التنافس الأميركي ـ الصيني للهيمنة على العالم

كتاب توماس غومارت يرسم ميادين الصراع الشامل بين القوتين العظميين

غلاف كتاب «جنون العالم»
غلاف كتاب «جنون العالم»
TT

التنافس الأميركي ـ الصيني للهيمنة على العالم

غلاف كتاب «جنون العالم»
غلاف كتاب «جنون العالم»

تخطط الصين لإرسال مسبار إلى كوكب المريخ الذي يبعد عن الأرض مسافة 55 مليون كلم في شهر يوليو (تموز) المقبل. ومن المقدر له أن يجتاز هذه المسافة خلال سبعة أشهر بحيث يصل إليه العام المقبل. وخطة العلماء الصينيين وضع المسبار المسمى «تيان وين» في مدار حول «الكوكب الأحمر»، ثم إنزاله على سطحه وتشغيل ماكينة صغيرة الحجم تدار من الأرض لإجراء مجموعة من الأبحاث. وبالتوازي، فإن الولايات المتحدة تخطط لإرسال مركبة استكشافية نحو المريخ ما بين يونيو (حزيران) وأغسطس (آب) بحيث تصل إلى فضاء الكوكب في شهر فبراير (شباط) 2021، أي تقريباً في الوقت نفسه لوصول المسبار الصيني.
هذا التنافس على الفضاء الخارجي ليس سوى وجه واحد من التنافس الشامل بين القوتين الأوليين في العالم. وليست الاتهامات المتبادلة بين واشنطن وبكين بخصوص وباء «كوفيد – 19» حديث العهد سوى آخر تجليات «الحرب الباردة» التي تحدث عنها أول من أمس وزير خارجية الصين وانغ ييي. فما بين الولايات المتحدة والصين صراع أقل ما يقال عنه إنه من أجل احتلال المرتبة الأولى في العالم
هو صراع اقتصادي وتجاري وتكنولوجي وعسكري وسياسي. ولهذا الصراع كرس توماس غومارت، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية فصولاً عدة من كتابه الأخير الصادر حديثاً تحت عنوان «جنون العالم: التحديات الجيو - سياسة العشرة» التي من بينها «الصين الساعية لاحتلال المركز الأول في العالم» و«مجاهيل القوة الأميركية»، «الصراع من أجل السيطرة على الفضاءات المشتركة: البحار، الجو، الفضاء والرقمي». كذلك يحتوي الكتاب على فصل مهم عن روسيا والتحديات العالمية التي تطرحها، وآخر عن أوروبا ما بين الأقطاب الثلاثة. أميركا والصين وروسيا، وقبله عن الشرق الأوسط، ورابع عن الهجرات وتبعاتها. بيد أن الفصل الصادم بعنوانه «أصداء الحرب القادمة» فيه ما يثير القلق ويدعو القادة والمسؤولين إلى إعادة النظر بسياساتهم ونتائجها. وفي السياق عينه، تجدر الإشارة إلى إصدار جماعي نهاية مارس الماضي عن المعهد نفسه يتضمن تحقيقاً مطولاً وبالغ الأهمية بعنوان «المنطلقات والنتائج الاستراتيجية للمنافسة الصينية - الأميركية» للباحث كورنتان بروستلين.
في بداية دراسته، يأتي توماس غومارت على مقولة شهيرة للفيلسوف اليوناني توسيديد الذي توفي في عام 395 قبل الميلاد يؤكد فيها أن بروز قوة جديدة يتم دوماً على حساب قوة قائمة ويقود غالباً إلى النزاع. لكن قد يتم ذلك سلمياً إذا كانت القوتان تتقاسمان القيم نفسها. والحال، أن بين الصين والولايات المتحدة هوة قيمية؛ ولذا، فإن «انقلاب ميزان القوى بين القوتين خلا جيل أو جيلين يشكل اليوم التحدي الأكبر للسياسة الدولية»، كما ستكون له تبعاته على الاستقرار، ومنه ستنبع إعادة تشكيل النظام العالمي.
