كوفيري مادهافان: أتيت من الهند إلى سليغو

مختارات ييتس دفعتها إلى كتابة رواية «الملوث»

كوفيري مادهافان: أتيت من الهند إلى سليغو
TT

كوفيري مادهافان: أتيت من الهند إلى سليغو

كوفيري مادهافان: أتيت من الهند إلى سليغو

الطبيعة بأكملها تتآمر ضد محب الكتب. السمكة الفضية تخرج من الأكمام إلى الأغلفة، والعفن الفطري يتريث، ودود الكتب يتضاعف، والغبار يهبط بكثافة، طبقة فوق أخرى. ومع ذلك فإنها البلد الأفضل في العالم للوقوع في حب الكتب، فإلهة المعرفة الهندوسية ساراسواتي هي نفسها، في نهاية المطاف، التي تحضن الكتب بإحدى يديها الكثيرة. تأمر: اعبدوني، اقرأوا بإخلاص، وستكافأون بملاذات تفقدون أنفسكم وتجدونها فيها.
لا بد أن أبي عرف ذلك حين أضرب عن الطعام في الحادية عشرة من عمره، حين رُفضت منحة الدراسة الثانوية التي حصل عليها بجهد جهيد على أنها مضيعة للوقت. كان والداه يعيشان على الفلاحة بطموحات لا تتعدى المحصول القادم، فبدا التعليم لهما غير ضروري. لكنه رفض الطعام بإصرار، وبعد خمسة أيام تراجع جدي فغادر أبي قريته جنوب الهند، ليلتحق بمدرسة الملك جورج العسكرية في أقصى الشمال. كان ذلك عام 1946 حين قطع بالقطار 2200 كيلو متر من شبه القارة على مدى خمسة أيام، وهو لا يعرف الإنجليزية، لكي يصل إلى المدرسة. كان عمره 19 عاماً، ونسف حين عُين ضابطاً في الجيش الهندي عام 1954.
يؤسفني أنني لم أسأل أبي كيف تمكن من السيطرة على التعقيدات الهائلة في اللغة الإنجليزية، الاستثناء لكل قاعدة، اللفظ المليء بالمفارقة، النحو المتناقض والجمل التي يستحيل سبر غورها. كل ما أعرفه أن أبي عرف كيف يصعد الحياة قارئاً ومرر حبه للكتب إلينا: أخي وأنا.
حين أنظر للخلف أدرك أن والدي لو كانا ثريين لما صرت مولعة بالقراءة. لكن مثل العائلات العسكرية في كل أنحاء العالم، كنا نتأرجح على حواف الحياة المريحة. الكتب، مستعملة في الغالب، كانت بسطاً سحرية رخيصة، تحملنا لأماكن أبعد من إمكانات والدينا، بعيداً عن المدن المحصنة بالنفعية، ومدارس الرهبنة الصارمة، بعيداً عن معاناة فصول الصيف الحارقة شمال الهند، وشتاءاته القارسة ورياحه الموسمية المرعدة.
كانت طفولة فردوسية؛ إن كان سلوكنا مرضياً عنه جاءتنا الكتب، إن لم يكن أيضاً جاءتنا الكتب. لم يستطع والدانا ببساطة أن يفعلا غير ذلك؛ حرماننا من الكتب كان عقاباً مبالغاً به. نظرتهما الليبرالية منحت طفولتي هويتها، مئات الكتب التي أغرقاني فيها هي ما صنع المرأة التي أنا اليوم.
كنت في التاسعة حين حدثت الحرب الهندية الباكستانية عام 1971. عشنا في معسكر للجيش في كانبور، في بيت متهدم على مساحة هكتارين - أثر تركه الراجا، أعيد تجهيزه ليكون مقراً للضباط المتزوجين. مصنع الأسلحة القريب كان هدفاً رئيساً لهجوم جوي فكان على كل أسرة أن تحفر في حديقتها ملجأ يحمي من القنابل. كان صراعاً قصيراً ودموياً، ولكن لأننا كنا أطفالاً لم نعشه خارج حدود الخوف من أجهزة الإنذار أثناء إطفاء الكهرباء في الليل.

