صنعاء: سوق سوداء لـ«كورونا» تتاجر بالموت وتخفي الغذاء والدواء

أسعار القبور ترتفع... ومعاناة السكان تتضاعف

كوادر طبية تجري فحص حرارة ليمنيين في صنعاء (أ.ب)
كوادر طبية تجري فحص حرارة ليمنيين في صنعاء (أ.ب)
TT

صنعاء: سوق سوداء لـ«كورونا» تتاجر بالموت وتخفي الغذاء والدواء

كوادر طبية تجري فحص حرارة ليمنيين في صنعاء (أ.ب)
كوادر طبية تجري فحص حرارة ليمنيين في صنعاء (أ.ب)

لم يكن مشهد تجارة القبور في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين سوى مؤشر لسوق سوداء نجمت عن الإجراءات المصاحبة لتفشي فيروس كورونا المستجد؛ هذا ما كشفه سكان وموظفون في مؤسسات تسيطر عليها الجماعة.
من خلال متابعة لتصرفات الميليشيات، فإن أزمات اليمنيين المعقدة المتلاحقة تحولت إلى بوابات عبور لخلق مزيد من الأسواق السوداء، بغية التربح والثراء على حساب وجع ملايين السكان الذين يصرخون وينزفون يومياً بصمت، في مواجهة بنادق مسلحي الجماعة وصرخاتهم وهم يهتفون بحياة قائدهم الحوثي.
وألقت جائحة «كورونا» أيضاً بدلوها خلال الأسابيع الماضية، لتجعل من جيوب اليمنيين مصدراً إضافياً لأموال الميليشيات التي كانت قد فرضت على التجار والمؤسسات والشركات دفع مبالغ طائلة، بحجة المساهمة المجتمعية في التصدي للوباء. وكان من أبرز تجليات هذه المعضلة تناسل أشكال جديدة للأسواق السوداء برعاية حوثية.
تجارة موت؟
رغم أن الجماعة وقادتها يصرون على التكتم على الأعداد الحقيقية للإصابات بالفيروس والوفيات، فإن وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي ومواكب الجنائز والمصادر الطبية والتصريحات الأممية، كل ذلك ساهم في إعطاء صورة واضحة عن حجم المأساة التي فضلت الجماعة الاستثمار فيها، بدلاً من التخفيف منها.
ومع تزايد أعداد الوفيات في الأيام الماضية على نحو غير مسبوق في صنعاء، أمر قادة الجماعة -وفق ما أفادت به مصادر محلية وشهود لـ«الشرق الأوسط»- بإغلاق كثير من المقابر الرئيسية أمام عشرات الوفيات التي تتدفق يومياً، والتي يرجح أن أغلبها بسبب الإصابة بـ«كورونا»، في مسعى لخلق أزمة قبور، وتحويل المقابر إلى سوق سوداء تفتح أبوابها لمن يدفع أكثر، في مشهد وصفه يمنيون بأنه «تجارة موت».
يقول شهود في العاصمة المختطفة إن قادة الجماعة المسؤولين عن قطاع الأوقاف في صنعاء وجهوا القائمين على مقبرة «خزيمة»، وهي من أكبر وأقدم المقابر وسط العاصمة، بعدم استقبال أي وفيات للدفن في المقبرة، وهو ما حدث بالفعل، إذ تم تعليق إشعار على باب المقبرة نفسها يعتذر عن استقبال أي وفيات. وأفادت مصادر مطلعة على ما يدور في أروقة حكم الميليشيات بأن قادتها تلقوا تعليمات بعدم إتاحة الدفن في المقبرة إلا لذوي النفوذ، ومقابل دفع أموال ضخمة، في حين لا يجد البسطاء من الناس مكاناً لدفن موتاهم إلا بالتوجه إلى المقابر الموجودة في أطراف العاصمة.
واضطر يمني اكتفى بالترميز إلى اسمه بـ«محمد ن.»، وهو موظف سابق في قطاع الكهرباء عاطل عن العمل حالياً، لدفع مبلغ 150 ألف ريال يمني مقابل الحصول على قبر لوالدته التي وافاها الأجل قبل 3 أيام في أحد أحياء مديرية شعوب بصنعاء (الدولار نحو 600 ريال). والمبلغ يعد ضخماً، مقارنة بالمبالغ المتعارف عليها التي كانت تتراوح بين 5 و10 آلاف ريال، قبل حلول «الجائحة الحوثية» في أواخر 2014.
ويكشف «محمد» أن هذه المبالغ زادت أيضاً في بعض المقابر الأخرى في صنعاء، لتصل إلى نحو 300 ألف ريال، إذ يعتقد -ومعه آخرون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»- أن القائمين على المقابر يقومون باقتسام هذه الأموال مع مشرفي الجماعة الحوثية، فضلاً عن الرسوم التي يتقاضونها مقابل استخراج شهادات الوفاة والتصريح الأمني بالدفن.
ومن جهته، قال مسؤول محلي في أحد الأحياء في صنعاء، حين طلبت منه «الشرق الأوسط» التعليق على ما يشاع عن أزمة القبور، إن قادة الجماعة الحوثية رفضوا مقترحاً سابقاً لإيجاد تسعيرة موحدة للقبور تراعي الظروف المعيشية للسكان.
ويعتقد المسؤول المحلي الذي فضل عدم ذكر اسمه لاعتبارات تتعلق بسلامته، أن الجماعة الحوثية ليست في وارد تخفيف معاناة الناس، بقدر ما يعمل مشرفوها على ابتكار مزيد من الطرق لجني المال وإذلال السكان.
اختفاء المعقمات