بداية، تشكل الصين القوة الصاعدة اقتصادياً في العالم وقد استخدمت العولمة للتمدد والانتشار. ويشير الكاتب إلى خطاب الزعيم الصيني شي جينبينغ في منتدى دافوس، «يناير (كانون الثاني) 2017»، أي بعد عام من وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، حيث قدم نفسه على أنه «راعي» العولة والتبادل الحر والتعاون الدولي، وذلك في إطار «اقتصاد منفتح ومزدهر»، محذراً في الوقت عينه من أن العولمة «سلاح ذو حدين» وأن «لا أحد يمكن أن يخرج منتصراً من حرب تجارية». وما حذر منه جينبينغ تحقق سريعاً. فالحرب التجارية، بل الاقتصادية أصبحت واقعاً معاشاً، وعشرات مليارات الرسوم المفروضة على البضائع المستوردة من الجانبين والقيود المفروضة، خصوصاً أميركياً والاتهامات بسرقة البراءات، كل ذلك يدل وفق الكاتب على عمق المخاوف الأميركية من الصين ومن مستقبل التنافس معها.
وصل ترمب إلى البيت الأبيض مع شعاره «أميركا أولاً». لكن إدارته تنظر بكثير من القلق إلى تغلغل الصين في أفريقيا وآسيا وأوروبا، وتعتبر أن مشاريع الصين الطموحة مثل «طرق الحرير» التي هدفها ربط الاقتصاد الصيني بقارات ثلاث، وتسريع إيصال بضائع «المصنع الأول في العالم» براً وبحراً وجواً، تمثل خطراً بالنسبة للحضور الأميركي الذي لا ينحصر فقط بالتجارة والاقتصاد. ويقول الكاتب، إن «طرق الحرير» تعني أن الصين «انتقلت من سياسة خارجية تتسم بالحذر وذات بعد إقليمي إلى سياسة متعددة الارتكازات وذات أبعاد شاملة». فمع قدراتها المالية غير المحدودة وقدراتها الديموغرافية (1.380 مليار نسمة) والتكنولوجية تسعى الصين لأن تكون «بديلاً» عن «النموذج الغربي». والأدلة على ذلك كثيرة: «البنك الآسيوي للاستثمار والبنى التحتية» و«البنك الآسيوي للتنمية» غرضه منافسة البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، حيث هيمنة واشنطن لا تحتاج إلى براهين. وتعتمد الصين على البنوك الحكومية كذراع مالية ضاربة، وعلى شركاتها الكبرى أمثال «هواوي» و«هاير» أو «لنوفو»، وعلى قدراتها الاستثمارية الضخمة لاختراق اصعب الأسواق. والأهم من ذلك وبعكس الغربيين، فإن «النموذج الصيني» لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي؛ إذ يتبع مبدأ «عدم التدخل»، وبالتالي فإن استثماراته «غير مشروطة»، وهذا ما يلاقي تجاوباً في أفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية... ومقابل ذلك، تطلب الصين أحياناً دعماً دبلوماسياً برز ذلك في المؤسسات الدولية. فبينما انسحبت واشنطن من اليونيسكو وهددت بالانسحاب من منظمة التجارة الدولية ومن منظمة الصحة الدولية، فإن الصين تقوي حضورها فيها كما حصل العام الماضي لدى انتخاب مدير عام لمنظمة الزراعة الدولية، حيث انصبت أصوات الدول الأفريقية لصالح المرشح الصيني الذي فاز بالمنصب على حساب المرشح الذي كانت تدعمه واشنطن.
تسعى الصين، وفق الكاتب، إلى «الهيمنة على محيطها الإقليمي وإلى محاصرة النفوذ الأميركي في آسيا». أربع عقد تواجه بكين: التيبت، وكشينجيانغ (الإيغور)، وهونغ كونغ وتايوان. لكن الأخيرة هي العقدة الكأداء. ففي هونغ كونغ، أخذ الحبل الصيني يلتف على رقبة «المتمردين» مع التصويت على قانون جديد يقيد هؤلاء ويطلق يد السلطات للضرب من حديد. لكن تايوان (23 مليون نسمة)، تحظى بدعم أميركي كامل، وهي حصان طروادة لواشنطن لمواجهة الصين، وستكون للسنوات المقبلة، في حال زادت العلاقات الصينية - الأميركية تدهوراً، ميدان الصراع. ولا