال عوامل التنمية المحلية، وتوفّر الظروف المناسبة لانتشار الأمراض، لا سيما تلك المنتقلة من الحيوان إلى الإنسان، كما في جائحة فيروس «كورونا» الراهنة.
- الطبيعة في أزمة
في تقريره الذي صدر السنة الماضية، خلص المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية إلى أن «الطبيعة تواجه أزمة»؛ فهي مهدّدة في تنوعها الحيوي وفقدان الموائل، إلى جانب تغيُّر المناخ وانتشار الملوثات السامة.
وفي إطار التصدي لوباء فيروس «كورونا» الجديد، يدعو برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) البشر إلى حماية أنفسهم من التهديدات العالمية المستقبلية، من خلال تطبيق إدارة سليمة للنفايات الطبية والكيميائية الخطرة، واعتماد إدارة قوية للطبيعة والتنوع البيولوجي، مع تبنّي خطط متوازنة للتعافي الاقتصادي، وخلق وظائف خضراء، وتسهيل الانتقال إلى اقتصادات محايدة كربونياً.
ويُعدُّ التنوع الحيوي أمراً بالغ الأهمية للتنمية ورفاهية الإنسان، إذ يعتمد أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يوازي نحو 44 تريليون دولار، على موارد الطبيعة. وترتبط معيشة 70 في المائة من فقراء العالم بما تنتجه الطبيعة، سواء أكان ذلك عبر الزراعة، أو صيد الأسماك وجمع منتجات الغابات، وغيرها من الأنشطة ذات الصلة.
ويتأثر الأمن الغذائي العالمي بفقدان التنوع البيولوجي والتصحر والصدمات الناجمة عن تغيُّر المناخ؛ حيث يعاني 821 مليون شخص من نقص التغذية ويواجه مليارا شخص سوء التغذية. وفيما تعتمد ثلاثة أرباع محاصيل العالم على الحشرات من أجل تلقيح الأزهار، فإن أعداد هذه الحشرات، التي تشكّل أساس الأمن الغذائي العالمي، تنهار بسرعة.
كما تعمل النظم البيئية، خاصة الغابات، على تخفيف وطأة التغيُّر المناخي، عبر التقاط وتخزين الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ويمكن للنظم البيئية السليمة والمعافاة أن تساهم بما نسبته 37 في المائة من التخفيف المطلوب في الانبعاثات للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية. وفي المقابل، يؤدي تلف النظم البيئية، كالأراضي التي تحتوي كميات كبيرة من المواد العضوية وأشجار «المنغروف» الشاطئية والغابات المطيرة الاستوائية، إلى إطلاق الكربون بدلاً من تخزينه.
وفيما تساعد النظم الغنية بالأنواع الحية على تلطيف أثر الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والعواصف والأمواج العاتية والانهيارات الثلجية وانزلاقات التربة والجفاف، يواجه العالم سنوياً خسائر كبيرة في النظم الطبيعية، إذ تفقد الأرض 13 مليون هكتار من غاباتها، ويطال التصحر 3.6 مليار هكتار.
لقد طال تغيير استخدامات الأراضي بفعل النشاط البشري نحو ثلاثة أرباع سطح الأرض، مما أدى إلى تقييد الحياة البرية ضمن مساحة ضيقة للغاية. وتسبب تدمير الموائل وتغيُّر المناخ والصيد غير الشرعي، وتسلل الأنواع النباتية والحيوانية الغريبة عن البيئة المحلية في تعريض نحو مليون نوع من الحيوانات والنباتات إلى خطر الانقراض، وفقاً لنتائج التقرير الأخير عن التقييم العالمي للتنوع الحيوي، مما جعل العلماء يصفون ما يجري على أنه حدث انقراض جماعي عالمي سادس.
وتؤدي النزاعات المسلحة وغياب حالة الاستقرار إلى تعزيز المخاطر التي تطال الأنواع الحية، فيزداد الصيد الجائر والتجارة غير الشرعية بالأنواع المهددة بالانقراض، وتصبح التعديات على الموائل الطبيعية، كالغابات والأحراج خارج سلطة القانون. ففي البادية السورية وعلى أطرافها، مثلاً، تسببت الحرب في إبادة قطعان غزال الرمل والمها العربية، وتراجع أعداد الذئاب الرمادية والضباع المخططة والثعالب، كما شمل الضرر التحطيب الجائر لأنواع الأشجار المحمية كالبطم الأطلسي.
وكان الاجتماع الثالث عشر لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة، الذي عُقد في فبراير (شباط) الماضي، خلص إلى أن أعداد معظم الأنواع المهاجرة التي تغطيها الاتفاقية آخذة في التناقص، رغم بعض قصص النجاح. وفي هذا المؤتمر، نالت هيئة البيئة في أبوظبي جائزة «أبطال المحافظة على الأنواع المهاجرة»، لإسهاماتها البارزة في الحفاظ على أبقار البحر، والطيور الأفريقية الأوراسية الجارحة، وغيرها من الحيوانات المهاجرة ذات الأهمية الإقليمية.