ومن قبل أن تتفاقم أخيراً أزمة المقابر في صنعاء، كانت الميليشيات الحوثية التي تسيطر عبر الموالين لها على سوق الدواء المحلي والمستورد، قد وجدت في الجائحة «الكورونية» بوابة لخلق سوق سوداء للأدوات الصحية المساعدة على الحماية والوقاية كافة، بما في ذلك الكمامات والقفازات الطبية وعقار «فيتامين سي»، وحتى أقراص الإسبرين التي تضاعف سعرها بالتزامن مع اختفائها في كثير من الصيدليات.
وأفاد لـ«الشرق الأوسط» بهذا الخصوص كثير من السكان في صنعاء بأن أغلب الصيدليات خالية من الكمامات، في حين يلجأ أغلب السكان إلى السوق السوداء للحصول عليها، بعد أن وصل سعر الكمامة العادية إلى قرابة 500 ريال.
ويتهم عاملون في القطاع الصحي في صنعاء، في حديث مع «الشرق الأوسط»، قادة الجماعة الحوثية المشرفين على هذا القطاع بالتواطؤ مع تجار الأدوية والمستلزمات الصحية لخلق السوق السوداء، ويستغربون من اختفاء أبسط الأدوية المطلوبة للوقاية من مختلف الصيدليات، دون وجود أي رقابة أو حلول للمشكلة المستعصية.
وفي حين لم تكن أزمة الأدوية الوقائية وحدها هي المشكلة في هذا الباب، أكد العاملون الصحيون أن المشكلة انتقلت إلى موت المئات من السكان يومياً بأمراض ليس لها علاقة بـ«كورونا»، بسبب رفض المستشفيات الحكومية والخاصة استقبال الحالات الطارئة، وصمت الجماعة الحوثية على ذلك.
وتتعاضد هذه الشهادات مع ما كان قد أكده ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي، من وفاة أقارب لهم في صنعاء بسبب أمراض «الكلى» أو «الربو» أو «السكر»، نتيجة عدم حصولهم على الرعاية الطبية في المستشفيات الخاضعة للجماعة التي يتم في الأغلب تجهيز متطلباتها من مساعدات المنظمات الدولية.
إخفاء الغذاء
وفي السياق ذاته، ساهم سوء إدارة الجماعة الحوثية للأزمة في صنعاء وغيرها من المناطق في خلق «سوق سوداء» أخرى في بعض السلع والمواد الغذائية التي شاع بين الناس أنها ترفع المناعة، وتساهم في الوقاية من الإصابة بالفيروس المستجد.
ويؤكد السكان في صنعاء أن سعر الليمون -على سبيل المثال- وصل إلى أرقام قياسية، بعد أن شاع أنه يحتوي على «فيتامين سي»، وهو ما جعل سعر الكيلو منه يصل إلى قرابة 3 آلاف ريال (نحو 5 دولارات)، بعد أن كان لا يتعدى 500 ريال فقط.
أحد ملاك المتاجر الخاصة ببيع الخضراوات والفاكهة في سوق «شميلة»، جنوب العاصمة، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم وجود رقابة من قبل الجماعة الحوثية على الأسواق لضبط الأسعار كان سبباً رئيسياً في تحول بعض السلع إلى «سوق سوداء»، كما هو الحال مع الليمون.
ولم يستبعد التاجر الذي رمز لاسمه بـ«ن. ج.» أن يكون المشرفون الحوثيون هم أنفسهم من يقومون بالاتجار في مثل هذه السلع واحتكارها لجهة الحصول على مزيد من الأموال، دون مراعاة لأحوال الناس.
ترويج الأوهام
ومقابل حالة الهلع التي تسيطر على الشارع في صنعاء وبقية مناطق الجماعة خشية الإصابة بالوباء، خاصة في ظل تكتم الميليشيات على الأرقام الحقيقية، ومغادرة الطواقم التابعة للمنظمات الدولية، والتعامل مع المصابين وذويهم على أنهم «مجرمون»، سارعت الجماعة إلى ترويج كثير من الأوهام على لسان قادتها بخصوص واقع الوباء والتعامل معه.
ومن هذه الأوهام التي أثارت سخرية الشارع اليمني ما روجه وزير صحة الجماعة طه المتوكل عن وجود حركة حثيثة -على حد زعمه- في المختبرات والصيدليات والمراكز الخاضعة للجماعة من أجل التوصل إلى دواء لـ«كورونا» في القريب العاجل، فضلاً عن مزاعمه عن أن أفضل احتواء للمرض هو عدم الوقوع في أخطاء الدول الكبرى بذكر الأرقام عن الإصابات والوفيات.
وتقدر مصادر طبية في صنعاء وناشطون أن الإصابات في مناطق سيطرة الجماعة باتت بالآلاف، والوفيات بالمئات، في وقت صار فيه أغلب الناس يفضلون بقاء مرضاهم في المنازل، بعد أن شاع أن الجماعة الحوثية تقوم بتصفية الحالات المصابة في مستشفيات العزل التي خصصتها في صنعاء وذمار وإب، بمجرد وصولها.
يشار إلى أن الجماعة الحوثية التي يرى فيها اليمنيون أكبر جائحة أصابت اليمنيين في تاريخهم المعاصر، كانت قد اعترفت، حتى 18 مايو (أيار) الماضي، بتسجيل 4 حالات بالإصابة بـ«كورونا» فقط، زاعمة أن حالتين منهما تماثلتا للشفاء.
وكان ناشطون في صنعاء قد وثقوا مئات الوفيات خلال الأسبوعين الأخيرين، يرجح أنها ماتت بسبب الإصابة بالوباء المستجد، منهم شخصيات موالية للحوثي، وأطباء وأساتذة جامعيون ومحامون وقضاة ورجال أعمال.


