«فيسبوك» يتكسب من حرب «ترمب ـ تويتر»

يسعى إلى صداقة مع الجمهوريين في مواجهة «رقابة نيابية» أخطر على الشركة من الانهيار الاقتصادي الناجم عن «كورونا»

مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ «فيسبوك»، وجاك دورسي، الرئيس التنفيذي لـ «تويتر»
مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ «فيسبوك»، وجاك دورسي، الرئيس التنفيذي لـ «تويتر»
TT

«فيسبوك» يتكسب من حرب «ترمب ـ تويتر»

مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ «فيسبوك»، وجاك دورسي، الرئيس التنفيذي لـ «تويتر»
مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ «فيسبوك»، وجاك دورسي، الرئيس التنفيذي لـ «تويتر»

في وقت سابق من هذا الأسبوع، ومع دخول مسؤولي موقع «تويتر» في مواجهة مباشرة مع الرئيس ترمب، اتخذ مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «فيسبوك»، مساراً مغايراً تماماً، من حيث النأي بالنفس بعيداً عن المواجهة.
ويوم الثلاثاء الماضي، ألحق موقع «تويتر» رابطاً للتحقق من الحقائق بإحدى التغريدات التي أطلقها الرئيس ترمب، والتي تنتقد التصويت عبر البريد. وقالت الشركة إن الرئيس ترمب قد انتهك القواعد المرعية فيما يتعلق بإخماد أصوات الناخبين. وكان الرئيس الأميركي قد نشر الكلمات نفسها على صفحته في موقع «فيسبوك» الذي يطبق القواعد المماثلة نفسها بشأن قمع الناخبين، بيد أن موقع «فيسبوك» لم يحرك ساكناً إزاء الأمر. وتصاعدت وتيرة المواجهة مع «تويتر» منذ صباح أول من أمس (الجمعة)، عندما ألحقت الشركة رابطاً بإحدى تغريدات الرئيس ترمب. وقالت الشركة إن تغريدة الرئيس ربما تؤدي إلى التحريض على العنف في خضم الاحتجاجات الراهنة في مدينة منيابوليس، غير أن شركة «فيسبوك» لم تفعل أي شيء البتة بعد إضافة المشاركة نفسها على صفحة الرئيس لديها.
وانتقل جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة «تويتر»، إلى موقعه بعد فترة ليست بالطويلة، وقال إن الشركة لن تتراجع عن موقفها، الأمر الذي يمثل تناقضاً صارخاً مع موقف مارك زوكربيرغ لدى «فيسبوك»، الذي قال في مقابلة أجريت معه في وقت سابق مع شبكة «فوكس نيوز» إن شركة «فيسبوك» لن تفرض أحكامها على مدونات الرئيس دونالد ترمب.
وقال زوكربيرغ في المقابلة: «كنا واضحين تماماً فيما يتعلق بسياسات الشركة، ونعتقد أنه ليس من الصواب بالنسبة لنا أن نفرض تدقيق الحقائق على السياسيين. وأرى، بشكل عام، أنه لا يجب أن تكون الشركات الخاصة -أو تلك المنصات على وجه التحديد- في وضعية تتيح لها القيام بذلك الدور الرقابي».
ويقول مارك زوكربيرغ، بعبارة أخرى، إن شركته لن تتدخل في مدونات الرئيس ترمب، حتى إن كانت تشكل انتهاكاً للقواعد المفروضة على أشخاص آخرين، وينبع ذلك جزئياً من إيمانه منذ فترة طويلة بأنه ينبغي على شركته النأي بنفسها تماماً عن الخوض في غمار المشاجرات السياسية، والسماح لثلاثة مليار مستخدم على منصتها بطرح آرائهم، كما يروق لهم.
وكان تأكيده على أن شركته لن تقوم مقام «قاضي الحقائق» في المناقشات السياسية إشارة إلى جهود صارمة تبذلها الشركة خلال العام الماضي أو نحوه للتودد إلى الجمهوريين في العاصمة واشنطن، والأصوات المحافظة في وسائل الإعلام الأميركية المختلفة. والهدف من وراء ذلك هو إبعاد الجهات الرقابية بعيداً عن شركته العملاقة قدر الإمكان.
ومن خلال البقاء في الكواليس في أثناء الصراع المحتدم بين «تويتر» والرئيس ترمب وحلفاؤه، ربما يتمكن مارك زوكربيرغ من اكتساب صداقات غير محتملة من المعسكر الجمهوري للوقوف في وجه تدخلات الجهات الرقابية في أعمال شركته، التي يواصل النواب والمشرعون من أرجاء العالم كافة تهديدها لما يربو على عام كامل.
ويعتقد كثير من المعنيين بصناعة التكنولوجيا أن الجهات الرقابية -وليس الانهيار الاقتصادي الناجم عن كارثة وباء كورونا أو أي مشكلة قائمة أخرى- تشكل الخطر الوجودي الحقيقي على أعمال مارك زوكربيرغ.
وقال بريندان كار، المفوض الجمهوري في لجنة الاتصالات الفيدرالية: «كانت غرائز زوكربيرغ صحيحة للغاية عندما قال: نحن نثق في الناس ليقرروا بأنفسهم».
لكن موقف زوكربيرغ المبتعد تماماً عن تصرفات الرئيس دونالد ترمب العدائية عبر منصات التواصل الاجتماعي يخاطر بفقدان بعض المستخدمين الذين يعتقدون بضرورة فرض القواعد حول المنشور والمكتوب على منصة «فيسبوك» بالتساوي بين جميع المستخدمين، بما في ذلك بعض من قادة العالم. ومن شأن موقفه ذلك أن يثير أيضاً غضب بعض العاملين في شركته الذين ما زالوا يعتقدون أن شركة «فيسبوك» لا تفعل ما يكفي لمواجهة حملات التضليل على مختلف صفحات الموقع.
وربما يضيف موقفه ذلك مزيداً من الزخم إلى نقاد «فيسبوك» الذين يقولون إن زوكربيرغ ما يزال غير راغب -أو هو غير قادر- على الاضطلاع بدور شركته الكبيرة في نشر المعلومات إلى العالم، لا سيما مع انهيار كثير من وكالات الأنباء حول العالم.
تقول فانيتا غوبتا، رئيسة مؤتمر القيادة المدنية وحقوق الإنسان: «لدى كل من (تويتر) و(فيسبوك) معايير وسياسات مجتمعية لمكافحة قمع الناخبين، ومكافحة الكراهية، والتحريض على العنف. ومع ذلك، تفرض شركة (تويتر) تلك المعايير على رئيس الولايات المتحدة، في حين أن (فيسبوك) لا تفعل شيئاً البتة. والضرر الناجم عن موقف (فيسبوك) يتمثل في إحداث الارتباك الجماعي، وقمع الناخبين، والعنف المحتمل».
وبدأت شركة «تويتر» في شهود تداعيات موقفها المتخذ ضد البيت الأبيض، إذ قال كثير من المشرعين والجمهوريين والجهات الرقابية -عبر منصة «تويتر»- إن الشركة كانت منافقة في موقفها ذلك لأنها ركزت على الرئيس الأميركي، في حين أنها تسمح لقادة العالم الآخرين بنشر ما يشاؤون من أكاذيب.
وبعد تطبيق «تويتر» لملصق التحذير على تغريدة الرئيس ترمب، صباح أمس (الجمعة)، دعا أجيت باي، رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، شركة «تويتر» إلى تطبيق قواعدها بشأن التحريض على العنف على قدم المساواة مع قادة دول العالم الآخرين. وألحق رابطاً لتغريدات معادية لإسرائيل من صفحة المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.
وأعاد السيناتور الجمهوري تيد كروز من ولاية تكساس نشر تغريدة السيد أجيب باي، ودعا إلى اتخاذ الإجراءات القانونية ضد شركة «تويتر».
ويعد هذا النوع من المواجهات هو بالضبط ما يريد السيد زوكربيرغ تفاديه تماماً. وفي خطاب أمام جامعة جورج تاون في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2019، أعلن مارك زوكربيرغ أن الخطاب السياسي سوف يحظى بالحماية على منصة «فيسبوك»، بما في ذلك الأكاذيب التي ينشرها الساسة عبر صفحات الموقع.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