وتعدّ أربع دول عربية، هي مصر وسوريا ولبنان وليبيا، مناطق ساخنة لصيد الطيور في حوض البحر المتوسط. واستناداً إلى تقرير صدر عن منظمة «بيردلايف» في 2016، كانت هذه الدول مسؤولة عن نصف أعداد الطيور التي جرى صيدها سنوياً على نحو غير شرعي في هذه المنطقة. وتقدّر المنظمة أنه من بين 25 مليون طائر يقتل سنوياً، هناك 5.7 مليون طائر يجري صيده في مصر، و3.9 مليون في سوريا، و2.6 مليون في لبنان، و0.5 مليون في ليبيا.
وتصف المنظمة لبنان بأنه «ثقب أسود» للطيور قياساً إلى مساحته وعدد سكانه، وتتعرض الأنواع المهاجرة في سمائه كاللقلق الأبيض إلى صيد جائر استدعى مناشدات دولية للحكومة اللبنانية، من أجل اتخاذ إجراءات حاسمة لمنع إطلاق النار على أسراب الطيور.
وتشكّل البيئات المتنوعة في السعودية محطات مهمة لكثير من أنواع الطيور المقيمة، كالغاق السقطري المهدد بالانقراض وطيور الخرشنة البيضاء الخد، وكذلك الطيور المهاجرة كالحبارى والكروان والصقور والرهو، وغيرها من الطيور الجارحة والعصفوريات والطيور المائية. ولكن الصيد الجائر يجعل جهود السعودية في حماية الأنواع الحية أكثر صعوبة، خاصة مع التراجع الكبير في أعداد طائر القميري وحيوان الضب.
ويؤدي التلوث وزيادة المغذيات إلى تراجع نوعية المياه في المناطق الساحلية، إذ تُظهر الدراسات ارتفاع مستويات الحموضة في المحيطات بنسبة 26 في المائة منذ بداية الثورة الصناعية. وتمثّل البحار أكبر مصدر للبروتين في العالم؛ حيث يعتمد عليها أكثر من 3 مليارات شخص، وهي تمتص نحو 30 في المائة من غازات الدفيئة التي ينتجها البشر.
ويشير تقرير صدر عن «الصندوق العالمي للطبيعة» إلى فشل الدول العربية المتوسطية في بلوغ أهدافها المتعلقة بإنشاء المحميات البحرية للحفاظ على التنوع الحيوي ودعم اقتصاداتها الوطنية. وبحسب التقرير، فإن التنوع الحيوي في البحر المتوسط تراجع بنسبة 41 في المائة خلال السنوات الخمسين الماضية، وأصبحت 80 في المائة من أسماكه عرضة للصيد الجائر، وبعضها في طريق الانقراض.
- سنة حاسمة للأنواع الحية
يرى تقرير التنمية المستدامة العالمية، الذي صدر خلال السنة الماضية تحت عنوان «المستقبل الآن: العلم لتحقيق التنمية المستدامة» أن التداعي الذي لا عودة عنه في النظم الطبيعية يمثل تهديداً كبيراً لإنجازات العقدين الماضيين على الطريق نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة لسنة 2030. لكنه خلص إلى أنه لا يزال من الممكن تحقيق مستقبل أفضل شريطة إجراء تغيير جذري في سياسات التنمية.
ومن ضمن الإجراءات التي يدعو إليها التقرير حماية المشاعات البيئية العالمية مثل الغلاف الجوي والغابات الإستوائية والمحيطات، بوصفها مصادر حيوية لخدمة النظم الإيكولوجية والموارد الطبيعية. ويحثّ التقرير الحكومات والمجتمعات المحلية والقطاع الخاص والجهات الفاعلة الدولية على العمل معاً من أجل الحفاظ على الموارد الطبيعية، واستخدامها على نحو مستدام.
ويعتبر كثيرون أن سنة 2020 ربما تكون حاسمة في تحقيق النجاح أو الفشل. فهي تمثل بداية عقد من العمل لتحقيق أهداف التنمية العالمية؛ حيث سيقود برنامج الأمم المتحدة للبيئة وشركاؤه عشر سنوات عاصفة في محاولة لاستعادة النظم الإيكولوجية. كما ستعيد الاجتماعات الدولية الرئيسية، بما فيها مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في نهاية 2020. صياغة استراتيجية عالمية جديدة للتنوع البيولوجي خلال العقد المقبل.
تأمل الأمم المتحدة أن تكون 2020 سنة للتأمل وللحلول. وهي في الواقع سنة لاختبار قدرة العالم على تجاوز جائحة «كورونا»، وفي الوقت عينه تعزيز القدرات على مواجهة التحديات المستقبلية في العلاقة مع الطبيعة ومكوناتها. لكنها أيضاً فرصة لدراسة الخيارات المتاحة وإعادة البناء على أسس خضراء، تعزّز مرونة المجتمعات، وتحفظ التنوُّع الحيوي الذي يضمن رفاهية الإنسان واستدامة الحياة على كوكب الأرض.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».