مقالات ذات صلة

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«ضغط مصري» يعيد مستوى إرشادات السفر الأميركية إلى ما قبل الحرب الإيرانية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

«ضغط مصري» يعيد مستوى إرشادات السفر الأميركية إلى ما قبل الحرب الإيرانية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

أعلنت مصر أن الولايات المتحدة أعادت إرشادات السفر الخاصة بالقاهرة إلى ما كانت عليه قبل الحرب الإيرانية، ورفعت اسمها من قوائم الدول التي دعت مواطنيها إلى مغادرتها، وذلك بعد اتصالات مكثفة بالدول الغربية للتأكيد على استقرار الأوضاع الأمنية.

وعدَّ خبراء ومحللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» نجاح ذلك الضغط المصري انعكاساً مهماً لتفهم الغرب لأهمية دور مصر في هذه الظروف الإقليمية شديدة الحساسية.

وأفادت الخارجية المصرية، في بيان أصدرته الأربعاء، بأنها كثفت من اتصالاتها «مع الدول الغربية الصديقة والشريكة»، في إطار المتابعة المستمرة لتداعيات التصعيد العسكري الراهن في المنطقة.

وأكدت مصر خلال الاتصالات على «مناخ الأمن والاستقرار الذي تتمتع به»، وعدم الحاجة إلى إجراء أي تعديلات على إرشادات السفر الخاصة بها، لا سيما وأنها تُعد أحد المراكز الأساسية لعمليات إجلاء الأجانب من المنطقة عند الحاجة.

وأسفرت هذه الاتصالات المكثفة، حسب البيان المصري، عن «الحفاظ على إرشادات السفر الصادرة عن عدد من الدول بشأن مصر، ومن بينها الولايات المتحدة وكندا وآيرلندا».

