«الحرب المستعرة»... الوجه الآخر لسباق لقاحات «كوفيد ـ 19»

سخرية متبادلة واتهامات بعدم المصداقية

خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
TT

«الحرب المستعرة»... الوجه الآخر لسباق لقاحات «كوفيد ـ 19»

خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)

بينما يعتبر علماء أن إنتاج لقاح لفيروس كورونا المستجد، هو السبيل الوحيد لإنقاذ العالم من الموجة الثانية الشرسة للفيروس، والمتوقع أن تكون بدايتها الخريف أو الشتاء القادمين، طفت على السطح حرب من التشكيك والسخرية المتبادلة بين الفرق البحثية التي أعلنت وصولها لمراحل متقدمة في إنتاج اللقاح، بما قد يؤدي إلى تقويض ثقة الناس في اللقاحات.
وعبرت دراسة نشرتها دورية «نيتشر» في 13 مايو (أيار) الحالي عن خشيتها من تنامي ظاهرة عدم الثقة في اللقاحات، بعد تعقب صفحات 100 مليون مستخدم لموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» عبر 37 دولة، وهو السلوك الذي قد يساعد على تعزيزه هذه الحرب الدائرة بين الفرق البحثية العاملة على إنتاج اللقاحات.
ووصل 12 لقاحا إلى مراحل التجارب السريرية، بينما يوجد قرابة 100 لقاح أخرى في المراحل قبل السريرية، ومن بين أبرز اللقاحات التي أثارت الحرب بين الفرق البحثية، هو لقاح جامعة أكسفورد.

- لقاح أكسفورد... محاولة واعدة وانتقادات
لقاح أكسفورد هو اللقاح الأوروبي الوحيد في سباق اللقاحات التي وصلت لمراحل التجارب السريرية، والذي تهيمن عليه الصين وأميركا، ودقت أستاذة علم اللقاحات في جامعة أكسفورد سارة غيلبرت طبول الحرب عندما قالت في 10 أبريل (نيسان) الماضي في مقابلة مع «التايمز» إنها واثقة بنسبة 80 في المائة من نجاح اللقاح الجديد لفيروس كورونا المستجد، بناء على تجارب سابقة قاموا بها على أنواع مماثلة من اللقاحات.
وفي مجال محفوف بالفشل المحتمل، حتى بالنسبة لبعض اللقاحات التي تصل إلى المراحل الأخيرة من التجارب السريرية، اعتبر باحثون أميركيون أن هذا التصريح «غير علمي».
وعلق ويليام شافنر، خبير الأمراض المعدية في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت على هذا التصريح «لقد جلست بشكل مستقيم، وأنا أسمع أحد علماء أكسفورد يتحدث عن مدى تقدم اللقاح».
وتابع مستكملا سخريته في تقرير نشرته شبكة «سي إن إن» الأميركية «فوجئ بعضنا في المجتمع العلمي هنا في الولايات المتحدة بالقدرة التنافسية العالية التي أبداها زملاؤنا في أكسفورد».
ووصف بول أوفيت، طبيب الأطفال في جامعة بنسلفانيا، الذي طور لقاحاً للفيروسة العجلية التي تسبب الإسهال عند الأطفال، تصريحات أكسفورد بـ«المتعجلة»، وقال «في هذه المرحلة، من المفترض ألا يكون لدى باحثي أكسفورد أي فكرة عما إذا كان لديهم شيء أم لا... سئمت من مثل هذه البيانات الصحافية».
ولم يتوقف الهجوم على لقاح أكسفورد، المنافس الأوروبي الوحيد في السباق، عند هذا الحد، بل تعرضت تجربة اللقاح التي أجراها الفريق البحثي على القرود لانتقادات حادة من باحث أميركي.
ونشر علماء أكسفورد في 13 مايو (أيار) الحالي، دراسة على (bioRxiv.org) حول تجارب اللقاح على 9 قرود تم إصابتهم عن قصد بالفيروس التاجي الجديد، ثم تم تطعيم 6 منهم ولم يتم تطعيم ثلاثة آخرين.
وبعد أن تم تطعيم القردة ثم تعريضها للفيروس، تم قتلهم وفحصهم بحثاً عن تلف الرئة، ووفقاً لدراسة أكسفورد، لم تظهر علامات على الالتهاب الرئوي أو مشاكل الرئة الأخرى في أي من الحيوانات المُلقحة، لكن اثنين من كل ثلاثة قرود غير مُلقحة طورت درجة معينة من الالتهاب الرئوي الفيروسي.
وعلق أدريان هيل، أحد الباحثين البارزين في فريق إنتاج لقاح أكسفورد، قائلا في مقابلة مع «سي إن إن» في 15 مايو الحالي «لقد نجح الأمر بالتأكيد في القرود... كان هذا تأثيراً مثيراً للإعجاب».
لكن ويليام هاسيلتين، عالم الفيروسات والأستاذ السابق في كلية الطب بجامعة هارفارد، قال إن هيل «مضلل». وأضاف لشبكة سي إن إن «هيل في هذه المقابلة يشبه الساحر الذي يجذب انتباه الجمهور بجسم واحد لامع ليصرفك عن حقيقة أن شريكه يختار جيبك».
وفي مقال نشرته مجلة «فوربس» في 16 مايو الحالي، قال هاسيلتين إن القرود التي تلقت اللقاح لديها الحمض النووي الفيروسي نفسه في إفرازاتها الأنفية مقارنة بالقرود غير المحصنة، في إشارة له إلى أن اللقاح لم ينجح ويمكن للقرود أن تنقل الفيروس للآخرين.
وأشار إلى أن اللقاح يجب أن يولد مستويات عالية من الأجسام المضادة القادرة على تعطيل الفيروس ومنعه من إصابة الخلايا البشرية، وهو ما لم يحدث، حيث إن مستوى هذه الأجسام المضادة في القرود التي تلقت لقاح أكسفورد «منخفض للغاية».
بطبيعة الحال لم يصمت الفريق البحثي لجامعة أكسفورد أمام هذه الانتقادات، وقال أدريان هيل لـ«سي إن إن» في 19 مايو إن لقاح أكسفورد، بالإضافة إلى آخر في الصين يستخدم تقنيتهم نفسها، هما المتصدران بين اللقاحات في التجارب السريرية.
ثم شرع في الاستخفاف بلقاحات الفرق الأخرى، ووصف بالتحديد اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي الريبي بأنها مجرد «ضوضاء من الأولاد الجدد».