يخفى على المراقب أن واشنطن تلعب أيضاً ورقة اليابان، والهند، وكوريا الجنوبية، وأستراليا لاحتواء التمدد الصيني الآخذ بالاتساع في بحر الصين وجنوب المحيط الهادي، حيث تدور خلافات على ملكية العديد من الجزر الصغيرة التي تريدها بكين موطئ قدم لتمددها البحري فيما تعتبره منطقة نفوذها، وللخروج منه إلى أعالي البحار والمناطق الأبعد مسافة. وتجد الصين في باكستان (197 مليون نسمة) حليفاً لها، وقد ساعدتها على التحول إلى دولة نووية. وفي خططها الاقتصادية، تشكل باكستان حلقة رئيسية؛ إذ ستتيح الإنشاءات والطرق والبنى التحتية للصين الوصول براً وسريعاً إلى بحر عمان وميناء «غودار» الباكستاني ما يمكنها من اختصار المسافات والالتفاف على مضيف مالاغا. يضاف إلى ذلك نقاط ارتكاز في سريلانكا، وبور سعيد والبيريه (اليونان) وطنجة ووالفيس (ناميبيا» إضافة إلى قاعدة عسكرية في جيبوتي.
يؤكد الكاتب، أن التمدد التجاري له بعد عسكري. فالصين تسعى للهيمنة على المعابر البحرية الضرورية لانتشارها. ورغم أن الولايات المتحدة تبقى القوة البحرية الأهم والأقوى والأكبر في العالم، فإن الصين تطور بسرعة كبيرة قدراتها البحرية. وبحسب غومارت، فإن الصين «آخذة فلي تحقيق استدارة استراتيجية عن طريق التحول من قوة قارية إلى قوة بحرية، وهو شرط من شروط تحولها إلى قوة شاملة».
هدف بكين يحتاج إلى آلة عسكرية قادرة على المنافسة. ويركز كورنتان بروستلين على أهمية كلمة الرئيس الصيني في 2017، بمناسبة المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي، حيث أعلن أن قوات بلاده المسلحة «ستتحول إلى قوات عالمية منتصف القرن الحالي» ما تبرزه بقوة ميزانياتها الدفاعية التي تضاعفت خلال السنوات العشر الأخيرة لتصل إلى 180 مليار دولار العام الماضي. وينعكس ذلك على سرعة إنتاج القطع البحرية المخصصة لأعالي البحار والغواصات والطائرات الحربية وآخر ما أنتجته المصانع العسكرية الصينية الطائرة القاصفة - المقاتلة الخفية (جي 20). كذلك يشير الكاتب إلى تطوير الصين لقواتها التقليدية والنووية ومنها الصواريخ العابرة للقارات التي يمكن تزويدها برؤوس نووية متعددة. ويشير الخبراء الغربيون إلى أن بكين اختبرت العام الماضي ما لا يقل عن 100 صاروخ باليستي ما يدل على طموحاتها في هذا الميدان. ويتسق ذلك كله مع تركيز الصين على اللحاق بالتنافس الفضائي وأحد عناوينه إرسال المسبار إلى المريخ.
بدأ الحديث في واشنطن عن رغبة ترمب في الخروج من اتفاقية «نيو سترات» الموقّع مع الاتحاد السوفياتي (روسيا) بعد قراره الخروج من اتفاقية الصواريخ النووية قصيرة المدى في أوروبا. وإحدى حجج البيت الأبيض، أن الاتفاقيتين لا تشملان النشاطات النووية والباليستية الصينية؛ لأنها محصورة بين موسكو وواشنطن. وتعكس هذه الحجة القلق الأميركي من تنامي القوات الصينية غير التقليدية ورغبتها في تأطيرها من خلال ضم الصين التي ترفض هذا الارتباط. كذلك، دفع ترمب الحلف الأطلسي الذي وجد لاحتواء التغلغل السوفياتي في أوروبا إلى النظر إلى الصين التي تعتبرها واشنطن العدو الاستراتيجي الشامل بعكس روسيا التي لا يتعدى كونها قوة عسكرية. ولذا؛ فإن السنوات المقبلة سيحتل هذا الثنائي اهتمام العالم القادم لا محالة إلى تغييرات استراتيجية من الطراز الأول.