ونشر الجانب الأميركي، حسب البيان المصري، تحديثاً بتاريخ الثالث من مارس (آذار) يُبقي إرشادات السفر الخاصة بمصر على ذات المستوى الذي كانت عليه قبل التصعيد العسكري الأخير «في انعكاس للأمن الذي تتمتع به مصر رغم التحديات الإقليمية المحيطة».

مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، أن هذه الخطوة الأميركية التي جاءت بعد ضغوط «ليست مجرد تعديل فني في إرشادات السفر، بل تحمل مؤشراً سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً يعكس تفاعلاً إيجابياً مع التحرك المصري في لحظة إقليمية شديدة الحساسية».

ويعكس ذلك، حسب تصريحات حجازي لـ«الشرق الأوسط»، نجاحاً للتحرك الدبلوماسي في إدارة أزمة إرشادات السفر مع عودة التقييم الأمني للدول الكبرى بأن مصر «لا تزال مستقرة وآمنة رغم الاضطرابات بالمنطقة».

وأضاف: «وهذا يكشف عن تفهم غربي للموقف المصري، وإدراك أهمية عدم توجيه رسائل سلبية قد تؤثر على دولة بحجم مصر تلعب دوراً محورياً في إدارة الأزمات بالمنطقة».

واستطرد: «الإشارة إلى مصر بصفتها مركزاً محتملاً لعمليات إجلاء الأجانب في حال تفاقمت الأوضاع الإقليمية تحمل دلالة إضافية مهمة؛ فهي تعكس ثقة في البنية التحتية والقدرة التنظيمية للدولة المصرية وفي استقرارها».

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد دعت، الاثنين، رعاياها إلى مغادرة نحو 15 دولة في الشرق الأوسط، من بينها مصر، على الفور في ظل الضربات الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران.

ولم تقدم الخارجية الأميركية سبباً لإدراج مصر بتلك القائمة، الذي يأتي بعد نحو ثمانية أشهر من رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب إدراجها بقائمة الدول الخاضعة لحظر السفر إلى الولايات المتحدة، التي ضمت 12 دولة جديدة، من بينها أربع دول عربية، وذلك بعد هجوم بولاية كولورادو كان المشتبه به مصري الجنسية. وأرجع ترمب ذلك وقتها إلى أن «الأمور تحت السيطرة بالقاهرة».


هل يكون خط «سوميد» المصري بديلاً مؤقتاً لمضيق هرمز؟

وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)
TT

هل يكون خط «سوميد» المصري بديلاً مؤقتاً لمضيق هرمز؟

وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)

وسط تطورات الحرب الإيرانية المستمرة، برز الحديث في مصر عن خط أنابيب «سوميد» الرابط بين البحرين الأحمر والمتوسط لنقل النفط، مع إعلان طهران غلق مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية أن يكون الخط الذي يعد حلقة وصل حيوية بديلاً مؤقتاً للمضيق المضطرب.

وتطرق وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي لهذا الأمر خلال مشاركته في مؤتمر صحافي للحكومة المصرية، الثلاثاء، حين قال إن مصر «تمتلك الإمكانيات الفنية واللوجيستية الكافية لدعم هذا المسار الاستراتيجي»، عادّاً أن خط «سوميد» يعزز من مرونة تدفق الإمدادات النفطية في المنطقة، ومؤكداً استعداد بلاده للتعاون مع دول الخليج لتسهيل نقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط من خلاله.

واتفق خبراء في مجال الطاقة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» على أن خط «سوميد» يمكن أن يخفف من أزمة الطاقة المشتعلة حالياً في غياب أفق سياسي يمكن أن يوقف الحرب الحالية، مشيرين إلى أن الخط جرى تصميمه لكي يكون بديلاً حال وجود عوائق لنقل النفط عبر قناة السويس.

خط «سوميد»

تمتلك خط الأنابيب الشركة العربية لأنابيب البترول (سوميد) بملكية عربية مشتركة تقودها مصر بحصة 50 في المائة عبر «الهيئة المصرية العامة للبترول»، إلى جانب شركاء آخرين في دول الخليج.

ويمتد الخط داخل مصر من مدينة العين السخنة على خليج السويس إلى منطقة سيدي كرير على البحر المتوسط، وتبلغ سعته قرابة 2.8 مليون برميل يومياً.

وحسب بيانات وزارة البترول المصرية، فقد نقل هذا الخط قرابة 24.9 مليار برميل من النفط الخام، وأكثر من 730 مليون برميل من المشتقات النفطية، منذ بدء تشغيله عام 1974 وحتى عام 2024.