- منافسة أميركية
من بين أربعة لقاحات أميركية في سباق التجارب السريرية يوجد لقاحان يستخدمان تقنية الحمض النووي الريبي التي أشار إليها هيل، وهما لقاح شركة (فايزر) و(موديرنا)، وتعتمد تلك التقنية على حقن قطعة من المادة الوراثية بالفيروس التاجي الجديد في الخلايا البشرية لتحفيز المناعة، وهو ما يختلف تماما عن تقنية الناقلات الفيروسية التي تستخدمها أكسفورد، بالإضافة لشركة «كانسينو» الصينية.
وتستخدم تقنية الناقلات الفيروسية نسخة معدلة وراثيا من فيروس نزلات البرد (المعروف باسم الفيروس الغداني) لنقل بروتين من الفيروس الجديد إلى الجسم، بما يساعد على تحفيز الاستجابة المناعية وتحفيز الجسم على الاستجابة لأي عدوى في المستقبل.
ويعمل هيل وزملاؤه على لقاحات فيروسات غدية منذ ما يقرب من 20 عاماً، وقد تم استخدامها على لقاحات تستهدف أكثر من 10 أمراض مختلفة، وفقاً لموقع لقاح أكسفورد.
ورغم أن أيا من لقاحات أكسفورد لم تصل إلى السوق من قبل، فإن سنوات عديدة من البحث الذي قام به فريقه حول التكنولوجيا المستخدمة في اللقاح منحته الثقة لانتقاد الآخرين، بل والاعتراف في المقابلة نفسها مع شبكة «سي إن إن»، بأنه كان يسخر تحديدا من شركة (موديرنا) عندما وصف تقنيتها لإنتاج اللقاح بأنها «غريبة ورائعة».
وفي تعليقها على هذه السخرية، بدت شركة (موديرنا) واثقة في قدرات تقنيتها، وقالت في تعليق نشرته «سي أن إن»: «منافسانا فقط في هذا السباق هما الفيروس والوقت... نحن لا يشغلنا نجاح اللقاحات المتعددة، لأننا نعتقد أنه لا يمكن لأي مصنع صنع جرعات كافية للكوكب».
كان تعليق الشركة يشير إلى واحدة من أهم مزايا اللقاحات الجينية، وهي القدرة على إنتاج كميات كبيرة منها في وقت قصير مقارنة بغيرها من اللقاحات، وهي الميزة نفسها التي توجد في لقاح جيني آخر تعمل عليه شركة «إينوفيو» الأميركية، والتي وجهت هي الأخرى طعنة للقاح أكسفورد، بالقول إنه لا يمكنه الارتقاء إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية.
وتستخدم تقنية «إينوفيو» نبضة كهربائية قصيرة لتوصيل البلازميدات، أو قطع صغيرة من المعلومات الجينية الخاصة بالفيروس، إلى الخلايا البشرية، ما يؤدي إلى استجابة مناعية.
واستخدم جيف ريتشاردسون، المتحدث باسم الشركة، مفردات شبيهة بتعليق شركة (موديرنا) عندما قال: «منافسنا الوحيد في السباق هو الفيروس، وليس الشركات الأخرى».
وأضاف: «يجب أن يكون هناك ثلاثة أو أربعة فائزون في السباق لتطعيم العالم، فعلى الأرجح، سيكون هناك عدد من اللقاحات التي تصنع، وهذا شيء جيد».