خرائط
غير أن الحرب منحتنا اهتماماً استمر طوال حياتنا بالجغرافيا والمناظر الطبيعية. ليشرح الخلاف مع باكستان كان أبي يستخرج الأطالس ويفرش الخرائط فنتتبع بأصابعنا الحدود، شرقاً وغرباً، الحدود التي رُسمت بطريقة عبثية عام 1947، دون تفكير بالناس الذين سيمزق بعضهم عن بعض. ومع ذلك فقد كان بإمكاني أن أرى وراء شبه القارة المتحاربة بقية العالم مفروشاً أمامي وكان شديد الإغراء.
«كانت معظم صداقات طفولتي قصيرة على نقيض الكتب التي أثبتت أن صداقتها أكثر دواماً».
عندما انتهت الحرب، بقيت الخنادق، واستفدنا أخي وأنا من خنادقنا. بإلهام من عالم الطيور الهندي سليم علي، حولنا ملجأ ضد القنابل إلى مخبأ. أخي ذو السبعة أعوام استخدم أداة التطيين لعمل رفوف في الجدران من الطين الأحمر لتخزين كل شيء قد يحتاجه مراقبو الطيور المبتدئون. تضمنت تلك حلوى نمتصها أثناء جلوسنا هادئين وكتاباً للمذكرات لكتابة أسماء الطيور التي كنا نلاحظها. قصت جدتي ستارة خضراء قديمة وخاطت لنا بذلات تمويهية مع أقنعة. ولا بد أننا خدعنا الطيور لأننا صرنا خبراء في التعرف على الحشود التي جاءت إلى حديقتنا.
بعد ذلك بقليل، وبعد أن سمح لي بالاحتفاظ بجرو ضال أحضرته معي من المدرسة، قلّبنا المكتبات بحثاً عن كل سفر حول رعاية الكلاب، فتنامت بسرعة مجموعة محورها الحيوانات من كل نوع. رواية جاك لندن «الناب الأبيض» كان الكتاب الذي ظل معي - ونداء البراري تصعب مقاومته حتى اليوم.
كانت الوحدات تتحرك باستمرار وبعد إشعار قصير، الأمر الذي أدى إلى أن تكون صداقات طفولتي قصيرة المدى على نقيض الكتب التي أثبتت أنه يمكن الاعتماد على رفقتها أكثر. لحسن الحظ كان كل تحرك مزعج يجلب معه وعداً برحلة قطار مثيرة عبر ريف ظلت فيه محطات القطار متزاوجة مع «عربات» بيع الكتب حتى اليوم، زواج صنعته السماء. سلسلة مكتبات المحطات الأسطورية ذات 143 عاماً جزء من تاريخ السفر في شبه القارة منذ 1877. إنها لم تأت بالشاعر الإنجليزي رديارد كبلنغ وحده عندما نشرت أعماله، وإنما أتاحت «العربات» الفرصة للتجربة الكبلنغية أيضاً.
بعد فترة طويلة من انطلاقة القطار من المحطة، لم يكن عليك سوى أن ترفع عينيك عن كتابك لتجد نفسك في قصة أخرى أبطالها غرباء تماماً يشتركون في القيود الحميمة للعربة معك، أو أولئك الذين عبر النوافذ يشاركونك المشاهد الريفية البانورامية التي هيأت خلفية لحيوات متخيلة. كل تلك القراءة والمشاهدة رسمت طرقاً لرحلتي في الكتابة نهاية الأمر.
كنت في الثانية عشرة من العمر حين انتقلنا إلى مومباي، ووجدنا أنفسنا في فردوس للقارئ، ذلك الذي تُفرش فيه الشوارع بالكتب، مع أنه كان يمكن أن تكون ذهباً. في سبعينيات القرن الماضي، كانت حوانيت الكتب المستعملة تصطف طوال الأرصفة عند تقاطع الطرق الخمسة في كالا غودا، حيث تبيع كل أنواع الرسومات الهزلية، إلى جانب الكتب والمجلات. تلك التجارة لا تزال مزدهرة في كل الهند، تدعمها الحالة النفسية الهندية التي ستتقبل تشويه كل شيء ما عدا الكتب. ساراسواتي، في حكمتها الإلهية، تصر على تقديس كل شيء ينير العقل، ولكن باستثناء النصوص المقدسة، لا أحد سيلقي بكتاب طالما أمكن بيعه بالكيلو.