ميناء سوميد البترولي في مصر (وزارة البترول المصرية)

وعن إمكانية استخدام خط «سوميد» بديلاً لمضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله خُمس تجارة النفط العالمية وأكثر من 20 مليون برميل يومياً، قال رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة بمركز الأهرام للدراسات أحمد قنديل إن أهمية الخط تتمثل في تخفيف انقطاع تجارة النفط مع إعلان طهران إغلاق المضيق.

وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن شحنات النفط تصل إلى الخط من خلال شاحنات تنقله من ميناء ينبع السعودي إلى ميناء العين السخنة بمصر ومنه إلى البحر المتوسط ثم أوروبا، مشيراً إلى وجود تنسيق مع دول الخليج لاحتواء مخاوف إمدادات الطاقة خاصة بالنسبة للمستهلكين الأوروبيين.

ويعد قنديل أن وصول جزء من الصادرات الخليجية إلى الأسواق الأوروبية يُعد أمراً بالغ الأهمية مع انحسار البدائل الأخرى، كما أنه يسهم في الحد من قفزات خام برنت الذي تجاوز سعره حاجز 80 دولاراً للبرميل.

وقال: «بروز الخط المصري يأخذ أهمية مع غياب الأفق السياسي، ما يعني احتمالات إطالة أمد الصراع القائم».

القدرات التخزينية

ووفقاً لـ«إدارة معلومات الطاقة الأميركية»، فإن السبب الرئيسي لإنشاء خط أنابيب «سوميد» في هذا الموقع يرجع إلى أن ناقلات النفط العملاقة، التي تحمل نحو 2.2 مليون برميل، لا يمكنها عبور قناة السويس بسبب الوزن والعرض الزائد اللذَيْن قد يعرّضانها للغرق، وتضطر إلى تفريغ حمولتها في العين السخنة لتُنقل عبر الأنبوب إلى الجانب الآخر، وتُعيد سفن أصغر حجماً التحميل من ميناء سيدي كرير منطلقة إلى أوروبا وأميركا.

قوارب في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بسلطنة عُمان (رويترز)

ويشير خبير أسواق الطاقة رمضان أبو العلا إلى أن الخط المصري يعد بديلاً «لقناة السويس» ويمكن أن يسهم مؤقتاً في تخفيف حدة الأزمة الناتجة عن غلق مضيق هرمز، لافتاً إلى أنه يبقى أكثر فاعلية بالنسبة لناقلات النفط الآتية من السعودية وسلطنة عمان والبحرين والإمارات التي تصل إلى العين السخنة ومنها إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية.

ويتوقع أبو العلا أن يبقى «سوميد» أكثر أهمية بالنسبة لصادرات النفط الخليجية إلى أوروبا حال إطالة أمد الحرب، وأن يزيد الاعتماد عليه في تلك الحالة، لكنه يرى في الوقت ذاته أن ذلك يتطلب تجهيزات وتأميناً مشدداً لناقلات النفط في البحر الأحمر.

وتطرق خبراء في أسواق الطاقة إلى قيمة مضافة أخرى تتمثل في تعزيز القدرات التخزينية للخط ، حيث تمتلك شركة «سوميد» صهاريج تخزين كبيرة بسعة 40 مليون برميل نفط. وسبق لشركة «أرامكو» توقيع عقدَيْن في فبراير (شباط) 2019 مع الشركة لتوفير سعة تخزينية للسولار والمازوت.


السيستاني يدعو إلى وقف الحرب ويُحذر من «فوضى عارمة» في المنطقة

المرجع الشيعي علي السيستاني (إكس)
المرجع الشيعي علي السيستاني (إكس)
TT

السيستاني يدعو إلى وقف الحرب ويُحذر من «فوضى عارمة» في المنطقة

المرجع الشيعي علي السيستاني (إكس)
المرجع الشيعي علي السيستاني (إكس)

في الوقت الذي دعا المرجع الديني الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني، الأربعاء، إلى وقف الحرب الدائرة حالياً بين أميركا وإسرائيل وإيران، محذراً مما سماها «فوضى عارمة» يمكن أن تصيب المنطقة، في حال تصاعدها، أعلن رئيس حكومة تصريف الاعمال محمد شياع السوداني، أن «الدولة بمؤسساتها هي وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسلم»، وأن الحكومة «ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات «الجارية الآن»... وبموازاة ذلك، علمت «الشرق الأوسط» أن قوى «الإطار التنسيقي» قررت سحب ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، من دون أن تتفق على البديل.