- رأي مختص... وردود أممية
ما أشار إليه المتحدث باسم «شركة إينوفيو» من أن الأزمة وانتشارها تتحمل وجود أكثر من لقاح، هو نفسه ما يراه الدكتور تامر سالم، أستاذ الفيروسات بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط».
لا يخشى سالم من تأثير هذا التلاسن بين الشركات على ثقة الناس في اللقاحات، مشيرا إلى أن أقصى ضرر للقاح هو ألا يعمل، ويصاب الشخص الذي حصل عليه بالفيروس مجددا، ولكن في الغالب لا توجد له أي آثار جانبية.
ومع ارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس والخشية من موجة ثانية أقسى وأشد، يتوقع سالم تلهفا من الدول على الحصول على اللقاحات، وستقرر التجربة العملية أيا من اللقاحات أكثر فاعلية.
ويضيف: «عندما تأخذ دولة ما لقاح إحدى الشركات ثم تجد أن عددا من مواطنيها ممن حصلوا عليه أصيبوا مجددا، فعندها يمكن أن تقارن الوضع عندها مع حالة دول أخرى أخذت لقاحا آخر وكان الوضع لديها أفضل، وقد تقرر عندها استخدام هذا اللقاح بدلا من غيره».
ويشبه سالم الوضع بما حدث مع الأدوية، ففي البداية كان هناك حماس لدواء الملاريا (هيدروكسي كلوروكوين)، ودواء أفيجان الياباني، ثم ثبت لاحقا عدم فاعليتهما، فتخلى العالم عن استخدامهما.
من جانبها، رفضت منظمة الصحة العالمية التعليق على السخرية المتبادلة والاتهامات المتبادلة بعدم المصداقية بين الشركات، وقال أمجد الخولي، استشاري الوبائيات بإقليم شرق المتوسط، إن هناك عددا من المعايير لا بد من توافرها لكي تصدق المنظمة على أي لقاح جديد.
وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أي لقاح «ستصدق عليه المنظمة يجب ضمان مأمونيته ونجاعته من خلال التأكد من مروره بمراحل التقييم السريرية الثلاث بشكل علمي، مع مراعاة الجانب الأخلاقي عند تطبيق الدراسات والتجارب، وكذا قدرة اللقاح على تكوين مناعة ومدة بقاء وفاعلية هذه المناعة وعدم تسبب اللقاح في حدوث آثار جانبية شديدة».


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.