أساطير هندية
أيام الأحد كان سراحنا يُطلق بين الأكشاك، بينما والداي يتصفحان على مرمى أذن. التهمنا ما انتقينا من المختارات - خدع المخلوقات النهرية التي قضت وقتاً طويلاً تجدف أو مغامرات رعاة البقر وخيولهم التي كانت دائماً قوية وتسمى «رعد». مزجنا الأساطير الهندية بحكايات الغابات، نسينا أنفسنا في مدارس داخلية حالمة وتأملنا دون توقف موضوع الشَعر الأحمر.
اشترى أبي أعداداً قليلة، لم يغيرها، من «الميكانيكي الشعبي» بخططها التوضيحية لبيوت الأشجار، الإسطبلات أو حتى الحوامات المصنوعة من أجهزة نفخ الأوراق - كلها مما يستحيل الحصول عليه في شقتنا الخالية من الأشجار، والخيول أو أوراق الشجر، لكن حياكة الأحلام المستحيلة مع والدي كانت ممتعة. أمي أحبت «ريدرز دايجست» بحكاياته المرهقة عن الهرب في آخر لحظة من براكين متفجرة وكوارث أخرى، كنا نتمنا بشغف أن نكون وسطها. لقد هيئنا والدانا للحياة بطريقة حلوة. مثلما هيئتنا عصابة من النساء بخُمُر بيضاء يابسة، قاسية لكنها أحياناً لطيفة، جاءت من مكان ما يبدو أنه مملوء بالضباب والخضرة، يسمى آيرلندا.
كنت أدندن حول البلد القديم قبل فترة طويلة من وضع قدمي على شاطئه، لأن حنين الراهبات للوطن أراد أن يغنّي ولم يكن لدينا خيار سوى الانضمام إليهن. أحياناً، في «أيام الأعياد»، كن يُصبن كلهن بالجنون التام وهن يجعلننا نعثر في طريقنا عبر «حصار إنِّس». ولكنهن في الغالب جعلننا نقرأ، نقرأ كثيراً. تعرفنا على صباحات سبتمبر (أيلول) المليء بالتفاح وبالناس الصغار في وديان صاخبة، وعلى طريق راغلان وتلك اللعنة التي عرفت في دروس الإلقاء - «جزيرة بحيرة إنيزفري» (قصيدة ييتس The Lake Isle of Innisfree). أنا متأكد أن «الأم المشرفة» هناك في الأعلى، وقد شقت طريقها عبر البوابات اللؤلؤية، تبتسم ابتسامة ملتوية وهي تراني، حين جئت من الهند إلى مسقط رأس الشاعر ييتس، سليغو، بعد عقد ونصف العقد، مزهوة بإلقاء القصيدة على شواطئ لاك غل (Lough Gill).
لقد كان ييتس، في مختارات مستعملة، هو الذي دفعني من على الحافة لأبدأ كتابة روايتي الجديدة «الملوث». خطر لي أن أطور أحداث العصيان في «كوفينوت رينجرز» لتصير رواية عندما التقطت عام 2001، وأنا أتسكع في يوم صيفي في السوق الأسبوعية، كتاباً ورقي الغلاف ومغبراً فتحت صفحاته عند قصيدة «الطيار الآيرلندي يتنبأ بموته». وقف شعر رأسي حين رددت: «أولئك الذين أحارب لا أكرههم/ وأولئك الذين أحرس لا أحبهم». كانت تلك روايتي في سطرين، وأدركت أن عليّ أن أكتبها.

- مادهافان كاتبة هندية المولد مقيمة في آيرلندا. والمقال منشور في صحيفة «آيريش تايمز» في 25 مايو (أيار) 2020، وهي الصحيفة التي تنشر فيها مادهافان.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».