أحداث مينيابوليس تطرح مجدداً قضية عنف الشرطة والتمييز في أميركا

ترمب: مع السلب والنهب يبدأ إطلاق الرصاص

قوات الشرطة الأميركية في شوارع مينيابوليس في اليوم الرابع للاحتجاجات أمس (أ.ف.ب)
قوات الشرطة الأميركية في شوارع مينيابوليس في اليوم الرابع للاحتجاجات أمس (أ.ف.ب)
TT

أحداث مينيابوليس تطرح مجدداً قضية عنف الشرطة والتمييز في أميركا

قوات الشرطة الأميركية في شوارع مينيابوليس في اليوم الرابع للاحتجاجات أمس (أ.ف.ب)
قوات الشرطة الأميركية في شوارع مينيابوليس في اليوم الرابع للاحتجاجات أمس (أ.ف.ب)

تحولت الاحتجاجات المندلعة في مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا الأميركية على خلفية مقتل رجل أميركي أسود على يد رجال شرطة، إلى مادة جديدة في السجال السياسي المندلع والانقسام الذي يهيمن على مواقف الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في سنة انتخابات قد تكون مصيرية بينهما. سجال لم يستثن حتى مواقع التواصل الاجتماعي حيث كرر موقع «تويتر» الإشارة إلى تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب حول الأحداث الجارية في المدينة بأنها «تمجد العنف». وكتب ترمب «هؤلاء الرعاع يشوهون ذكرى جورج فلويد، ولن أسمح بحدوث ذلك، تحدثت للتو مع الحاكم تيم والتز وأخبرته بأن الجيش معه قلبا وقالبا، سنسيطر على أي صعوبة لكن عندما يبدأ السلب والنهب يبدأ إطلاق الرصاص، شكراً لكم».
ترمب الذي أبدى «تعاطفه» في البداية مع عائلة الشاب الأسود، طلب في تغريدة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ووزارة العدل كشف ملابسات هذا الموت «الحزين والمفجع». وأضاف «أنا مع عائلة جورج وأصدقائه، سيتم إحقاق العدل». غير أنه ليل الخميس الجمعة هاجم ما يجري ووجه انتقادات إلى عمدتها الديمقراطي قائلا «لا يمكن الوقوف والتفرج على ما يجري في مدينة أميركية رائعة، مينيابوليس». ثم تابع منتقدا «الافتقار التام للقيادة، إما أن يقوم عمدة اليسار الضعيف جدا، جاكوب فراي بعمله والسيطرة على المدينة، أو أرسل الحرس الوطني وأقوم بالمهمة بشكل صحيح». واتخذ العنف منحا تصاعديا، حيث قُتِل شخص واحد في المدينة خلال حرائق ومواجهات بين المحتجين وقوات الأمن، بعد ليلة ثانية من الاضطرابات. واشتبك المتظاهرون مع الشرطة ونهبوا متاجر وأضرموا النيران في موقع بناء، وهو ما ردَّت عليه الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي للحد من الأضرار، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأفادت محطة «سي إن إن» أن الشرطة قامت باعتقال فريق عملها الذي كان يعمل على تغطية الأحداث الجارية في مينيابوليس، خلال بث مراسلها لرسالته على الهواء مباشرة.
وذكرت تقارير أن سلطات المدينة طلبت من قوات الحرس الوطني وكذلك الشرطة في مدينة سانت بول المجاورة المساعدة في حفظ السلام، خصوصاً مع اعتزام المتظاهرين تنظيم المزيد من المظاهرات. ودعا حاكم مينيسوتا تيم والتز، مساء الأربعاء، في تغريدة المتظاهرين إلى مغادرة المنطقة، محذراً من «وضع بالغ الخطورة». لكن الحرائق وعمليات النهب تواصلت ليلاً قرب مركز الشرطة، التي كان يعمل فيها الشرطيون المتهمون بقتل عامل المطعم جورج فلويد قبل أن يتم تسريحهم، الثلاثاء.