رجل وسيدة يمران أمام مبنى مهدَّم جراء غارات وسط طهران (أ.ف.ب)

وقال السيستاني في بيان صدر عن مكتبه: «اتسعت دائرة العمليات العسكرية المضادة -كما كان متوقعاً- لتشمل عدداً من الدول الأخرى، حيث تعرّض عديد من مناطقها ومرافقها للأذى والأضرار، في مشاهد غريبة لا عهد للمنطقة بها منذ أمد بعيد». مبيناً أن «اتخاذ قرار منفرد بمعزل عن مجلس الأمن الدولي بشنّ حرب شاملة على دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة، لفرض شروط معينة عليها أو لإسقاط نظامها السياسي -بالإضافة إلى مخالفته للمواثيق الدولية- بادرة خطيرة جداً وتُنذر بنتائج بالغة السوء على المستويين الإقليمي والدولي».

وأشار إلى أنه «من المتوقع أن يتسبب ذلك في نشوب فوضى عارمة واضطرابات واسعة لمدة طويلة تُلحق الويلات بشعوب المنطقة وبمصالح الآخرين أيضاً».

وأكد البيان أن «المرجعية الدينية العليا إذ تدين بأشدّ الكلمات هذه الحرب الظالمة، وتدعو جميع المسلمين وأحرار العالم إلى التنديد بها والتضامن مع الشعب الإيراني المظلوم، تكرر مناشدتها جميع الجهات الدولية الفاعلة، ودول العالم لا سيما الدول الإسلامية، لكي تبذل قصارى جهدها، لوقفها فوراً، وإيجاد حلّ سلمي عادل للملف النووي الإيراني وفق قواعد القانون الدولي».

رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني (د.ب.أ)

قرار الدولة...

من جهته، أكد السوداني، وفقاً لبيان رسمي صدر عن مكتبه خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء، أن «القوات المسلحة العراقية بكامل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية»، مبيناً في الوقت نفسه أن «الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية في المحيط الإقليمي والدولي، ومن منطلق رئاسة العراق للقمة العربية، والسعي إلى تنسيق المواقف بما يؤمّن فرض الاستقرار ووقف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث مزيد من أسباب العنف».

ودعا السوداني إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

المالكي...

إلى ذلك وفي ظل تصاعد حدّة الحرب وتداعياتها السلبية على العراق، لا سيما في حال إغلاق مضيق هرمز تماماً، وتوقف تصدير النفط العراقي عبره، فضلاً عن الهجمات التي تقوم بها الفصائل المسلحة والهجمات المضادة التي تتعرض لها، لايزال «الإطار التنسيقي» الشيعي، غير قادر على حسم أمر مرشحه لرئاسة الوزراء بعد «الفيتو» الأميركي على رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن قوى الإطار قررت سحب ترشيح المالكي لمنصب رئيس الوزراء من دون أن تتفق على البديل، وأن المالكي أبلغ موفد الإطار له زعيم «منظمة بدر»، هادي العامري، الذي زاره فجر الأربعاء، بأنه لن يسحب ترشيحه ما لم يصدر القرار بالإجماع.

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

وطبقاً لمصدر مطلع من داخل «الإطار التنسيقي» الذي يجمع القوى السياسية الشيعية في العراق، فإن العامري زار المالكي، وتحدث معه بخصوص ما يرغب به بعض قادة «الإطار التنسيقي» لجهة سحب ترشيحه، وأبلغه بضرورة حصول ذلك، قبل انعقاد الاجتماع الثاني للإطار في الأيام المقبلة، إلا أن المالكي رفض، وأكد مشاركته في الاجتماع المقبل، لافتاً إلى أن «قرار الترشيح صادر عن قيادة الإطار، وإذا كان الإطار لا يريد ذلك، فعليه سحب الترشيح بالإجماع، وبحضور جميع قياداته».

في المقابل ذكر مدير المكتب الإعلامي للمالكي، هشام الركابي، في تدوينة على منصة «إكس»، أن «ما يُتداول حول سحب الإطار ترشيح الرئيس نوري المالكي غير صحيح».

وأضاف أن «ما نُشر بخصوص سحب الترشيح غير صحيح، ولا يحق لـ(الإطار التنسيقي) اتخاذ أي قرار في غياب الأعضاء الأساسيين عن الاجتماع».