أمن قمرة القيادة... ما الإجراءات المتّبعة لمنع الطيارين من تهديد سلامة الرحلات؟

تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
TT

أمن قمرة القيادة... ما الإجراءات المتّبعة لمنع الطيارين من تهديد سلامة الرحلات؟

تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)

أعاد تعرّض قائد طائرة «فلاي دبي»، خلال رحلتها إلى تل أبيب، الأربعاء، لاعتداء من مساعده، التذكير بأن قمرة القيادة مكان بالغ الحساسية فيما يتعلّق بأمن الطيران، فكيف يمكن تجنُّب تحوُّل أحد شاغليها مُنفِّذاً لعملية انتحارية؟

ماذا حصل؟

أظهرت المعطيات الأولية التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية أن مساعد الطيّار في الرحلة من دبي إلى تل أبيب اعتدى، بصورة مفاجئة، على قائد الطائرة، وهي من طراز «بوينغ 737»، خلال تحليقها فوق شمال غربي المملكة العربية السعودية.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمحطة «سي بي إس» التلفزيونية الأميركية، مساء الأربعاء، إن «أحد مساعدي الطيار طَعَن الطيار الآخر، وهو هندي الجنسية، أو ضربه بفأس»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن الإلزامي أن تحوي كل قمرة قيادة فأساً صغيرة مخصّصة لحالات الطوارئ التي قد يحتاج فيها الطيارون إلى قطع شيء.

وبصرف النظر عن الأداة التي استخدمها الجاني وطريقة تنفيذه اعتداءه، تمكّن أفراد الطاقم من السيطرة عليه، ومن الهبوط بالطائرة اضطرارياً في مطار تبوك السعودي، في حين نُقل الطيار المعتَدى عليه إلى المستشفى وهو خارج دائرة الخطر.

وباشر القضاء الإماراتي تحقيقاً في واقعة طائرة «فلاي دبي» واحتمال ارتباطها بـ«نشاط أو غرض إرهابي»، في حين كان نتنياهو جازماً إذ أشار إلى تفادي اصطدام «آخَر من نوع 11 سبتمبر (أيلول)» عام 2001.

كيف يجري تفتيش الطيارين في المطارات؟

من حيث المبدأ، تنطبق على أفراد الطاقم إجراءات السلامة نفسها التي تهدف إلى التأكد من أن الركاب لا يحملون أي شيء يمكن أن يهدد أمن الطائرة. ولا يمكن للطيارين أن يتجنبوا هذه الإجراءات.

وتبعاً لحجم مطار الإقلاع، يمرّ الطيارون إما عبر نقاط التفتيش نفسها التي يمرّ عبرها الركاب، أو يسلكون مسارات مخصصة لهم. ويُفترض أن تتيح هذه المرحلة رصد أي سلوك غير طبيعي، كأن يكون الطيار ثملاً أو متوتّراً بشكل غير مألوف. كذلك تُفحص بالأشعة السينية حقائب اليد التي يُبقيها الطيارون داخل المقصورة، ويمرّون عبر بوابات الكشف عن المعادن.

وتُعدّ إسرائيل وجهة حساسة من حيث أمن الطيران منذ عمليات خطف بعض الطائرات أو عمليات مهاجمة عدد آخر في سبعينات القرن العشرين، مما يفرض مستوى عالياً من اليقظة اعتاده مطار كبير ومرموق كمطار دبي.

ما التدابير المتخَذة لمنع دخول قمرة القيادة؟

في 11 سبتمبر 2001، تمكّن ركاب رحلات داخلية أميركية من أن يستولوا بسهولة كبيرة على قيادة طائرات مدنية، بهدف تنفيذ عمليات منسّقة. ومنذ ذلك الحين أصبح دخول قمرة القيادة أكثر صعوبة، إذ يستطيع الطيارون، إذا أُبلغوا بوجود تهديد مصدره مقصورة الركاب، أن يوصدوا بإحكامٍ الباب الذي يكون دائماً مدرّعاً.

وهذه المرة، جاء التهديد من داخل قمرة القيادة نفسها، وهو وضع نادر جداً، فقد تمكّن الطيار المعتَدى عليه الهندي سميت ماشار، وفقاً للروايات الأولية، من فتح باب قمرة القيادة، ما جعل زملاءه يتنبهون لما يحصل، وأتاح للركاب وأفراد الطاقم إنقاذ الطائرة، وهذا ما جعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصفه بأنه «بطل».

كيف تتأكد شركات الطيران من أن طياريها غير خطِرين؟

هذه المسألة هي الأكثر صعوبة؛ لأنها تتطلب اكتشاف خطر قد لا تَظهر سلفاً أي مؤشرات واضحة على وجوده، بل قد يبرز فجأة دون سابق إنذار.