وتوسعت الاحتجاجات إلى مدن أميركية عدة وارتفعت أصوات في جميع أنحاء البلاد تطالب بإحقاق العدل. وطالبت عائلة جورج فلويد باتهام رجال الشرطة المتورطين بالقتل. وقالت بريجيت فلويد شقيقته «هذا ما فعلوه بالضبط، ارتكبوا جريمة قتل بحق أخي... لدي إيمان وأعتقد أنه سيتم إحقاق العدالة»، مؤكدة أن طرد الشرطيين «ليس كافيا». وقال فيلونيز شقيق الضحية لمحطة «سي إن إن» إنّه «يجب توقيف هؤلاء الأشخاص ومحاسبتهم على كل شيء لأن الناس تريد العدالة الآن». وتابع أن «العدل هو توقيف هؤلاء الأشخاص وإدانتهم بالقتل والحكم عليهم بالإعدام». وجرت مظاهرات سلمية في مكانين آخرين في المدينة، خصوصاً في موقع وفاة فلويد البالغ من العمر 46 عاماً الذي انتشر مقطع فيديو يصور عملية توقيفه سريعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي لوس أنجليس، التي تشهد باستمرار توتراً بين قوات إنفاذ القانون والسكان السود، أغلق متظاهرون لفترة قصيرة طريقا سريعا، وقام بعضهم بتحطيم نوافذ سيارات الشرطة والصعود على أسطحها. وجُرِح متظاهر عندما سقط من على سطح واحدة من هذه السيارات عند انطلاقها، وارتفعت أصوات في جميع أنحاء البلاد تطالب بإحقاق العدل. وتساءل رئيس بلدية مينيابوليس، جاكوب فراي: «لماذا الرجل الذي قتل جورج فلويد ليس في السجن؟». وأضاف: «لو كنتم أنتم أو أنا الذين فعلوا ذلك لكنا الآن وراء القضبان».
وقامت سيدة كانت تمر في المكان الاثنين بتسجيل لقطات فيديو يظهر فيها شرطي يثبت جورج فلويد على الأرض لدقائق واضعاً ركبته فوق رقبته، ويظهر الرجل الأسود في التسجيل وهو يئنّ ويقول: «لستُ قادراً على التنفُّس». ويرد الشرطي طالباً منه الهدوء بينما يقوم شرطي آخر بإبعاد المارة الذين بدأوا يتململون، ولم يعد الرجل الموقوف يتحرّك، وبدا فاقد الوعي.
وفي لقطات لكاميرات مراقبة للمطعم، الذي تم توقيفه أمامه، يظهر بيديه المكبلتين وراء ظهره ولا يبدي أي مقاومة عند اقتياده من قبل شرطي إلى سيارة دورية.
وفيما ردود الفعل التي صدرت عن الجمهوريين كانت محدودة، انبرى الديمقراطيون للمطالبة بالتحقيق في وفاة فلويد. وطلبت اللجنة القضائية في مجلس النواب التي يهيمن عليها الديمقراطيون، من وزارة العدل التحقيق في «سوء سلوك ممنهج من جانب الشرطة» وذلك عقب موت عدد من الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية على أيديها.
ويثير موت جورج فلويد في مينيابوليس وكذلك بريانا تيلور التي تعرضت لإطلاق نار في شقتها في لويز فيل بولاية كنتاكي، تساؤلات حول ما إذا كانت الشرطة ضالعة في «نمط أو ممارسة سلوك مناف للدستور» كما كتب رئيس اللجنة القضائية جيرولد نادلر وغيره من الأعضاء الديمقراطيين لوزير العدل ويليام بار في رسالة.
وتطلب الرسالة أيضا من الإدارة التحقيق مع سلطات إنفاذ القانون المحلية التي كانت مسؤولة عن التحقيق في وفاة أحمد آربيري، وهو رجل أسود أعزل آخر قتل برصاص ضابط شرطة سابق وابنه، أثناء قيامه برياضة الجري في الحي الذي يقطنه بولاية جورجيا. وكتب نادلر «ثقة الجمهور في إدارة العدالة العمياء أصبحت محل اختبار حقيقي بعد حوادث قتل تعرض لها أميركيون من أصل أفريقي».
كما دانت شخصيات عديدة العنف غير المبرر الذي يمارسه رجال الشرطة ضد السود. وقالت السيناتورة السوداء كامالا هاريس المدعية العامة السابقة لولاية كاليفورنيا إنه «تعذيب» و«إعدام علني»، وقالت: «هذا ليس بجديد، إنه مستمر منذ وقت طويل... ما عرفته مجتمعاتنا منذ أجيال، وهو تنفيذ وإنفاذ للقوانين على أساس التمييز». أما نائب الرئيس السابق جو بايدن، المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، فرأى أنه «تذكير مفجع بأن هذا ليس حادثاً عرضياً، بل جزء من دوامة من الظلم المنهجي الذي ما زال قائماً في بلدنا». وأعاد مقتل فلويد إلى الأذهان، حادث مقتل إريك جارنر في نيويورك عام 2014 الذي ساعد على نشوء حركة «حياة السود مهمة». وفتح مكتب التحقيقات الاتحادي بالفعل تحقيقات في الحوادث الثلاثة الأخيرة وقالت الوزارة إنها تدرس ما إذا كانت ستوجه تهم جرائم كراهية ضد قتلة آربيري. وأوقف وزير العدل السابق جيف سيشنز التحقيقات في نمط أو ممارسة التمييز المنهجي المزعوم في عام 2017. بعد أن أمرت الوزارة بمراجعة مراسيم التراضي التي اتفقت عليها إدارة أوباما مع أقسام الشرطة التي واجهت هذه المشاكل.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».