إيلون ماسك: التحقيق الفرنسي بشأن «إكس» هو «هجوم سياسي»

أوروبا إيلون ماسك (رويترز)

إيلون ماسك: التحقيق الفرنسي بشأن «إكس» هو «هجوم سياسي»

أكّد إيلون ماسك، الثلاثاء، أن التحقيق الفرنسي بشأن شركة «إكس» التي يملكها هو «هجوم سياسي».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا إيلون ماسك وسيدة الأعمال شيفون زيليس في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية (أ.ف.ب)

مداهمة مكاتب منصة «إكس» في فرنسا واستدعاء إيلون ماسك

داهمت الشرطة الفرنسية، اليوم الثلاثاء، مكاتب منصة «إكس» للملياردير إيلون ماسك الذي استدعاه ممثلو الادعاء للاستجواب في أبريل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا شعار «غروك» (رويترز)

تحقيق بريطاني حول «إكس» بسبب صور جنسية ينتجها «غروك»

أطلقت هيئة تنظيم الإعلام ببريطانيا تحقيقاً بشأن منصة إكس، اليوم؛ بسبب الصور المفبركة ذات الطابع الجنسي التي ينتجها «غروك»

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مطالب بحذف منصة «إكس» وروبوت الدردشة الآلية «غروك» المدمج بها (رويترز)

أعضاء بمجلس الشيوخ الأميركي يطالبون «أبل» و«غوغل» بإزالة منصة «إكس» بسبب صور جنسية

طالب 3 أعضاء ديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي شركتي «أبل» و«غوغل» بإزالة منصة «إكس» وروبوت الدردشة الآلية «غروك» المدمج بها من متاجر التطبيقات الخاصة بهما.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا شعار «إكس» (أرشيفية)

بريطانيا تطالب منصة «إكس» بوقف نشر صور مفبركة ذات طابع جنسي

حثّت بريطانيا، الثلاثاء، منصة «إكس» المملوكة للملياردير إيلون ماسك ​على التحرك بسرعة لوقف نشر صور ذات طابع جنسي مفبركة على شبكتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».