والحالة الأشهر من هذا النوع هي تحطُّم طائرة تابعة لشركة «جيرمان وينغز» في جبال الألب الفرنسية عام 2015، وقد تسبَّب به عن سابق تصوّرٍ وتصميم أحد الطيارين. وأظهر التحقيق أن ميولاً انتحارية كانت تطبع شخصية هذا الشاب الألماني البالغ السابعة والعشرين، والذي كان يعاني الاكتئاب، لكنها لم تكن بادية بقدر كاف لدى الشركة التي كان يعمل لحسابها.

ودفعَ هذا الحادث، الذي أودى بحياة 150 شخصاً، شركات الطيران في مختلف أنحاء العالم إلى إدراك ضرورة المتابعة اللصيقة للصحة النفسية لأفراد الطاقم. إلا أن هذه الشركات لا تُفصح كثيراً عن الإجراءات التي تتخذها في هذا المجال؛ لأسباب مختلفة، منها متطلبات السرية.


أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
TT

أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)

لم تعد قمرة قيادة الطائرات التجارية مجرد مساحة فنية لإدارة المحركات وتوجيه المسارات، بل تحولت على مدار الربع قرن الأخير إلى ما يشبه الحصن العسكري المعزول سيادياً عن بقية أجزاء الطائرة.

وأعادت الواقعة الأخيرة لرحلة «فلاي دبي» فتح التساؤلات العميقة حول الهندسة الأمنية والقوانين الصارمة التي تحكم الدخول إلى هذا الجيب الاستراتيجي المعلق في السماء.

في عالم ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، تبدلت فلسفة الطيران المدني بالكامل، إذ استُبدلت الأبواب الخشبية الواهية بدروع مصفحة مقاومة للرصاص والانفجارات، وصيغت تشريعات دولية تحظر أي تواصل فيزيائي غير مصرح به بين الركاب وطاقم القيادة.

فما هي القوانين الدولية التي نظمت هذا التحول الجذري، ومن يملك الحق القانوني في تجاوز العتبة المحصنة، وكيف يُدار لغز فتح الباب المغلق من الداخل أو الخارج أثناء الأزمات؟

 

صورة من قمرة طائرة بوينغ 737-400 (ويكيبيديا)

الثورة التشريعية لما بعد سبتمبر وصناعة الدرع الفولاذي

قبل خريف عام 2001، كان نظام الأمان المحيط بقمرة القيادة مرناً إلى حد كبير، إذ كان بإمكان المسافرين، وخاصة الأطفال، زيارة الطيارين وتبادل الحديث معهم في أوقات الطيران المستقر كنوع من الترحيب. لكن اختطاف أربع طائرات تجارية وتحويلها إلى قنابل موجهة صدم العالم ودفع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بالتنسيق مع إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) ووكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) إلى صياغة الملحق السادس من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني، والذي فرض تعديلات هيكلية إلزامية على جميع الطائرات التي تزيد سعتها عن ستين راكباً. قضت هذه القوانين الصارمة بإعادة تصميم أبواب قمرات القيادة بالكامل لتصبح مقاومة للمقذوفات النارية والشظايا والانفجارات والقنابل اليدوية الصغيرة، وتتحمل صدمات فيزيائية هائلة تمنع أي محاولة لاقتحامها بالقوة الغاشمة.

ولم يتوقف الأمر عند التدريع المعدني، بل أُلزمت شركات الطيران بنظام إغلاق إلكتروني تلقائي يظل مقفلاً بشكل دائم طوال فترة الرحلة منذ لحظة إغلاق أبواب الطائرة الرئيسية على المدرج وحتى فتحها في وجهة الوصول، مما جعل القمرة بمثابة قلعة مستقلة بذاتها لا يمكن اختراقها من الخارج.

 

جغرافيا الصلاحيات ومن يملك حق العبور العتبة؟

تحدد القوانين الدولية بصرامة بالغة هوية الأشخاص الذين يُسمح لهم بعبور عتبة القمرة المحصنة أثناء الطيران، وتضيق هذه الدائرة إلى حد كبير لمنع أي ثغرة أمنية. يقع الحق الأول والمطلق لقائد الرحلة (Captain) ومساعده (First Officer) المعينين رسمياً لتشغيل الطائرة، بالإضافة إلى أفراد الطاقم الإضافيين في الرحلات الطويلة الذين يتناوبون على القيادة. ولا يملك أي راكب، مهما بلغت درجته في السفر أو نفوذه السياسي أو المالي، الحق في طلب الدخول أو حتى الاقتراب من المنطقة العازلة المحيطة بالباب.

أما الفئة الثانية التي ينظم القانون دخولها فتشمل المفتشين الجويين التابعين لهيئات الطيران الوطنية الذين يحملون بطاقات تفويض رسمية لمراقبة أداء الطاقم، أو مهندسي الطيران التابعين للشركة بشرط وجود حاجة تقنية ماسة يوافق عليها القبطان مسبقاً.

وبالنسبة لأفراد ضيافة الطائرة، فإن دخولهم لا يتم بصفة دائمة بل يخضع لبروتوكول خدمة وتفتيش دقيق ومعقد، حيث يمنع القانون وجود أي شخص في القمرة بخلاف هؤلاء، وتعتبر أي محاولة لتجاوز هذه الحدود جريمة فيدرالية تندرج تحت بند التهديد الإرهابي والتدخل غير المشروع.

صورة من قمرة طائرة إيرباص A320 (ويكيبيديا)

لغز «فلاي دبي» وكيف اخترق الذعر جدار القمرة؟

أثارت الحادثة المرتبطة برحلة «فلاي دبي» جدلاً واسعاً حول كيفية وصول التوتر أو الركاب إلى مسافة قريبة من القمرة دفع الطيارين لتفعيل الرموز التحذيرية المركبة.

تشير الأعراف الملاحية والتحقيقات الأولية في مثل هذه الحالات إلى أن الركاب لا يدخلون القمرة عبر كسر الباب المصفح، فالأبواب الحديثة مصممة هندسياً لمنع ذلك تماماً، ولكن الأزمة تبدأ غالباً في مقصورة الركاب الأمامية الخاصة بدرجة رجال الأعمال (Business Class) أو الممر المؤدي إلى دورة المياه الأمامية المحاذية للمطبخ وقمرة القيادة.

عندما يبدي أحد الركاب سلوكاً عدوانياً غير منضبط، أو يحاول الاندفاع نحو الممر الأمامي في توقيت متزامن مع خروج أحد الطيارين لقضاء حاجة بيولوجية، ينشأ ما يُعرف بـ«التهديد الوشيك».

في هذه اللحظة، تلجأ المضيفات إلى إطلاق صيحات التحذير واستخدام أجسادهن أو عربات الضيافة كحواجز فيزيائية مؤقتة لمنع الراكب من التقدم، بينما يقوم الطيار الموجود في الداخل بإغلاق الباب فوراً وحصاره إلكترونياً، مما يجعل الأزمة تدور خارج جدار القمرة المصفح لكنها تستدعي تفعيل الرموز التحذيرية نظراً لوجود مهدد أمني على بعد سنتيمترات قليلة من قمرة القيادة.

آليات التحكم الرقمي وكيف يُفتح الباب المغلق؟

يرتكز نظام إدارة أبواب الطائرات الحديثة، مثل «بوينغ» و«إيرباص»، على مفتاح تحكم ثلاثي المستويات يقع في المنصة المركزية لقمرة القيادة تحت السيطرة المباشرة للطيارين، ويحتوي على ثلاثة خيارات أساسية وهي: الإغلاق التام (LOCK)، والوضع التلقائي العادي (NORM)، ووضع السماح بالدخول (UNLKD). في الحالة الطبيعية، يكون المفتاح على الوضع التلقائي، مما يعني أن الباب مغلق بإحكام ولا يمكن فتحه بمجرد سحب المقبض الخارجي. إذا أراد أحد أفراد طاقم الضيافة الدخول لأمر روتيني كتقديم الطعام، يقوم باستخدام لوحة مفاتيح رقمية (Keypad) مثبتة خارج الباب، حيث يدخل رمزاً سرياً مخصصاً يطلق نغمة صوتية وإشارة ضوئية داخل القمرة.

ينظر الطيارون إلى الكاميرات الأمنية الخارجية للتحقق من هوية المضيفة، فإذا كان الوضع آمناً، يحركون المفتاح يدوياً إلى وضع السماح بالدخول (UNLKD) لعدة ثوانٍ ليفتح الباب إلكترونياً.

أما إذا استشعر الطيارون أي خطر أو لاحظوا وجود شخص غريب خلف المضيفة، فإنهم يحركون المفتاح فوراً إلى وضع الإغلاق التام (LOCK)، وهو إجراء يلغي فعالية اللوحة الرقمية الخارجية تماماً ويمنع فتح الباب لمدد زمنية متجددة تصل إلى عشرين دقيقة حتى لو أُدخلت الرموز الصحيحة.

الطوارئ القصوى وبروتوكول تجاوز عجز الطاقم

وضعت تشريعات السلامة الدولية سيناريو شديد الندرة والخطورة، وهو تعرض الطيارين معاً لحالة عجز طبي مفاجئ (كفقدان الوعي بسبب نقص الأكسجين أو التسمم الغذائي) مما يجعلهم غير قادرين على الاستجابة للنداءات الأرضية أو نغمات طلب الدخول من طاقم الضيافة. لمواجهة هذا المأزق، يتضمن النظام الرقمي للباب كود طوارئ سري للغاية (Emergency Access Code) لا يعلمه إلا رئيس طاقم الضيافة. عند إدخال هذا الكود الخاص بالطوارئ القصوى في اللوحة الخارجية، يبدأ نظام الطائرة عداً تنازلياً صوتياً وبصرياً داخل القمرة يستمر لمدة تتراوح بين 30 إلى 60 ثانية.

صُمم هذا التأخير الزمني لمنح الطيارين فرصة لرفض الدخول إذا كان هناك خاطف يحاول استخدام الكود بالقوة، فإذا كان الطيارون في وعيهم ورفضوا الأمر بالضغط على (LOCK)، يظل الباب مغلقاً. أما إذا التزم الطيارون الصمت التام ولم يضغطوا على أي زر طوال فترة العد التنازلي بسبب عجزهم الطبي، يفترض النظام الإلكتروني وجود كارثة صحية داخل القمرة، ويقوم بفتح القفل التلقائي لمدة خمس ثوانٍ فقط، مما يسمح للمضيفين بالدخول لإنقاذ الطائرة والركاب وتولي السيطرة.

 

خط الدفاع البشري: بروتوكول التقييد وأدوات السيطرة في المقصورة

لا تتوقف هندسة الأمن الجوي عند التدريع الفولاذي لأبواب قمرة القيادة، بل تمتد لتشمل تدريب طواقم الضيافة بصفتهم «خط الدفاع البشري الأول» المؤهل للتعامل الفوري مع الركاب المشاغبين أو الذين يشكلون تهديداً أمنياً وشيكاً. ووفقاً للوائح المنظمة الدولية للنقل الجوي (IATA)، يخضع أفراد الضيافة لتدريبات مكثفة على تقنيات الدفاع عن النفس وإدارة الأزمات السلوكية الحادة فوق السحاب. وفي حال فشل محاولات التهدئة اللفظية وتصاعد سلوك الراكب إلى مرحلة الخطر الفيزيائي، يُفعل الطاقم بروتوكول السيطرة القسرية باستخدام أدوات تقييد قانونية معتمدة تحتفظ بها الطائرات التجارية في مقصوراتها بانتظام، مثل الأصفاد البلاستيكية المرنة شديدة التحمل (Flex-Cuffs) أو أحزمة التثبيت القماشية المعززة. يُثبت الراكب المشاغب بموجب هذا الإجراء في مقعده بشكل محكم يمنعه من الحركة أو التقدم نحو الممرات الأمامية، ويظل تحت رقابة لصيقة من الطاقم حتى تلامس الطائرة الأرض، حيث يُسلم فوراً إلى السلطات الأمنية وقوات إنفاذ القانون المرابطة على المدرج لمواجهة عقوبات جنائية دولية صارمة.


بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
TT

بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)

في تصعيد جديد للتحذيرات البريطانية بشأن أنشطة التجسُّس الصينية، اتَّهم جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) منظمةً صينيةً بتمويل أبحاث أكاديمية في بريطانيا، في مجالات تقنية حساسة، من بينها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لمصلحة جهاز أمن الدولة الصيني.

وقال الجهاز، في تحذير أصدره يوم الأربعاء، إن المنظمة الصينية المعنية تربطها علاقات وثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية (MSS)، وإن الأبحاث التي موَّلتها يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في تعزيز القدرات التقنية لأجهزة الاستخبارات في بكين، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وفي «تنبيه بشأن التجسُّس»، أفاد جهاز «MI5» بأن أكثر من 100 أكاديمي مقيم في المملكة المتحدة شاركوا في مشاريع موّلتها منظمة «معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا» (CGTRI)، التي قال الجهاز إنها تتمتع بـ«علاقات وثيقة للغاية» مع وزارة أمن الدولة الصينية، وهي جهاز الاستخبارات المدني في بكين.

وجاء في التحذير: «لقد رصد جهاز MI5 أن الغرض الأساسي من معهد (CGTRI) هو تمويل أبحاث أكاديمية تعزِّز بشكل مباشر القدرات التقنية لوزارة أمن الدولة (MSS) في مجال التجسُّس».

وأضاف الجهاز أن أكاديميِّين بريطانيِّين شاركوا في مشروعات موّلتها المنظمة وتناولت موضوعات تشمل «الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الاتصالات السرية، وتقنيات إخفاء المعلومات».

وأشار التحذير إلى أن هذه الأنشطة «تدعم عمليات التجسُّس التي تقوم بها وزارة أمن الدولة الصينية، مما يُشكِّل تهديداً للأمن القومي للمملكة المتحدة».

ويقصد بـ«إخفاء المعلومات (Steganography)» تقنية تُستخدَم لإخفاء بيانات داخل رسائل أو ملفات أو وسائل أخرى.

ويُعدُّ هذا التحذير تطوراً لافتاً في تعامل الاستخبارات البريطانية مع ما تصفها بالتهديدات المرتبطة بأنشطة التجسُّس الصينية، إذ قال جهاز «MI5» إنه المرة الأولى التي يصدر فيها، بشكل مستقل، تنبيهاً عاماً من هذا النوع.

ويأتي التحذير في وقت تزداد فيه الاتهامات البريطانية المتعلقة بأنشطة التجسُّس الصينية، كما يسلط الضوء على التوتر القائم بين المخاوف الأمنية في المملكة المتحدة من جهة، ومساعي الحكومة البريطانية إلى الحفاظ على علاقات مع بكين وتعزيز التعاون معها من جهة أخرى.

الصين ترفض الاتهامات

في المقابل، رفضت السفارة الصينية لدى بريطانيا الاتهامات البريطانية، ووصفتها بأنها «خيالية، ومختلقة تماماً».

وقال متحدث باسم السفارة، في بيان، إن بلاده «تعارض بشدة مثل هذه المزاعم التي لا أساس لها من الصحة»، مضيفاً أن السفارة قدَّمت «احتجاجاً رسمياً وشديد اللهجة إلى الجانب البريطاني».

وتابع المتحدث: «نحث أجهزة الاستخبارات البريطانية على الكفِّ عن نشر الأكاذيب، والتوقف عن تقويض التبادلات التعليمية والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».

وزير بريطاني يتعهد باتخاذ «إجراءات صارمة»

وفي سياق متصل، ذكر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني أن كثيراً من الأكاديميين والمؤسسات ربما تعاملوا بحُسن نية مع منظمة (CGTRI)، التي تُترجم أحياناً باسم «الأكاديمية الصينية للتكنولوجيا العامة (CAGT)»، من دون أن يكونوا على دراية بصلاتها الوثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية.

غير أن الجهاز حذَّر من أنَّ مواصلة التعامل مع المنظمة قد تعرِّض المعنيين لخطر الملاحقة القضائية بموجب «قانون الأمن القومي» البريطاني، الذي أُقرَّ عام 2023 ومنح السلطات صلاحيات أوسع للتصدِّي لأنشطة التجسُّس الأجنبي والأعمال المرتبطة بالدول التي تعدُّها بريطانيا معادية.

وقال وزير الأمن البريطاني، دان غارفيس، إنه وجَّه رسائل إلى جميع رؤساء الجامعات في بريطانيا، لضمان إنهاء الموظفين أي علاقة لهم بالمنظمة الصينية.

وأضاف في بيان: «يكشف هذا التحذير عن محاولات تقوم بها الاستخبارات الصينية للاستفادة سراً من خبرات وأبحاث أكاديميينا، مما يقوض أمننا القومي وأمن حلفائنا».

وتابع: «تُعدُّ الشراكات الدولية أمراً حيوياً لضمان استمرار ازدهار جامعاتنا ومعاهدنا البحثية، لكننا سنتخذ إجراءات صارمة للتصدي للتهديدات التي نواجهها».